محمود على البنا.. موسيقار القرآن

لما ذهب «الشيخ» إلى مدينة النبى، طلبوا منه أن يقرأ فى الحرم النبوى، وفى اليوم الأول فوجئ الشيخ بأن صوته لا يخرج من حنجرته، وبقلب صوفى أدرك السبب وعرف أنه لابد أن

لما ذهب «الشيخ» إلى مدينة النبى، طلبوا منه أن يقرأ فى الحرم النبوى، وفى اليوم الأول فوجئ الشيخ بأن صوته لا يخرج من حنجرته، وبقلب صوفى أدرك السبب وعرف أنه لابد أن يستأذن من حضرة النبى قبل أن يقرأ فى مسجده، وطلب تأجيل القراءة إلى اليوم التالي، وذهب قبل الموعد، ودخل الروضة الشريفة وسلم على النبي، واستأذنه بمحبة صادقة، ثم اتجه ليقرأ فى المسجد، وفتح الله عليه بأن بدأ بالآية الكريمة "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين"وتفاعل معه المصلون وارتفعت صيحاتهم بالإعجاب والاستحسان ..

 ثم كان هذا المشهد المهيب الذى ظل محفورا فى ذاكرة ووجدان كل من حضره من تلك الآلاف المؤلفة فى مسجد النبي، فعندما وصل الشيخ البنا إلى قوله تعالى " يا أيها النبى إنّا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا

" فإذا بكل من فى المسجد يبكى بصوت مسموح ودمع مذروف، وبكى الشيخ هو الآخر وتحشرج صوته بفعل الدموع، وسكت حتى استعاد سكينته، وكان عليه أن يستعيد الآية 17 مرة متتالية بناء على طلب وإلحاح و(حلفان) المصلين، وفى كل مرة كان الشيخ يقرأها من مقام مختلف فترتجف لها القلوب..

 لم يكن الشيخ محمود على البنا مجرد اسم عابر فى دولة المقرئين، بل كان مدرسة وحالة متفردة ورقما صعبا وصوتا غير قابل للنسيان.. لم يختر الشيخ القرآن مهنة ومصيرا، بل إن القرآن هو الذى اختاره، فُولد منذورا له، فوفى بالنذر وأوقف عمره وصوته على خدمة كتاب الله..وكان خير سفير للقرآن.

عشاق ومحبو صوت الشيخ البنا على امتداد العالم الإسلامى يحتفلون هذه الأيام بذكرى رحيله (17 ديسمبر 1926-20 يوليو 1985) وهى مناسبة تدعونا لاستعادة سيرة الشيخ الذى ما زال صوته يصدح بالقرآن فيبهر ويهز القلوب..

وفى منزل ابنه الشيخ أحمد البنا، أقرب أولاده إليه بحكم الظروف التى جعلت منه ولسنوات طويلة مديرا لأعماله، يقود له سيارته ويرافقه فى تنقلاته وسفرياته وسهراته، فكان شاهدا على الكثير من المواقف والأحداث فى حياة الوالد، ويحفظ حياته كما يحفظ أسماء أولاده..

وأحمد هو الوحيد من أولاد الشيخ البنا الذى ورث عن والده قراءة القرآن وأخذ عنه طلاوة الصوت ومارس القراءة لفترة وانضم لنقابة المقرئين، قبل أن يغادرها ويتفرغ لعمله بالتجارة، وفوق ذلك كله فالشيخ أحمد البنا حكّاء عظيم، ومتحدث مفوه، وله مقدرة خاصة على أن يجعلك تنصت لكل حرف يقوله..

الآن.. الشيخ أحمد البنا يحدثنى عن والده المقرئ العظيم فى ذكرى رحيله :

1 جاء والدى إلى الدنيا ليقرأ القرآن، تحدد مصيره قبل ميلاده، فى قريتنا (شبرا باص) بمركز شبين الكوم فى محافظة المنوفية عاشت جدتى (أو ستى كما كنا نناديها) محنة شخصية، فلم يكن يعيش لها ولد، فبعد أن أنجبت عمتى (رتيبة) رزقها الله بأولاد، وفى كل مرة كان الطفل يموت بعد أيام، وأنت تعرف منزلة الصبيان عند أهل الريف، فنذرت جدتى لله نذرا لو عاش لها ولد ستوهبه لخدمة القرآن، وجاء (محمود) وعاش وكان غريبا أن يكون لقبه وهو فى (اللفة): (الشيخ محمود)، وكان عمره شهورا عندما حملته (ستي) على كتفها وسافرت به إلى طنطا، وفى مقام شيخ العرب وقفت طويلا تدعو الله فى خشوع: يا رب.. أنا عايزة محمود يبقى خدام عند سيدى أحمد البدوى !

