حكاية 18 يوماً قضتها «شادية» بالمستشفى العسكرى خلال الحرب

لغز الممرضة رقم (7) شهادات الممرضات: عملت معنا بكل طاقتها.. ولم نكن نعرف أنها «شادية» قالت: الفن أعطانى حب الناس وتمريض الجنود أعطانى الرضا عن النفس

انطلق البيان العسكري الأول عبر أثير الإذاعة المصرية ليقطع صمت القاهرة وهدوءها في السادس من أكتوبر 1973، معلناً نجاح قواتنا المسلحة في عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف، وفي تلك اللحظة التاريخية المليئة بالذهول والدموع، كانت امرأة في شقة أنيقة بحي الزمالك الهادئ تقف أمام الراديو وتنصت بقلب يدق كالطبول، لم تكن هذه المرأة سوى صوت مصر العذب وأيقونة السينما والغناء الفنانة «شادية» وبينما سارع معظم الفنانين والمطربين في تلك اللحظات إلى  

مبنى الإذاعة والتليفزيون بـ«ماسبيرو» لتسجيل الأغاني الوطنية والهتاف للنصر، اتخذت شادية قراراً مختلفاً تماماً، لم تكتف بغناء أغنية «يا حبيبتي يا مصر»، بل شعرت أن الوطن في هذه اللحظة الفارقة يحتاج إلى أيد تضماد الجراح، وإلى قلوب تقف في خط المواجهة الخلفي، ختعت شادية ثياب الشهرة والأناقة، ارتدت فستاناً قطنياً بسيطاً، ولفت رأسها بطرحة بيضاء خالية من أي زينة، واستقلت سيارتها بغير سائق، متجهة مباشرة إلى مستشفى العجوزة العسكري ثم مستشفى القصر العيني، وهناك عند بوابة المستشفى رفضت أن تقيد اسمها في سجلات الزوار كـ«فنانة شهيرة»، بل قدمت نفسها للمشرفة على التمريض بصفتها متطوعة عادية تريد خدمة الجرحى، ومع إصرارها على عدم الإفصاح عن هويتها للصحافة أو التقاط أي صور، مُنحت الرداء الأبيض، وأُعطيت رقماً تنظيمياً بين الممرضات المتطوعات: «الممرضة رقم 7».  

هذه ليست مجرد قصة عن فنانة أدت واجباً وطنياً، بل هي حكاية إنسانية عميقة، رواها المقربون من شادية والأطباء الذين عاصروا تلك الأيام، ليكشفوا عن وجه آخر لعروس السينما المصرية، الوجه الذي فضل المصل والضمادة على أضواء الكاميرات.  

صوتي وحده لا يكفي

تروى الشهادات الموثقة عن المقربين من شادية، ومنهم الفنان الراحل سمير صبري والكاتب الصحفي موسى صبري، أن شادية عاشت حالة من الهلع والفرح والخوف لحظة انطلاق الحرب. كان لديها شقيق ضابط بالجيش، وكانت تعرف تماماً معنى أن يكون الشاب المصري على جبهة القناة تحت النار. يروى سمير صبري في خواطره المكتوبة والمحكية عن تلك الأيام أن شادية اتصلت به في الساعات الأولى من الحرب، وكانت تبكي بحرارة، ولم تكن تبكي خوفاً، بل كانت تبكي حناناً وشغفاً، وقالت له بعبارات بسيطة  

وصريحة: «يا سمير، أنا مش قادرة أقعد في البيت أسجل أغاني وبس. الناس بتنزف على الجبهة، والشباب بيموتوا عشان نعيش. أنا حاسة إن صوتي لوحده مش كفاية، عايزة أعمل حاجة بإيديا».  

حاول بعض المقربين إقناعها بأن بقاءها في الاستوديو لتصوير وتسجيل الأغاني الوطنية هو أسمى ما يمكن أن تقدمه للرفع من معنويات الشعب والجيش، لكنها رفضت هذا المنطق الجزئي. كانت ترى أن الغناء في الميكروفون دون بذل جهد بدني ملموس يعالج آلام الناس هو نوع من التقصير الإنساني.  

