أبو عزة المغفل ملكاً على جمهور سعدالله ونـوس

قدم المخرج المسرحى مراد منير ثلاثة عروض لسعدالله ونوس، كان أولها "الملك هو الملك" فى ثمانينات القرن الماضى، من ألحان حمدى رؤوف وغناء محمد منير وأشعار أحمد فؤاد نجم،

قدم المخرج المسرحى مراد منير ثلاثة عروض لسعدالله ونوس، كان أولها "الملك هو الملك" فى ثمانينات القرن الماضى، من ألحان حمدى رؤوف وغناء محمد منير وأشعار أحمد فؤاد نجم، وتقريباً كان أول عرض يقدم للكاتب السورى فى مصر على نطاق واسع، ويحقق نجاحا نقدياً وجماهيرياً كبيراً.. ثم أعيد تقديمها مرة أخرى ضمن إنتاج مسرح التليفزيون الجديد، وتم تسجيلها وتذاع بشكل دائم لما حققته من نجاح، حيث قدمه المخرج من خلال أسلوب المسرح الشعبى وتوافرت له عناصر حققت هذا النجاح. ثم كرر المخرج نفس التجربة بعد سنوات فى المسرح القومى من خلال نص "مغامرة المملوك جابر"، ولم تحقق النجاح الكافى لاستمرارها.. ثم قدم مراد منير تجربة مختلفة فى مسرح الهناجر لسعدالله ونوس من خلال نص "الأيام المخمورة" بطولة سمية الألفى.

ذات مساء احتاج الملك أن يعابث البلاد والناس، احتاج إلى لعبة شرسة، فقرر أن يتنكر مثل العوام ويتجرد من رموزه الملكية ويهبط إلى المدينة، ويقع الاختيار على واحد من الرعية زاره من قبل ودائماً يتوهم أنه السلطان، فقرر الملك أن يلهو ويلعب وينصّب أبوعزة المغفل ملكاً على البلاد لمدة صباح كامل، ثم يضحك فى المساء لا أكثر.. وهنا نسى الملك شرطه الحقيقى حين توهم أن لديه إمكانيات خاصة بمعزل عن رموزه "تاجه - صولجانه - عرشه - عساكره - حاشيته"، وزاد فظن أن العرش مقاس واحد.. مقاسه كرجل.. فضاع العرش وتلاشى المُلك الذى تخلى عن رموزه - شرطه الحقيقى - فحين تجرد من علاقاته خسر كل شىء وسقط فى متاهة وصرخ "أنا مسحور" ونسى أن هذه الرموز تتكثف فى تجريد رمزى هو الحاكم.. فحين نسى الملك أن يعى شرطه كتجريد رمزى ضاع وضاع منه العرش.

أما أبوعزة المغفل فحين نام محتمياً فى هذه الرموز ليلة واحدة فى سرير الملك تلاشى المواطن المقهور قطعة قطعة وصار ملكاً أكثر من الملك.. ونسى الجميع وجه الملك الحقيقى ولم يلتفتوا سوى للرموز.. فالملك هو الملك من خلال رموزه وعلاماته.. والحكاية لعبة.. كتبها سعدالله ونوس عام 1977، وكما وصفها فإنها "لعبة تشخيصية لتحليل بنية السلطة فى أنظمة التنكر والملكية.. وهى مسرحية تنتمى إلى المرحلة السياسية فى أعماله، وهو ما أطلق عليه التسييس فى المسرح.. وسادت أعماله طوال عقد السبعينات وهى لعبة.. أمثولة تساعد على فهم ما يجرى فى الواقع واتخاذ موقف منه.. وقد بدأت هذه المرحلة بـ"حفلة سمر من أجل 5 حزيران" والتى جاءت كرد فعل لهزيمة 67، وأيضاً "الفيل يا ملك الزمان" و"مغامرة رأس المملوك جابر" وكلها أعمال تقيم حوارا مباشرا مع الجمهور وتجعله شريكا فى اللعبة كى يتخذ موقفا من الواقع فى محاولة لفهم ما يجرى.. والممثلون فى اللعبة يعلنون عن حقيقتهم للجمهور فى البداية وأن ما يقدمونه ليس محاكاة للواقع وإنما أمثولة تساعد على فهم بعض ما يجرى واتخاذ موقف منه.. وفى "الملك هو الملك" يقود زاهد وعبيد اللعبة.. من جماعتين.. لتأخذ كل شخصية بُعدين بُعدها الواقعى فى جماعة زاهد وعبيد والذى يعرفه الجمهور.. وبُعدها الرمزى فى الأمثولة التى يتم تشخصيها على خشبة المسرح.. فهى مسرحية مركبة تقوم الحبكة فيها على تبادل الأدوار عبر التنكر.. وقد التزم المخرج مراد منير بتقديم هذه الأعراف المسرحية من خلال الشرط العام الذى يطرحه ونوس فى هذا النص.. وربما لم يلتزم بالإرشادات لكنه نجح بشكل مدهش فى تقديم اللعبة - الأمثولة.

فقد كتب ونوس هذا النص فى مرحلة قناعاته بالدور السياسى للمسرح فى عقد السبعينات ولابد من النظر إلى العمل ضمن شرطه التاريخى.. واللعبة واضحة وبسيطة فى قصدها المعلن لتحليل أنظمة التنكر والملكية. ويذكر ونوس أنه يعنى بأنظمة التنكر والملكية، المجتمعات الطبقية لا سيما البرجوازيات المعاصرة عسكرية كانت أم لا.. وبعيداً عن هذا النص يطرح رؤية مباشرة تتلخص فى عنوانه "الملك هو الملك"، لا أكثر.. فعبيد يروى لعزة حكاية الجماعة التى كانت تعيش سعيدة وتنعم بالعدل.. يوم تنكر أحدهم وصار الملك.. ومن يومها ونحن نعيش زمن التنكر والملكية والحل لا يقبل الجدال.. فحين جاءت الجماعة وضاق سوادها بالظلم أكلت ملكها.. فشعروا بالمغص وتسمموا.. ثم صحت أجسامهم لا أكثر.. لا فائدة من تغير الملك فالملك هو الملك.. والجمهور شريك فى اللعبة.

بدأ مراد منير العرض بين حيزين، حيز اللعب وحيز المتفرجين، من خلال فرجة مسرحية على مدى فصلين تبدأ بشرط عام اتفاق بأننا فى المسرح وما يحدث لعبة.. عن "السلطان أبوالسلاطين يخرب بيته وينشف زيته كل ما يمشى يقول قوانين".. والمسرح الذى يمثل بلاط الملك ما هو إلا اتساع مكانى بارد وعار كما وصفه المؤلف.. والديكور فقط تاج وعرش وقاعدة، وهو يعطى ملامح عامة ولا يشكل إرجاعا مباشراً لواقع محدد.. فقد نجحت سوزان أمين فى رسم دلالة وجود الملك من خلال شرطه الحقيقى - رموزه الملكية التنكرية - فى وضع تاج كبير خلف العرض اللولبى الكاريكتورى.. هذا العرش الذى ينكشف وتنكشف زينته ويظهر الحديد الأسود العارى حين يصعد أبوعزة المغفل ملكاً ويكبر التاج من خلفه وتنقلب البانوهات الملونة على يسار ويمين المسرح إلى رماح سوداء مخيفة، ويمتلئ المسرح بالرماح التى يحملها الحراس وكأنها مزروعة، ويقترب العرش الأسود الحديدى الذى يوحى بالخوف والوحشة من الجمهور، فقد صار أبوعزة المغفل ملكاً أكثر من الملك.. حين حصل على رموزه الملكية.

وجاءت أشعار أحمد فؤاد نجم وألحان حمدى رؤوف ذات دلالة قوية فى اللعبة ومعادلاً لأنظمة التنكر والملكية.. فقد دخل أحمد فؤاد نجم اللعبة شاعراً كبيراً واستعان هو والملحن حمدى رؤوف بالصيغ الشعرية الشعبية التى تتناسب وهذه اللعبة التى قادها مراد منير ببراعة ليقدم فرجة مسرحية يحشد لها العديد من الأشكال.. مثل مشهد الزار ومشهد السبوع فى عيد ميلاد الملك.. فقد برع نجم فى إيجاد حلول شعرية أضافت للعرض.. بعد أن خلع الملك ملابسه ونسى شرطه.. وأغنية "طفى النور يا بهية.. قيدى النور يا بهية.. كل العسكر حرامية" وأيضاً حصار الحراس لعبيد "شرم برم حالى غلبان".. وما أقصده كما قلت إن العرض الذى توافرت له كل عناصر النجاح ويحتاج كل مشهد فيه إلى قراءة تفصيلية كنت أشعر رغم استمتاعى بهذه العناصر بوجود خلل ما أو نقص فى هذا العرض.

