العرض الثانى الذى شاهدته لسعدالله ونوس طقوس الإشارات والتحولات.. عرض "منمات تاريخية" إخراج عصام السيد على خشبة المسرح القومى.. وكان النص قد نشرته دار الهلال بمقدمة
العرض الثانى الذى شاهدته لسعدالله ونوس طقوس الإشارات والتحولات.. عرض "منمات تاريخية" إخراج عصام السيد على خشبة المسرح القومى.. وكان النص قد نشرته دار الهلال بمقدمة للدكتور جابر عصفور وكتبه عام 1993 بعد توقف دام سنوات عن الكتابة، مع نص آخر هو "يوم من زماننا"، وجاءت المسرحية صرخة احتجاج ضد هذا الانهيار والتفكك.. ففى خمسة مشاهد، فى خمس محطات لأستاذ الرياضيات فاروق تبدأ فى المدرسة مرورا بالجامع ومكتب مدير المنطقة وبيت العاهرة فدوى وتنتهى فى بيته حيث ينتحر فاروق وزوجته، يحاول ونوس من خلال يوم واحد اختبار الحقيقة والصواب فى عالم فاسد محاولا إعادة صياغة سؤال اللحظة الراهنة المعقدة.. إذ يؤكد أن الاحتجاج ولو بالموت مؤشر يعطى الأمل.
يسبق كل مشهد تعليق من المؤلف.. وكما بدأ ينتهى.. فكان صباحاً غائماً وبارداً وكان صباحاً ككل صباحات أوائل الشتاء وكانت الساعات تدور، وفاروق المدرس يكتشف أمراً مروعاً وهو أن بعض الطالبات يمارسن البغاء ويترددن على بيت الست فدوى المعروف.. يصرخ فاروق متضرعاً إلى فاطر السماوات والأرض والمدير لا يهمه إلا حماية المدرسة من جرثومة السياسة وهذا واجبه الفعلى وأن يربى الطلاب على الولاء والطاعة ويتهم فاروق بأنه يعيش فى عالم المُثل والأفكار الملونة، ولا يفزعه ممارسة الطالبات للبغاء، بل ما يقلب كيانه رأسا على عقب هو اكتشاف طالبة تقرأ كتاب "طبائع الاستبداد" لعبدالرحمن الكواكبى متهما إياه بأنه رجل احترف التحريض وزعزعة الاستقرار، وهذا الكتاب يحفل بالنمائم والتوريات الحاقدة، فماذا يفعل فاروق، بعد أن اكتشف خراب المشهد الأول وهو المدرسة؟ خرج وهو يفر من بناء يتصدع، وهو العلم، ففى المشهد الأول هذا يسقط العلم فى هوة الجهل والفساد والتواطؤ مع الرذيلة، فالمدير ينفى أنه تناول الست فدوى بسوء لا سيما بعد أن تعرف عليها.. ويصرخ: "أعوذ بالله".. ليلجأ فاروق إلى رجل الدين الذى يترك الموضوع برمته ويتحدث عن تكفير هذه المدارس ويعتبر علمها من الموبقات ليخرج حاملا حذاءه بعد أن داهمه الغثيان إلى أين يذهب.. إلى مكتب مدير المنطقة عدنان القاضى، وهو السلطة، وهنا لا يشاهد فقط الفساد يصيب المجتمع، بل أصاب بيته وأصابه هو بعد أن عرف أن زوجته أيضاً تتردد على بيت فدوى.. وأيضاً كانت الساعات تدور ولم يكن يسير بل كان يهوى فى جروف عميقة يغطى قيعانها ضباب صدئ اللون. إذن لا مفر من مواجهة القوة الفاعلة التى تحرك كل هذه الأحداث وهى الست فدوى، ليسقط كل شىء.. ويشعر فاروق بأنه يتعرف على دنيا أخرى لم يعرفها من قبل، إذ تقول له فدوى "إنها الدنيا الحقيقية يا فاروق.. الدنيا المبنية من الطين والدم والشهوات.. الدنيا الملموسة والعنيفة والقاسية.. باختصار الدنيا الفعلية التى نحيا بها، أما تلك التى كنت تظن أنها الدنيا فليست إلا أوهاماً نفاقا وتزاويق كاذبة".
وفى المشهد الأخير.. يقول فاروق قبل أن يرحل عن هذه الدنيا الغريبة والغريب عنها مع زوجته "لا المكان ولا الزمان زمانى، رأسى عجين رخو من الصور والبذاءات والكلمات لو أغيب أو أغيّب".. وغاب بالفعل.. وأيضاً "كان يوماً غائماً بارداً.. كان يوماً ككل أيام أوائل الشتاء.. وكانت الساعات تدور".. وينتهى العرض المسرحى والحياة أيضاً، لكن ستظل الساعات تدور.. هذا هو نص "يوم من زماننا" الذى كتبه سعدالله ونوس محتجاً على الخراب والوحشية والفوضى ولو بالموت كفعل للرفض. رفض كل هذا الزيف، ليبدأ كما انتهى وينتهى كما بدأ فى يوم بارد والساعات تدور، وأظنها سوف تدور فى هذا الخراب.
أحلام شقية
ثم قدم مسرح الهناجر مسرحية "أحلام شقية" من إخراج محمد أبوالسعود.. والمسرحية أبطالها خمس شخصيات وطفل عمره ثلاث سنوات، أما زمن الحدث فهو عام 1963، ولا يخلو هذا التاريخ من مغزى ودلالة، وهى فترة تحولات عصيبة للأمة العربية، خاصة فى مصر وسوريا بعد انهيار الوحدة بينهما، هذا عن الزمان، أما المكان فهو عبارة عن بيت عربى فقير يتألف من غرفتين متقابلتين بينهما فسحة سماوية، وفى هذه الفسحة مطبخ، وإلى جوارهما حمام ومرحاض وإلى جوارهما درج يفضى إلى غرفة علوية أمامها سطح صغير على شكل شرفة، ووصف المكان كما رسمه ونوس بالانغلاق والضيق يعبر عن حال الشخصيات، بل ويكاد يشبههم، لتبدأ الأحداث "ومارى" نائمة فى غرفتها الفقيرة فى ليلة خريفية باردة والنواسة الصفراء تلقى ضوءاً واهناً بارداً، وسوف يستمر هذا الوهن وهذه البرودة إلى نهاية العرض. هكذا يطرح ونوس مسرحيته وشخصياته فى أجواء خانقة وكئيبة، فقيرة ومظلمة، وللوهلة الأولى على خشبة مسرح الهناجر حاول محمد أبوالسعود تقديم ملامح المكان كما وصفه ونوس، لكنه أضفى عليه طابعاً خيالياً، وإن كان قد استعان ببعض القطع التقليدية المباشرة مثل السرير والطاولة والكراسى وخزانة الملابس والمرحاض والحمام.. لكنه من خلال الأيقونات التى تم توزيعها فى فضاء المسرح للفنان الروسى أنريا ريبيلوف فى القرن السادس عشر أضفى طابعاً فانتازياً للمكان.. ولا تخلو الصورة فى الفضاء المسرحى من دلالة، بل وتحيل المشاهد إلى عوالمها وهذا ليس غريباً فى مسرح محمد أبوالسعود وولعه بمسرح الصور، بالإضافة للبطولة الخاصة للسينوغرافيا التى لعبت الدور الرئيسى فى تحديد ملامح المكاهن وهويته، وقد استعان المخرج بموسيقى وغناء محمد أبوالخير الذى اختار مجموعة آيات من أسفار العهد القديم من "اللاويين - أيوب - نشيد الإنشاد - المزامير".
هذه هى مفردات العرض تقريباً إذ يطرح سعد الله ونوس سؤاله عن تلك اللحظة وحولها من خلال عائلتين.. الأولى فارس ومارى والثانية كاظم وغادة.. بالإضافة إلى المستأجر الغريب الذى يسكن الغرفة العلوية، وقد جسد المخرج هذا المكان كما وصفه ونوس مع الإضافات السابقة التى ذكرناها.