في صباح السابع من أكتوبر كانت شادية قد أعدت حقيبة صغيرة أودعت فيها مستلزمات بسيطة، وانطلقت نحو مستشفى العجوزة العسكري، وهو المستشفى الذي كان يستقبل أولى دفعات الجرحى والمصابين المقبلين من جبهة السويس والإسماعيلية عبر الإخلاء الطبي السريع، وعند وصولها إلى المستشفى، كان  المشهد كابوسياً ومجيداً في آن واحد، سيارات الإسعاف لا تتوقف عن الصفير، نقالات الجرحى تتزاحم في الممرات، رائحة المطهرات والدم تملأ الهواء، وأطباء يركضون بلا توقف بين غرف العمليات، دخلت شادية وسط هذا الزحام، ولم يلتفت إليها أحد تقريباً، فالجميع كان غارقاً في سباق مع الزمن لإنقاذ أرواح الجنود.  

سر الرداء الأبيض

استقبلت إدارة التمريض في مستشفى العجوزة المتطوعين الجدد، وكانت هناك فتيات من جامعات القاهرة وعين شمس، وربات بيوت، وسيدات من جمعيات مختلفة، ووقفت شادية في الطابور البسيط، وكانت ترتدي نظارة طبية سوداء كبيرة ووشاحاً يغطي معظم وجهها وشعرها، ويروى الدكتور محمد الجمال، وهو أحد الأطباء الجراحين الذين عملوا في مستشفى العجوزة خلال حرب أكتوبر، في شهادة صحفية سابقة أن إدارة المستشفى لم تكن تدري في البداية من تكون هذه السيدة التي أبدت استعداداً تاماً لتنفيذ أصعب المهام، وعندما سألتها حكيمة الدور عن خبرتها أجابتها شادية ببساطة: «أنا بعرف أغير على الجروح، وبعرف أنظف الملايات، وممكن أساعد الأطباء في نقل أدوات الجراحة، شغلوني في أي حاجة، حتى لو تنظيف الأرضيات».  

وجرى توزيع المتطوعات وتزويدهن بالثياب البيضاء الموحدة (بالطو التمريض)، وتم إعطاء كل منهن رقماً تعريفياً لتنظيم نوبات العمل الليلية والنهاريه، وصار رقم شادية في ذلك القسم هو «الممرضة رقم 07». لم تطلب شادية غرفة خاصة للراحة، ولم تستخدم اسمها الفني إطلاقاً، كانت تصر على أن ينادى عليها باسم «فاطمة» أو «يا أخت فاطمة». وفي الوقت الذي كان فيه المصورون الصحفيون يجوبون الشوارع والمؤسسات لالتقاط صور الفنانين وهم يتبرعون بالدم أو يزورون المستشفيات في زيارات خاطفة لا تتعدى النصف ساعة لالتقاط الصور، كانت شادية تقضي ثماني عشرة ساعة متواصلة يومياً داخل العناية المركزة وأقسام الحروق والبتر، وتقول الممرضة المتقاعدة «سعاد»، التي عملت بجوار شادية دون أن تعرف هويتها الحقيقية في الأيام الأولى: «كانت هناك سيدة هادئة جداً، لا تتحدث إلا قليلاً، لكنها أسرعنا حركة، وكانت تأخذ الملايات الملطخة بالدماء وتغسلها وتطويها، وتحمل الصواني الطبية الثقيلة وهي صائمة في نهار رمضان دون أن تتأفف أو تشتكي من التعب. كنا نظنها معلمة مدرسة أو ربة منزل متطوعة، لشدة تواضعها وبساطة ثيابها».  

دموع في أروقة الجرحى

تعد المعارك العسكرية من أشد الأوقات قسوة على أطقم التمريض، فالجرحى القادمون من خط النار لا يحملون فقط جراحاً جسدية بالغة من شظايا الصواريخ وحروق النابالم، بل يحملون أيضاً صدمات نفسية واهتزازات عصبية، وكانت نوبة عمل شادية تبدأ في الصباح الباكر وتستمر حتى وقت متأخر من الليل، وكانت مهمتها الأساسية تتلخص في مساعدة الأطباء أثناء غيار الجروح المؤلمة، وتنظيف إصابات الجنود، ومساعدتهم على تناول الطعام والشراب، وتقديم الدعم النفسي لمن فقدوا أطرافهم أو أبصارهم أثناء العبور.  

يروى الكاتب الراحل أنيس منصور في إحدى مقالاته الموثقة عن كواليس حرب أكتوبر كيف كانت شادية تتعامل مع الجنود المصابين بحنان أمومي نادر،  

كانت تجلس بجوار جندي شاب فقد بصره جراء انفجار لغم، وتمسك بيده لعدة ساعات متواصلة لتشعره بالأمان، بينما يتلقى المحاليل والأدوية، وكانت تجيد الاستماع للجنود، تسألهم عن قراهم في الصعيد والدلتا وعن أمهاتهم وزوجاتهم وتكتب لهم الرسائل بخط يدها لترسلها إلى ذويهم لتطمئنهم، ولم تكن تبدي أي غرور فني، بل كانت تبكي خفية داخل حمامات المستشفى بعد كل حالة بتر تشاهدها، ثم تمسح دموعها وتخرج بابتسامة دافئة لتواجه جندياً آخر يحتاج إلى أمل.  

وفي واحدة من أشد القصص إيلاماً وإبهاجاً في آن واحد، حدثت في اليوم الخامس للحرب، كان المستشفى قد استقبل دفعة جديدة من جنود سلاح المشاة الذين أصيبوا في معركة الفردان الشهيرة، وكان بين العمرات جندي شاب اسمه «حسن» ابن قرية صغيرة من قنا، مصاب بحروق شديدة في وجهه وصدره، وكان يصرخ من شدة الألم ويرفض أن يلمسه الأطباء لوضع المطهرات.  

تقدمت منه الممرضة رقم 7 بكل هدوء، وجلست على طرف سريره، وأخذت بيده المرتجفة ووضعت قماشاً مبللاً بالماء البارد على جبينه، وبدأت تتحدث معه بصوت رقيق، قالت له: «يا حسن، أنت بطل، أنت اللي جبت لنا الكرامة يا بني، استحمل عشان خاطر ربنا وعشان خاطر أمك اللي مستنياك ترجع لها مرفوع الراس». وهدأ الجندي شيئاً فشيئاً تحت تأثير ذلك الصوت الدافئ، واستسلم لمشرط الطبيب ومطهر الجروح.  

الصوت يكشف السر                       

في منتصف الأسبوع الثاني من الحرب، وفي ليلة كانت القاهرة تعيش فيها ظلاماً تاماً بفرائض التعتيم الأمني ضد الغارات الجوية المحتملة، كانت أروقة مستشفى العجوزة اعتمد على إضاءة خافتة جداً، وكانت شادية تجلس بجوار جندي اسمه «إبراهيم» كان يخضع للرعاية بعد جراحة صعبة في القدم، وكان الجندي يعاني من الأرق الشديد والألام القاسية التي تمنعه من النوم، ولكي تخفف عنه شادية بدأت تدندن بصوت خفيض جداً، لم تكن تغني أغنية مشهورة، لكن كانت تدندن بلحن ديني قديم وبسيط «ادخلوها بسلام.. يا بلدنا يا أطهر أرض». انتفض الجندي من فراشه وتوقف عن البكاء، وفتح عينيه المجهدتين ونظر إلى وجهها المختفي خلف الكمامة البيضاء والنظارة الطبية في الضوء الخافت، امتدت يده المرتجفة ليُشير إلى وجهها وقال: «أنتي... أنتي الست شادية، الصوت ده هو صوت الست شادية.. أنا حافظه من الراديو والأفلام». توقفت شادية عن الدندنة، وارتبكت، وكانت تخشى أن يتجمهر حولها المرضى والممرضات ويتحول المكان إلى مظاهرة حب تفقد المستشفى نظامه وهدوءه. قالت له بهدوء ورجاء: «واطي صوتك يا إبراهيم الله يخليك.. أنا هنا أختك فاطمة.. أنا هنا ممرضة زيي زي البنات دول، عشان أخدمكم وأبوس إيديكم اللي رفعت راسنا».  

لكن الجندي بكى بحرارة، ولم يصدق أن الفنانة التي ملأت شاشات السينما جمالاً وأناقة، ولتهافت عليها الجماهير في المسارح، هي نفسها التي كانت تغسل قدميه وتضع المطهر على جراحه على مدار الأيام الماضية دون أن تفتخر بذلك، انتشر السر كالنار في الهشيم داخل القسم، وعلم الأطباء والممرضات أن «الممرضة رقم 7» التي تعمل معهم منذ أيام طويلة بلا كلل أو ملل هي الفنانة شادية، وحاول الدكتور رئيس القسم أن يعتذر لها، وأن يخصص لها مكاناً يليق قيمتها كفنانة كبيرة أو يريحها من المهام الشاقة، لكن رد شادية كان حاسماً وينم عن معدن نقي، قالت لرئيس الأطباء ناهية أي نقاش:  

«إذا كنتم هتتعاملوا معايا كفنانة، أنا همشي أروح مستشفى تاني.. أنا هنا مش فنانة، أنا هنا مصرية بتؤدي واجبها تجاه رجال بروحهم ودمهم بيحملونا. سيبوني أشتغل زي ما أنا».  

الشبكة السرية للتبرعات

لم تتوقف جهود شادية عند حدود العمل البدني والجهد الميداني داخل المستشفى، بل امتدت لتشمل شبكة دعم مالي ولوجيستي خفي أدارتها بذكاء وكرامة رفيعة، وفي تلك الفترة، كانت المستشفيات المصرية تعاني من ضغط هائل على المستلزمات الطبية، خاصة أكياس البلازما، ومصل الحروق الشديدة، والضمادات المعقمة، وبعض أدوية المضادات الحيوية المستوردة، ويروى الموسيقار الراحل بليغ حمدي، في شهادات نقلها عنه المقربون وشهد عليها الإعلامي وجدي الحكيم، أن شادية لم تكن تكتفي بالتبرع بالدم شخصياً، بل سحبت مبالغ مالية كبيرة من حسابها الشخصي في البنوك لشراء شحنات من المستلزمات الطبية، وكانت ترفض تماماً أن تسجل هذه التبرعات باسمها، بل كانت ترسل أفراداً من أسرتها أو معارفها لشراء المستلزمات الطبية من الصيدليات الكبرى والمستوردين وتوريدها مباشرة إلى مخازن مستشفى العجوزة وقصر العيني ومستشفيات الميدان في الإسماعيلية والسويس تحت اسم مستعار: «فاعل خير من الزمالك». علاوة على ذلك، تعاونت شادية بشكل خفي مع عدد من زميلاتها الفنانات، مثل الفنانة سعاد حسني والفنانة نجلاء فتحي، لتشكيل ما يشبه «لجنة الإغاثة الفنية الشابة».  

كن يجتمعن بعيداً عن أجهزة الإعلام في المنازل، ويساهمان في جمع التبرعات العينية والمادية، وتجهيز أكياس المواد الغذائية والأغطية وإرسالها إلى أسر الشهداء والمصابين في مدن القناة.  

وتقول الدكتورة نادية، وهي طبيبة أطفال متقاعدة كانت طبيبة مقيمة بقصر العيني: «كنا نكتشف فجأة ورود شحنات من كبسولات مضادات حيوية نادرة ومجموعات مطهرات غير متوفرة  في المخازن الحكومية، ولما نسأل الإدارة عن المصدر، يقولون لنا: «جاءت من طرف الأستاذة فاطمة «شادية»، بشرط عدم الحديث عنها للصحافة».  

من الممر إلى الاستوديو

اللافت في حياة شادية خلال أيام حرب أكتوبر 1973 أنها كانت تعيش حكايتين متوازيتين: حكاية «الممرضة رقم 7» في المستشفى بالنها والليل، وحكاية «صوت مصر» في استوديوهات ماسبيرو في أوقات متأخرة من الليل، بعد قضاء ساعات طويلة بين دماء الجرحى وآهات المصابين، كانت شادية تذهب تحت التعتيم إلى مبنى الإذاعة والتليفزيون بـ«ماسبيرو» وتلتقي بالموسيقار بليغ حمدي والشاعر عبدالرحيم منصور والصحفي والشاعر صلاح جاهين، لتغني تلك الأغاني الوطنية التي سجلتها شادية في حرب أكتوبر، مثل «عبرنا الهزيمة» و«يا بلدنا يا حياتنا» و«راية العرب»، ولم تكن الأغنية مجرد كلمات وألحان صيغت في غرف مكيفة، بل كانت مشحونة بالطاقة المباشرة التي امتصتها شادية من ممرات المستشفى، ويروى وجدي الحكيم في مذكراته الإذاعية أن شادية كانت تدخل استوديو التسجيل ويدها أحياناً تحمل آثار رائحة المطهرات الطبية مثل اليود والديتول، وكانت تجلس على الكرسي مجهدة للغاية، وجسدها يرتعش من التعب، ولكن بمجرد بدء التسجيل تتحول تلك المرأة المجهدة إلى صوت يتدفق بالنور والأمل.  

يقول بليغ حمدي في إحدى شهاداته الإذاعية القديمة: «كنت أرى في عيني شادية وهي تغني «عبرنا الهزيمة» صبراً ودماً ونظرات رجال الجيش الجرحى، ولم تكن تغني للجمهور في الصالات، كانت تغني للجنود الذين وضعت الشاش على جراحهم قبل ساعة واحدة فقط من قدومها للاستوديو، ولهذا السبب تحديداً خرجت أغانيها في تلك الفترة بصوت يختلف عن أي وقت مضى، صوت فيه صدق نقي يلمس الروح مباشرة». كانت تنهي التسجيل في أوقات متأخرة من الليل، ويدعوها الزملاء لتناول وجبة السحور أو الراحة، فترفض بلطف وتقول: «لازم أرجع المستشفى قبل ما نوبة الصبح  تبدأ.. في جنود محتاجين اللي يغير لهم على الجروح».  

مواقف خالدة من وراء الستار

من بين الحكايات العميقة التي رواها من عاصروا شادية في المستشفى، حكاية الجندي «صابر»، كان صابر مقاتلاً في سلاح المدرعات وأصيب بحروق شديدة في يديه، وكان يمر بحالة اكتئاب حاد ويرفض تناول الطعام أو التجاوب مع الأطباء، معتقداً أنه لن يستطيع ممارسة حياته أو العمل مرة أخرى، وعندما علمت شادية بحالته أخذت على عهدها أن تعيده إلى الحياة، كانت تزوره عدة مرات في اليوم، تطعمه بيدها لقمة لقمة وتحدثه عن مستقبل مصر وعن قيمة البطولات التي صنعها هو ورجال القوات المسلحة، وروى الكاتب والمؤرخ الفني الراحل أشرف غريب الذي نقب كثيراً في سيرة شادية الذاتية أن شادية وعدت الجندي صابر بوعد لترفع من روحه المعنوية، قالت له: «يا صابر، لو أكلت وخفيت وقمت على حيلك، أنا اللي هحضر فرحك وهغني لك أنت وعروستك مخصوص وبدون أي مقابل، وهكون أختك الكبيرة في الفرح». هذا الوعد البسيط أحيا الأمل في قلب الشاب، بدأ يتناول العلاج واستجاب للجراحات التكميلية والتجميلية، وتماثل للشفاء بفضل تلك الرعاية النفسية الفائقة. وبعد الحرب بأشهر طويلة وفي قريته الصغيرة بمحافظة الشرقية أوفت شادية بوعدها، ذهبت بغير تغطية إعلامية، وحضرت حفل زفاف الجندي صابر وغنت له وعروسته وسط دهشة أهالي القرية الذين لم يصدقوا أن نجمة مصر الأولى تقف بينهم في سرادق بسيط تفرح لزفاف جندي جريح.  

وفي موقف آخر يرويه أطباء قصر العيني، حيث حضر أحد القادة العسكريين الكبار لزيارة الجرحى في المستشفى، وصادف وجود شادية وهي تنظف إحدى الأسرة. وعندما حاول القائد العسكري التقدم منها لتقديم الشكر والثناء باسم الجيش المصري، انسحبت بهدوء إلى الخلف وقالت له بخجل شديد: «يا فندم الشكر ليكم أنتم.. إحنا تحت جزم الجنود دول، واللي بنعمله ده نقطة في بحر اللي هم قدموه للبلد».  

لماذا صمتت شادية؟

بعد أن انتهت الحرب، وتحقق النصر، وعادت الحياة إلى مجراها الطبيعي، بدأت وسائل الإعلام والصحف تنشر ملفات ومجلات تتحدث عن دور الفنانين في الحرب. نشرت صور العشرات من الفنانين وهم يزورون الجبهة أو يتبرعون بالدم في حملات مصورة، لكن شادية لم تظهر في أي من تلك الملفات المصورة المتعلقة بنشاط التمريض. لم تحتفظ بصورة واحدة لنفسها بالرداء الأبيض، ولم تجر مقابلة صحفية واحدة لتتباهى فيها بـ«الممرضة رقم 7».  

عندما كان الصحفيون يسألونها في السنوات التالية عن كواليس حرب أكتوبر وعن الأنباء التي تسربت حول تطوعها كممرضة في العجوزة وقصر العيني، كانت تتهرب من الإجابة بابتسامتها الرقيقة وتغير مجرى الحديث أو تقول بعبارة مختصرة: «كل ست مصرية في الأيام دي كانت ممرضة وكانـت بطلة، أنا أضعف من أن يتعمل عني كلام، اللي عملوه أولادنا على الجبهة هو السيرة الوحيدة اللي تستاهل تتكتب».  

يروى المقربون منها في أواخر حياتها، بعد اعتزالها الفن والتفرغ للعبادة والأعمال الخيرية، أنها كانت تعتبر الأيام الثمانية عشر التي قضتها في تمريض الجرحى خلال حرب أكتوبر 1973 هي أطهر وأعظم أيام حياتها على الإطلاق، وكانت تقول لأقاربها: «الفن أداني حب الناس، لكن عملي كممرضة في الحرب أداني الرضا عن نفسي قدام ربنا»، ولم تكن شادية تبحث عن نوط أو وسام، ولم تنتظر شهادة تقدير من جمعية، كانت تدرك بحسها الإيماني والإنساني العميق أن الواجب الوطني الخالص لا يباع في سوق الإعلام ولا يعرض في واجهات التفاخر.  

 	كريم حسين

كريم حسين

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

السينما المصرية

المزيد من فن

بيكت ويونسكو.. واقعية مسرح العبث ودراما الحلم

لماذا ارتبط مسرح العبث بعالم الأحلام، فهل كانت دراما اللامعقول هروباً من الواقع إلى الحلم، هل أوحت بنية هذه النصوص...

«40» فلاح السينما الفصيح (2) قصة «الكاهن» و«الملكة»

شادى عبد السلام بعيون نادية لطفى اعترافات نادية عن علاقتها بشادى: توأم روحى 7 متشابهات جمعتهما من العرق الصعيدى إلى...

أهل المغنى زوابع وفناجين فى مهرجان هانى شاكر

هذه الدورة التي تحمل رقم 34 لم تمر كما هي العادة.. مجموعة من الحفلات وقليل من الندوات وبعض المؤتمرات يخرج...

حسين فهمى يفتح «دفاتر» الدورة ال 47 .. القاهرة تستعيد بريقها السينمائى

ساعات قليلة ويعلن الفنان الكبير حسين فهمى كافة تفاصيل الدورة الـ47 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، الذى سيفتتح فعالياته في 11...