وكانت أبواب السماء مفتوحة ساعتها لدعاء (ستي) فأجابها المولى واستجاب لها..لأن فيه أحداث عجيبة حصلت بعد كده، فبعد رحلة طويلة من الكفاح والنجاح جرى خلالها اعتماده مقرئا فى الإذاعة، وتعيينه مقرئا لمسجد (عين الحياة) فى حدائق القبة، ثم مسجد (الرفاعي)، وأخيرا جدارته بأن يكون مقرئ مسجد مولانا الحسين، فإذا ببعض الوشاة يتقدمون ضده بشكاوى بحجة أن صوته (جماهيري) وأن المصلين لا تسيطر على نفسها من الانفعال عندما يسمعون تلاوته، وهو أمر لا يليق بهيبة المسجد!

وفى سنة 1955 صدر قرار بنقل الشيخ محمود على البنا إلى مسجد سيدى أحمد البدوى فى طنطا، وظل هو مقرئ المسجد الأحمدى إلى سنة 1980 يعنى على امتداد ربع قرن، فارتبط اسمه بشيخ العرب ومسجده، وكان يذهب كل يوم جمعة إلى طنطا ليقرأ قرآن الجمعة، وكان المسجد يحتشد بالمصلين الذين يتوافدون من كل مكان ليستمعوا إلى صوت الشيخ البنا، وكنت أرافقه دائما فى تلك الزيارة الأسبوعية (المقدسة) لأقود له السيارة..

وفى يوم واحنا راجعين من طنطا قال لي: تعالى نعدى نسلم على جدك وستك فى (شبرا باص)، ولما وصلنا شبين الكوم على بعد كيلو مترات من بلدنا فجأة لمحت (ستي) ومعها عمى الحاج عبد الهادى الله يرحمه، وقفنا بالعربية، نزل وسلم عليها واحتفى بها، وظن أنها كانت فى مشوار لزيارة مريض أو شراء مستلزمات البيت، قال لها بحنو: اركبى يا أمه أوصلك، لكنه فوجئ برفضها، وقالت له بحسم: والله ما أركب معك إلا لما تحلف لى وتوعدنى إنك مش ح تزعق لأخوك عبد الهادي! ، سألها بفضول: عمل إيه عبد الهادى علشان أزعق له؟.. لكنها رفضت أن تجيبه قبل أن يوعدها ويحلف لها أنه لن يعاقب شقيقه، ولما حلف ركبت هى وعمي، وسألها كنتى فين كده يا أمه ؟..واعترفت له: كنت فى طنطا بنصلى الجمعة فى سيدى أحمد !

قال لها: فاكرة يا أمه لما أخدتينى وأنا عيل وروحتى المقام ؟..ردت: طبعا.. ما أنا كنت رايحة النهارده علشان كده.. يومها دعيت ربنا وقلت يا رب خلى محمود خدام عند سيدى أحمد!.. سألها: هه وشفتى إيه؟.. أجابت بتلقائية: ربنا استجاب..وشفتك النهارده رئيس الخدامين!

2 ارتبط اسم الشيخ البنا بمسجد السيد البدوى فكان هو مقرئه الأشهر، كما ارتبط بالرئيس عبد الناصر فكان هو المقرئ الوحيد الذى سجل القرآن مرتلا بقرار جمهورى من الرئيس!

ولذلك قصة طريفة.. فعندما توفى والد الرئيس عبد الناصر فى منتصف الستينيات أرسلت الإذاعة نجومها من كبار المقرئين ليحيوا العزاء فى الإسكندرية، وهكذا سافر المشايخ: مصطفى إسماعيل وعبد الباسط والبنا وأبو العينين شعيشع والحصري، وفى ليلة العزاء الأولى تسابق الجميع فى القراءة لكن الرئيس لم يحضر لارتباطات قاهرة، وتقرر استبقاء اثنين فقط من المقرئين لإحياء ليلة العزاء الثانية بحضور الرئيس، ووقع الاختيار على والدى وأظن الشيخ عبد الباسط..