وسوف أبدأ بالتمثيل.. فنحن أمام مجموعة لا خلاف على قدراتها وبراعتها.. صلاح السعدنى - حسين الشربينى - فايزة كمال - محمد منير - لطفى لبيب - على حسنين - ماجدة منير - كان للجميع حضور قوى ومذهل فى أحيان كثيرة خاصة صلاح السعدنى الذى أدى دورين مختلفين ببراعة شديدة.. دور أبوعزة المغفل الذى يتوهم أنه السلطان وفى مشهد محاكمته الوهمية للإمام والشهبندر كان مدهشاً وأيضاً حين تنكر وتحول للنقيض. وربما يكون الجميع هكذا ولكن ثمة شيئا مهما ربما نصل منه إلى الخلل.. وهو منطقة كسر الإيهام التى يعتمد عليها العرض.. فنحن نلعب وهناك اتفاق على ذلك.. ولكسر الإيهام قواعده.. التى لا تعنى الإفيهات الساذجة واستعراض العضلات الذهنية للممثلين.. والتى أفسدت العرض فى أحيان كثيرة.. كان البعض مقبولا مثل صلاح السعدنى لكنه حين يسخر من لغة النص.. ومن كاتبه فلابد أن نلومه.. أما الآخرون فكانوا على درجة كبيرة من الإسفاف والخروج غير المبرر، باستثناء فايزة كمال ومحمد منير.. فالموضوع لا يحتمل ما فعله حسين الشربينى.. والممثل الذى أدى دور ميمون وهو دور محدود فى النص.. ولا مبرر أن يأخذ هذه المساحة على خشبة المسرح.. فأن يتحول ميمون إلى ميمى ويستعرض عضلاته فى هذه المساحة الميمية أظن أن هذا ضد سؤال المسرح الذى يطرحه ونوس وصاغه مراد منير بصريا باقتدار.. وربما تكون هذه بعض الأمثلة وهى كثيرة ولا ننكر على الممثلين قدرتهم فى التعامل مع اللغة الفصحى ببساطة حيث جاءت سهلة طيعة على الأذهان.. فقط أفسدها خروجهم غير المبرر.

والشىء الآخر هو الجمهور.. فمن خلال ملاحظة الصالة التى هى لشريك.. الأساسى فى اللعبة راحت تصفق للإفيهات وتتعامل مع غناء محمد منير وكأنهم فى حفلة ساهرة للغناء لا أكثر.. والممثل الذى أدى أسوأ دور فى المسرحية "ميمون" حاز على أكبر تصفيق.. وليس هذا سوى دلالة واحدة وهى التساؤل حول سؤال الملك الذى يطرحه ونوس.. وهذا الجمهور الذى يحتاج سؤالا آخر أو يحتاج نفس السؤال بصيغة أخرى.. وأعترف أن هذا ما شغلنى أكثر من سؤال العرض الذى يطرحه ونوس ومراد منير.. فهل بالفعل تغير الشرط التاريخى.. وما عاد يهم الجمهور أن يأكل الملك.. أو ما عاد يعنيه أصلاً وجوده من عدمه بكل دلالاته.

 


 	جرجس شكرى

جرجس شكرى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

طرح كمبوند مايان الشروق من STM إستلام فوري متشطب بالتقسيط على 10 سنوات

طرح كمبوند مايان الشروق من STM إستلام فوري متشطب بالتقسيط على 10 سنوات

قصة مصورة - على نار هادية

المنطقة بعيدة عن الأحياءالسكنية المتكدسة، "هِو" كما يقولون.. والرصيف الذى يقف عليه الشاب، يطل على شارع واسع سريع، تملؤه السيارات...

«شاعر الكائنات الهشةوالتفاصيل الصامتة»..شعراء يضيئون تجربة فتحى عبد السميع

نحت لنفسه مسارًا متفردًا داخل قصيدة النثر المصرية فى المقدمة يناقش د. محمد فكرى الجزار الفروق الجوهرية بين النقد الأكاديمى...

نورا ناجى: «بيت الجاز» أعادتنى للحيـاة بعد إحباط وخذلان

أضع دائمًا جزءًا من نفسى فى كل بطل وبطلة لرواياتى كلنا يسعى للجوائز.. لكنها ليست الغاية الوحيدة