العائلة الأولى على يمين المسرح، وهى مارى وفارس، حيث الزوج فارس رجل عاطل جاء وضعه فى النص المسرحى أنه رزق زوجته مارى طيبة ومتدينة تعمل ليل نهار على ماكينة الخياطة والزوج العاطل يثرثر بين البيت والمقهى.. هذه هى الملامح الأولى للعائلة الأولى.. أما العائلة الثانية غادة وكاظم فالرجل يعمل شرطياً فى العهد الجديد للثورة التى دحرت الوحدويين بين أنصار جمال عبدالناصر، وهو فظ وجاهل يعود من العمل يسكر ويهين زوجته غادة الفتاة الرقيقة.. وهو ابن عمها كان فاشلا وتزوجها ودائما تشكو منه، لتتطور الأحداث ونعرف أنها لم تحبه طيلة حياتها وأن مارى تزوجت فارس وكان نصاباً خدعهم وأورثها مرضاً جنسياً أصابها بالعقم.. فبين العقم والقهر للعائلتين يظهر هذا المستأجر الذى يخرج هذه الأشياء المتراكمة من أعماق السيدتين، إذ كانت كل منهما تعيش كما قدر لها، لكن هذا الغريب أزاح الستار عن الأسئلة التى تختبئ داخل هاتين السيدتين، فها هى مارى العقيمة والتى نسيت دور زوجها فى إجهاض طفلها وإصابتها بالعقم تعتبر المستأجر ابنها وتبنى حياتها على هذه الفكرة، أما غادة فتعشق هذا الغريب وتشعر بأن الحياة عادت من جديد.. وبالتالى يتآمر الزوجان على التخلص منه، وحين يختفى الحلم ويذهب وتتلاشى الآمال تقرر السيدتان التخلص من الزوجين لكن ما يحدث أن يبتسم الطفل وتسقط آخر الأحلام وتعود الحياة عقيمة كما كانت وما حدث لم يكن سوى أحلام شقية لسيدتين بائستين.. لا أكثر.
التزم المخرج بترتيب الأحداث كما هى تقريباً وكما وضعها المؤلف مع بعض الحذف فى حوار الشخصيات وإخفاء الطفل الذى جاء بشكل رمزى ووضع الغريب فى صورة متخيلة تشبه الحلم، خاصة المشهد الخاص الذى يمزج فيه ونوس بين عائلة المستأجر بشير والعائلتين حيث يمزج بين أبى بشير وفارس وبين أخته غادة ويقوم الممثلون أيضاً بأداء نفس الأدوار.. فالأب يطلب من بشير قتل الأخت "غادة" وهو مشهد ملتبس قدمه أيضاً محمد أبوالسعود فى صورة ملتبسة وهو بالنسبة لى مشهد محير حتى الآن فى النص والعرض أيضاً، قدمه المخرج كما رسمه المؤلف، إذ تتحكم الإضاءة فى اختلاف الزمان والمكان وتغيير الشخصيات، وفى نهاية هذا المشهد الحلم يتحول الابن إلى المستأجر ونخرج من قبل الحصاد إلى الغرفة، وتتحول الأخت إلى غادة زوجة كاظم وتتغير الإضاءة ويدخل كاظم وفارس ليقتل كاظم المستأجر ويلقى بعه بعيدا.
أما عن الأداء التمثيلى لمحمد عبدالعظيم فى أداء دور "كاظم"، هذا الفظ الجاهل، فقد جسده بصرامة ودقة دون نقص أو زيادة، أما كارولين خليل فى دور غادة زوجته المرأة المستسلمة المغلوبة على أمرها أيضاً فاستطاعت قراءة هذه الشخصية وتقديمها بنعومة يتعاطف معها المشاهد، أما فارس الذى قام بدوره على حسنين فأضفى نوعاً من الفكاهة والسخرية على الدور ربما لم تكن مطلوبة فى أحيان كثيرة، وأخيراً أدت دور "مارى" عايدة فهمى.. وللحديث بقية..
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
رصد دقيق لكيفية تعديل المتداولين لاستراتيجياتهم لمواجهة تقلبات الأسواق الحديثة والخاطفة، وكيف تمنحكم JustMarkets بوصلة النجاح في عالم مالي لم...
الحصول على منحة دراسية ممولة بالكامل بالخارج لم يعد حلمًا بعيدًا كما يعتقد كثير من الطلاب، لكنه يحتاج إلى تخطيط...
يمشى محاطاً ببضاعته، في كتلة واحدة، كأنه مربوط فيها!
كرمت نقابة الصحفيين الزميلة مها حافظ نائب رئيس التحرير في مجلة الإذاعة والتلفزيون، ضمن الأمهات المثاليات من الصحفيات، في احتفالية...