وأثناء قراءة الشيخ البنا لاحظ أنه (ميّل) على سكرتيره محمد أحمد وهمس فى أذنه بكلمات، فقام سكرتير الرئيس واتجه إلى الشيخ وهمس فى أذنه: الريس عايز يسمع منك القرآن مرتلا، ورتل والدى القرآن ترتيلا، وبعد أن انفض العزاء ذهب الوالد ليسلم على الرئيس ويشد على يديه، وفوجئ بالرئيس يسأله: أنت ليه يا شيخ محمود ما سجلتش القرآن مرتلا للإذاعة زى ما عمل كبار المقرئين ؟..أجابه الوالد: الحقيقة يا سيادة الريس إن مفيش أحد من الإذاعة اتصل بى علشان أسجله وأنا رجل ما أحبش أروح أخبط على باب حد !

وهز الرئيس رأسه وهو يودع الشيخ محمود: خير إن شاء الله !

وبمجرد عودة الوالد للقاهرة اتصل به رئيس الإذاعة ووقع معه عقدا لتسجيل القرآن مرتلا، وسجله الوالد فى 26 يوما بمعدل 3 أيام فى الأسبوع، وكنت أحضر معه التسجيلات فى أستديوهات الإذاعة.. وفاكر إن رئيس الإذاعة لما انتهى الشيخ من التسجيل قال له مداعبا: أنت الوحيد اللى سجلت القرآن يا شيخ محمود بقرار جمهورى !

3  وارتبط اسم الشيخ كذلك بتأسيس نقابة المقرئين، فقد كان هو بشهادة الجميع صاحب الجهد الأوفر والدور الأبرز فى خروج النقابة للنور.. فى يوم اتصل به صديقه الشيخ أحمد الرزيقى يقول له بآسى: يرضيك يا عم الشيخ محمود إن زميلنا فلان (وسمى له واحدا من المقرئين المعروفين) لا يملك ثمن الحقنة التى وصفها له الطبيب لعلاجه ؟!..

تأثر الشيخ بشدة لما سمع, ولم يهدأ حتى اتصل بكبار المشايخ يدعوهم لاجتماع عاجل، وتقرر أن يلتقوا فى بيت الشيخ مصطفى إسماعيل بعد صلاة العشاء، كان على رأس الحضور عبد الباسط والرزيقي، وتدارسوا حالة زميلهم الذى لا يجد ثمن العلاج، وقرر كل منهم التبرع له بمبلغ لإعانته فى محنته..

ونبههم الرزيقى بأن الرجل (نفسه عزيزة) وغالبا سيرفض مساعدتهم إذا أحس أنها ستجرح كرامته، ولذلك يقترح بأن يخبره بأن هذا المبلغ مصروف له من رابطة المقرئين.. وهنا قفزت الفكرة: لماذا لا يكون للمقرئين نقابة ترعى أعضاءها وتقدم لهم المساعدة فى حالة المرض أو العجز وتقف فى ظهر أولادهم وتصرف لهم معاشا إذا مات المقرئ ؟

ولاقت الفكرة استحسان الجميع، وفى اليوم التالى كان الوالد فى مكتب حمايا(والد زوجتي) الأستاذ عصمت الهوارى المحامى الشهير ووكيل نقابة المحامين يطلب منه عمل قانون للنقابة والبدء فى إجراءات إشهارها، وقال له: إحنا مش ح نقدر على أتعابك.. ممكن تعمل الشغلانة دى متبرعا لوجه الله ؟..ووافق الأستاذ عصمت فورا: هو أنا أطول أشتغل عند مقرئى القرآن.

وانتهى القانون، وبعد اجراءات طويلة وروتين خانق أرسلته الحكومة إلى مجلس الشعب لمناقشته وإقراره، لكن المسائل طولت وقعد مركون 3 سنين، وفى يوم قرر الشيخ البنا اقتحام مجلس الشعب، وأخد الشيخ الرزيقى وطلعوا على المجلس ودخلوا مكتب رئيسه الدكتور صوفى أبو طالب.. وكان مدير مكتبه من محبى الوالد فصارحه بأن مشروع قانون نقابة المقرئين مركون فى مكتب رئيس المجلس، وطلب الوالد مقابلته، لكن د.صوفى كان مشغولا جدا وأراد تأجيل المقابلة ليوم آخر، وفوجئ الجميع بالشيخ محمود يضرب باب المكتب برجله ويدخل غاضبا على رئيس المجلس وهو يصيح بغضب: أهل القرآن ما يقعدوش بره وما يتأجلوش.. ثم ازداد انفعاله وهو يخاطب رئيس المجلس: قسما بالله العظيم لأجمع مقرئى مصر الليلة فى صلاة الفجر فى مسجد سيدنا الحسين ونقعد نقرا عليك عدية (يس)..ثم تركه وخرج وهو فى قمة الغضب..

د. صوفى (اتخض) وحاول تدارك الموقف: استنى يا شيخ محمود.. يا رزيقى.. الحقه يا رزيقى.. عدية (يس) إيه اللى ح يقروها عليّ فى الحسين ؟!

وفى ثورة غضبه اتجه والدى إلى رئاسة الجمهورية، وكان أخويا شفيق (اللواء شفيق البنا فيما بعد أحد كبار مسئولى الرئاسة فى عهد مبارك) بيشتغل هناك، يا شفيق عايز أقابل الريس السادات ضروري، وأخبره شفيق أن الرئيس فى استراحة القناطر، قال للرزيقى بحسم: يللا  بينا ع القناطر، الرزيقى الله يرحمه هو اللى حكى لى الحكاية، قال لى قلت لأبيك: يا شيخ محمود اعقل.. نطب على الرئيس من غير ميعاد إزاى ؟..رد : أهل القرآن  ما يخافوش أبدا!

وصلوا القناطر، عايزين نقابل الريس، فيه ميعاد يا شيخ محمود؟، قال: لأ..بس ادوله خبر..عرف فوزى عبد الحافظ سكرتير الرئيس بوجودهم فاستقبلهم فى مكتبه، خير يا شيخ محمود، فقعد يحكى له عن المماطلة فى صدور قانون نقابة المقرئين، وإزاى إنه مركون فى مجلس الشعب، فجأة دخل عليهم الرئيس السادات وكان سامع حوارهم ، قام الشيخ محمود وأخده بالحضن وكانت علاقته بالسادات ممتازة، السادات اهتم جدا بالموضوع ، وطلب صوفى أبو طالب وقال له بحسم: القانون يتناقش واعملوا جلسات استماع للمقرئين ولو لكم ملاحظات على القانون ناقشوها وخلصوا القانون.. أنا عايز أشوف القانون ده بأسرع ما يمكن !

ثم اتجه لوالدى مداعبا: مش ح تدونى عضوية نقابة المقرئين يا شيخ محمود ؟، فهتف والدى بفرح: أنت العضو رقم واحد يا سيادة الريس !

وصدر القانون فى العام 1983 بعد رحيل السادات، وكان الجميع يتوقع أن يكون الشيخ محمود على البنا أول نقيب للمقرئين بحكم دوره فى تأسيس النقابة، لكنه اختار الشيخ عبد الباسط نقيبا وهو نائب له.. فقد فعل ما فعل ابتغاء وجه الله وليس لمنصب أو كرسي.

4 لا يعرف كثيرون أن الشيخ محمود على البنا درس الموسيقى والمقامات الموسيقية وتتلمذ على يد الشيخ درويش الحريري، أعظم أستاذ لآلة العود وللمقامات، وهو الأسطى الكبير الذى تعلم منه عبد الوهاب وكانت أم كلثوم من مريديه..

وبسبب خبرته بالموسيقى ومقاماتها كان الشيخ محمود لديه براعة خاصة فى التنغيم والتنقل بين المقامات.. إزاى ينقل من البياتى للصبا أو من الحجاز للرست.. الحقيقة ربنا كان فاتح عليه فى موضوع المقامات..

ومرة أم كلثوم قعدت فى الشارع علشان تسمعه.. وتلك قصة أخرى.. ومازال لدى الشيخ أحمد البنا حكايات أكثر روعة عن والده.. أحد أجمل أصوات السماء.


 	ايمن الحكيم

ايمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد