بطولات أكتوبر الغائبة عن الدراما والسينما

أسطورة الصاعقة وصائد الدبابات وقاهر بارليف والشفرة النوبية شريف عرفة: الإنتاج يتطلب مئات الملايين ومعدات ومجاميع لن تتوفر إلا بدعم الدولة طارق الشناوى: لدينا ازمة فى تمويل حرب 6 أكتوبر إلى دراما وبعض المنتجين يخافون من التجربة ماجدة موريس: الأفلام الحربية افتقرت للبطولة الإنسانية الفردية للمجندين البسطاء

قدمت السينما العديد من قصص البطولات التي شهدها ميدان النصر في السادس من أكتوبر 1973، ضباط وجنود قدموا أرواحهم فداءً لتراب الوطن في عمليات عسكرية محفورة في سجل الجيش المصري العظيم ووجدان أبناء الوطن، لكن تناول السينمائي وحتى الدرامي لهذه البطولات الخالدة كان على مدى عقود طويلة أسيراً لعدد محدود من الأبطال والقصص، وظلت هناك قائمة طويلة من السير الذاتية لأبطال خاضوا أعتى المعارك وأنجزوا ما يشبه المعجزات الميدانية، دون أن تتناول قصصهم أعمال درامية أو سينمائية متكاملة توفيهم بعض حقهم على الوطن.  

وفى صفحات السجلات العسكرية وشهادات الذين خاضوا حرب أكتوبر، أو خاضوا معارك الاستنزاف التي لم تتوقف طوال ٦ سنوات قبل استرداد سيناء من العدو الإسرائيلي، نجد شخصاً تتجاوز بطولاتهم حدود الخيال الدرامي، فى السطور التالية حاولنا حصرهم حتى نشير بأصابع من نور إلى بطولاتهم، موجهين تساؤلات للمشتغلين بالفن.. لماذا غابت هذه القامات الاستثنائية عن شاشات السينما والتليفزيون؟ وما الذي يحول دون تقديم أعمال ملحمية تخلد أصحاب هذه البطولات؟ وما هي الرؤية النقدية والسينمائية الكفيلة بسد الفجوة بين الوثيقة العسكرية والمشهد الفني؟ وفي هذا التقرير تقدم «الإذاعة والتليفزيون» قصصاً إنسانية وبطولات تستحق أن يراها الجمهور على شاشات السينما والتليفزيون، مع استطلاع نخبة من النقاد وكتاب السيناريو والمخرجين حول الأدوات الفنية والإنتاجية اللازمة لذلك.  

 أسطورة الصاعقة   فوق رمال سيناء الملتهبة وفي عمق خطوط العدو، لم يكن العقيد أركان حرب «إبراهيم الرفاعي» مجرد قائد عسكري يؤدي مهام عمله، بل كان حالة من الشجاعة التي أعادت تعريف مفهوم العمليات الخاصة في الشرق الأوسط، أسس الرفاعي وترأس المجموعة ٣٩ قتال، وهي وحدة مهام خاصة تبعت لإدارة المخابرات الحربية والاستطلاع، وتكونت من خيرة عناصر الصاعقة البحرية والبرية.  

برز نجم الرفاعي عقب نكسة يونيو ١٩٦٧ مباشرة، حيث رفض الاستسلام لرواية الهزيمة، وبدأ في تنفيذ إغارات جريئة وخاطفة على مواقع القوات الإسرائيلية شرق القناة، ولم تكن تلك العمليات تهدف فقط إلى تكبيد العدو خسائر في الأرواح والمعدات، بل كانت تستهدف كسر الحواجز النفسية وإعادة الثقة للقتال لدى الجندي المصري.  

قام الرفاعي ومجموعته بتفجير أطنان من الذخيرة في لسان التمساح، وأسر أول مجند إسرائيلي، والاستيلاء على أسلحة عتاد حديث، بل وإسقاط طائرات للعدو من مسافات قريبة، وفي حرب الاستنزاف، صال وجال في كل شبر من أرض سيناء، حتى أطلقت عليه القيادة الإسرائيلية لقب «الشبخ» أو «الرجل الخفى». 

 مع اندلاع حرب أكتوبر ۱۹۷۳، كانت المجموعة ٣٩ قتال هي الذراع الطولى للقيادة العامة، حيث أسندت إليها أصعب المهام، بدءا من دك بترول بلاعيم لترويع العدو وإرباك خططه، وصولا إلى منع تقدم مدرعاته نحو الثغرة في منطقة الإسماعيلية. وفي يوم الجمعة ۱۹ أكتوبر ۱۹۷۳ (۲۳) رمضان)، وأثناء تصديه لشراسة الهجوم الإسرائيلي في معركة نفيشة وجسر المحسمة، ضربت شظية دانة مدفعية موقعه، ليستشهد البطل وهو ممسك بسلاحه، تاركاً خلفه إرثاً عسكرياً يُدرس في كبريات الأكاديميات الدولية.  

وعلى الرغم من المجد التليد الذي حققه إبراهيم الرفاعي، والرمزية العميقة التي يمثلها كرمز للفداء والتضحية، فإن السينما المصرية لم تفرغ له عملاً سينمائياً أو درامياً مستقلاً يجسد مسيرته من النشأة حتى الاستشهاد، على الرغم من أن قصة الرفاعي تحتوي على كافة العناصر الملحمية التي تتطلبها الدراما الحديثة: من القيادة الأبوية، والتخطيط العسكري المعقد، والحروب النفسية، واللحظات الإنسانية بين أعضاء فرقته، وصولا إلى المشهد الختامي المؤثر في أرض المعركة. 

 إن غياب عمل استثنائي يستعرض مسيرة الرفاعي يترك فراغاً كبيراً في ذاكرة الشاشة الوطنية التي هي بأشد الحاجة لمثل هذه القدوة.  

صاحب الساق المعلقة   ترتبط البطولات العسكرية في أغلب الأعم بالقدرة الجسدية والسرعة والمناورة، لكن قصصاً قليلة في التاريخ هي التي تجسد انتصار الإرادة الروحية على الآلام الجسدية كما جسدها العميد عادل يسري. قاد يسري اللواء ۱۱۲ مشاة ضمن فرق المشاة التي أوكلت إليها مهمة اقتحام خط بارليف الصعب والسيطرة على النقطة الحصينة في منطقة «الكبريت». 

 كانت منطقة الكبريت واحدة من أعقد النقاط الدفاعية للعدو، نظراً لطبيعتها الجغرافية وللتحصينات الخرسانية العميقة التي تحيط بها، علاوة على حقول الألغام المعقدة والتغطية المدفعية المكثفة. وفي ساعات العبور الأولى، تقدم العميد عادل يسري قواته في الصفوف الأمامية، يترجل بين جنوده ليرفع من روحهم المعنوية ويتابع تنفيذ التعليمات الميدانية بدقة شديدة تحت وابل من القصف الجوي والمدفعي الإسرائيلي.  

وفي خضم المعركة الشرسة للاستيلاء على النقطة الحصينة، أصابت قذيفة مدفعية الموقع القريب منه، مما أدى إلى إصابته بإصابات بالغة الضرر تسببت في التمزق الكامل لساقه اليمنى حتى أصبحت معلقة بأجزاء بسيطة من النسيج. 

 وفي لحظة تتجاوز حدود الاحتمال البشري، رفض العميد عادل يسري الإخلاء الطبي فوراً، وأمر أطباء الميدان بربط الجرح لوقف النزيف، وواصل إصدار الأوامر وإدارة المعركة وهو مستلق على الأرض، ممسكاً بجهازه اللاسلكي، يوجه القوات ويصر على استكمال عملية السيطرة الكاملة على النقطة الحصينة قبل أن يسمح بنقله إلى المستشفى لعلاج جراحه أو بتر ساقه، ولم تكن سيطرة اللواء ۱۱۲ على «الكبريت» مجرد نجاح تكتيكي، بل كانت تحولاً روحياً أثبت أن القادة العسكريين تقدموا جنودهم على المستوى الاستراتيجي والميداني أيضاً.   تمثل مسيرة العميد عادل يسري نموذجاً للدراما النفسية والإنسانية التي تركز على صراع الإنسان مع ألمه ومسؤوليته تجاه الوطن والجنود، ومع ذلك، لم تجد هذه الملحمة الإنسانية والعسكرية طريقها إلى فيلم سينمائي أو مسلسل يغوص في أعماق هذه الشخصية الاستثنائية وكيف استطاع تحويل الإعاقة الجسدية المباغتة إلى وسام شرف وانتصار ميداني مخلد في الوثائق العسكرية.  

صائد الدبابات  

في الحروب تعتبر الدبابة هي الحصن المتحرك واليد الطولى للقوات البرية، ولكن في حرب أكتوبر ۱۹۷۳ أثبت المشاة المصريون أن الإيمان والتخطيط والبراعة الفردية قادرة على تحييد هذا التفوق المدرع.

ويبرز اسم الجندي «محمد المصري» الشهير بـ«صائد الدبابات»، كأحد ألمع النجوم في سجلات حرب الساعات الست والحروب التي تلتها، كان المصري مظلياً ضمن قوات المظلات المصرية، وتخصص في استخدام الصواريخ الموجهة المضادة للدروع من طراز «ماليوتكا» (Sagger AT-3).   كانت هذه التكنولوجيا وقتها تتطلب مهارة فائقة وإحاطة دقيقة وقدرة نفسية وعصبية، حيث يتوجب على الرامي توجيه الصاروخ سلكياً نحو الهدف عبر سلك رفيع جداً، مع الحفاظ على الثبات التام وسط أعمدة الدخان والغبار وقذائف العدو. 

نجح محمد المصري في تحقيق رقم قياسي عالمي لم يسجل مثله في تاريخ الحروب الحديثة، حيث استطاع بمفرده تدمير ۲۷ دبابة إسرائيلية بكفاءة استثنائية، وكان كل صاروخ يطلقه يعني إصابة محققة ودقيقة، ولم تكن هذه الأرقام مجرد إحصائيات صماء، بل كان بين هذه الدبابات دبابات لقيادات عسكرية إسرائيلية بارزة، من أهمها دبابة العقيد «عساف ياجوري» قائد اللواء ۱۹۰ مدرع إسرائيلي الذي تم أسره لاحقاً عقب تدمير لواء مدرعاته بالكامل على يد القوات المصرية.   إن قصة محمد المصري تتجاوز البعد العسكري الصرف لتمس التفاصيل الإنسانية والاجتماعية للريفي المصري البسيط الذي يتحول في لحظة فارقة إلى قناص أسطوري يرعب سلاح المدرعات الأكثر تطوراً في المنطقة.   إن الدراما التي يمكن أن تستلهم حياة «المصري» تتنوع بين مراحل الإعداد والتدريب المجهد، والتركيز العالي لحظة التوجيه، والتواضع الشديد عقب إنجاز هذه البطولات. ورغم أهمية هذه القصة وتوفر كافة المقومات البصرية والنفسية لإنجاز فيلم يضاهي أفلام القناصة العالمية، إلا أن السينما لم تنتبه بعد لهذا الإنجاز الميداني الرائد.  

الشهيد الحي   تعرف العلوم العسكرية مفاهيم التضحية والالتزام، لكن البطل «عبدالجواد محمد سويلم» قدم نموذجاً فريداً أطلقت عليه القيادة العامة للقوات المسلحة لقب «الشهيد الحي»، حين برز سويلم كأحد ยواعت الإلهام في حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر، فخلال إحدى العمليات الاستطلاعية والهجومية الشرسة شرق القناة عام ١٩٦٩، تعرض موقعه لقصف جوي ومدفعي مكثف أسفر عن إصابته بجروح غائرة أدت إلى بتر ساقه اليمنى، وذراعه اليمنى وفقدان عينه اليمنى، فضلاً عن جروح متعددة في أجزاء متفرقة من جسده، وفي عرف القانون العسكري والطب الشرعي في كافة جيوش العالم، يُعتبر الجندي في هذه الحالة غير صالح للخدمة العسكرية ويتم إحالته للتقاعد الطبي الفوري مع صرف التكريم اللازم له، إلا أن عبدالجواد سويلم رفض منطق الاستسلام للإعاقة رفضاً مطلقاً؛ حيث قدم عدة التماسات للرئيس الراحل جمال عبدالناصر ثم للرئيس أنور السادات مطالباً بضرورة بقائه في الخدمة العسكرية والعودة إلى صفوف جبهة القتال. 

 وأمام هذه الإرادة الصلبة التي أذهلت الأطباء والقادة، تمت الموافقة استثنائياً على عودته للخدمة ضمن القوات المسلحة، ولم يكتف سويلم بالجلوس خلف المكاتب والإدارات، بل أصر على الوجود في الخطوط الأمامية مع زملائه، وشارك بالفعل في معارك حرب أكتوبر ۱۹۷۳ وهو بأطراف صناعية ورؤية في عين واحدة، متحملآ صعوبة التضاريس وشظف العيش في الملاجئ والخنادق. إن مسيرة عبدالجواد سويلم ليست مجرد حكاية حرب، بل هي درس فلسفي وإنساني نادراً ما يجود الزمان بمثله حول قهر المستحيل والتمسك بالهدف والوطن.   هذه الشخصيةثرية بتفاصيلها الإنسانية والدرامية لم تسجل حضوراً في أي عمل سينمائي أو تليفزيوني، مما حرم الأجيال الجديدة من الاطلاع على قصة نموذجية للصلابة البشرية والإيمان بالواجب.  

 قاهر خط بارليف   عندما صمم الخبراء العسكريون الإسرائيليون والأجانب «خط بارليف» اعتبروه سداً منيعاً لا يمكن اقتحامه إلا باستخدام قنبلة ذرية أو مواجهة خسائر بشرية تتجاوز عشرات الآلاف، نظراً لارتفاع الساتر الترابي الذي وصل في بعض النقاط إلى أكثر من ٢٠ متراً بزاوية ميل حادة. لكن الحل المصري جاء من خارج الصندوق العسكري التقليدي عبر استخدام مضخات المياه عالية الضغط لفتح الثغرات.   وفي قلب هذه العملية الهندسية المعقدة برز اسم الرقيب أول إسماعيل بيومي كأحد أبطال سلاح المهندسين العسكريين، وكانت مهمة بيومي وزملائه تتلخص في امتلاك الشجاعة للوقوف أمام المدفع إليك النص المكتمل المأخوذ من الصور المرفقة بترتيبها وبدقة تامة وبدون أي تغيير:  

والقصف في المراكب المطاطية المفتوحة، وتوجيه خراطيم المياه بقوة دفع هائلة نحو الجدار الترابي لعرقلته وإذابته في مياه القناة لفتح ممرات لعبور الدبابات والمدرعات.  

أثناء تنفيذ المهمة تحت نيران كثيفة وقصف جوي لا يتوقف، تعرض إسماعيل بيومي لإصابات متعددة؛ حيث أصيب بشظية في عينه أدت إلى فقدان البصر بها، فضلاً عن حروق وإصابات في جسده نتيجة انفجار دانة بالقرب من المكبس الذي كان يعمل عليه، ورغم الدماء والإصابة البالغة، رفض بيومي مغادرة موقعه أو إفساح المجال لغيره، واستمر ممسكاً بمدفع المياه ووجهه مخضب بالدماء، مدركاً أن أي تأخير في فتح الثغرة لدقيقة واحدة يعني تأخر عبور ألوية كاملة وتعرضها للقصف في المجرى المائي، وواصل العمل حتى تأكد من تجريف الساتر الترابي وانسياب الطمي  

ليوفر الممر الآمن للقوات للعبور.  

تجسد قصة إسماعيل بيومي عبقرية فكرة السهل الممتنع وعن شجاعة التنفيذ تحت القصف المباشر، وتجسد ملحمة سلاح المهندسين الذين كانوا بحق الجسر الذي عبرت عليه مصر من النكسة إلى النصر، ومع أهمية هذا المفهوم الهندسي والعسكري، لم تحظ شخصية بيومي أو زملائه بتجسيد سينمائي يبرز هذه المعركة الهندسية الدقيقة التي كانت المفتاح الأول لنجاح خطة العبور بأكملها.  

الشفرة النوبية

في عالم الحروب الحديثة، لا تقل معركة الاتصالات واستخبارات الإشارة أهمية عن معركة الدبابات والمدافع، وكان اختراق الاتصالات اللاسلكية وتفكيك الشفرات الميدانية خطراً يهدد سرية التحركات المصرية قبل حرب أكتوبر، وهنا ظهرت العبقرية البسيطة للمجند النوبي أحمد إدريس الذي قدم للقيادة العامة للقوات المسلحة حلاً عبقرياً لم يخطر على بال أعتى أجهزة المخابرات العالمية، لاحظ إدريس أن اللغة النوبية (بفرعيها الكنزي والفيجكي) هي لغة منطوقة غير مكتوبة ولا توجد لها معاجم أو كتب مدونة في الخارج، ولا يتحدث بها سوى أبناء النوبة في جنوب مصر وشمال السودان.  

عرض إدريس الفكرة على قيادته، والتي رفعتها بدورها إلى الرئيس أنور السادات، وتم استدعاء إدريس لمقابلة الرئيس وشرح له كيف يمكن استخدام اللغة النوبية  

كشفرة لاسلكية لتلقي وإرسال الأوامر والتعليمات العسكرية بين القطاعات المختلفة على طول الجبهة، وبالفعل تشكلت فرقة من المجندين النوبيين وتم توزيعهم على محطات الإشارة وقواعد القيادة، وكانت التوجيهات تصدر باللغة النوبية، مثل كلمة «أوسكارو» التي تعني «اشعلوا النار» كرمز لبدء الهجوم، ووقفت أجهزة التنصت والاستخبارات الإسرائيلية عاجزة تماماً عن تفسير هذه الترميزات الشفهية التي لم تجد لها أي نظير في قواعد بياناتها، ساهمت هذه الشفرة النوبية بشكل حاسم في تحقيق السرية والخداع الاستراتيجي وتأمين أوامر العبور.  

تعتبر مسيرة أحمد إدريس مادة غنية جداً لأعمال السينما؛ فهي تجمع بين البعد الثقافي والتنوع الحضاري للمجتمع المصري، وبين الذكاء العسكري الخالص والتكتيك الاستخباراتي، ومع ذلك، لم تترجم هذه الملحمة الشفرية إلى عمل درامي أو سينمائي يستكشف كواليس هذه الفكرة العبقرية ودور أبناء النوبة في صناعة نصر أكتوبر.  

أزمة النص

عندما نتأمل بجرأة ووعي نقدي مسار السينما المصرية والعربية طوال العقود الخمسة الماضية وتحديداً في تعاطيها مع ملحمة حرب أكتوبر فسنجد أننا أمام أزمة فكرية ودرامية مركبة أعمق بكثير من مجرد الحديث التبسيطي عن قلة الميزانيات أو غياب التقنيات، هكذا بدأ الناقد السينمائي «طارق الشناوي»  

حديثه لـ«الإذاعة والتليفزيون» مشيراً إلى أن المشكلة الحقيقية والتاريخية التي حالت دون وصول السير الذاتية لأبطالنا الميدانيين إلى الشاشة الفضية تكمن في عقدة النص والتناول الدرامي الذي فرضته المؤسسة الإنتاجية وصناع الدراما على عقولهم وأقلامهم لعقود طويلة.  

وقال الشناوي إن الدراما الحربية سقطت لدينا في أسر المباشرة والمبالغة الخطابية المفتعلة، واستسهلت استدعاء الشعارات الحماسية المفرغة من أي مضمون إنساني متجاهلة الغوص العميق في المعمار النفسي والفكري للبطل العسكري كمواطن وإنسان عادي قبل أن يكون مقاتلاً يحمل السلاح، والمعضلة الكبرى في مخيلة الكاتب الدرامي العربي أنه يحيل الواقعة الحربية إلى مجرد خطوط عريضة ومشاهد عامة لقصف المدفعية ولحظات العبور الشكلي مستسهلاً المنطق الشعاري ومتجاهلاً كلياً تلك التفاصيل الدقيقة الصغيرة التي هي وحدها التي تصنع الفارق الجوهري بين فيلم حربي عابر يطويه النسيان بمجرد انتهاء عرضه وآخر خالد في ذاكرة الوجدان الإنساني.  

وعقد الشناوي مقارنة نقدية مع تجارب السينما العالمية في التعاطي مع الحروب الكبرى كالحرب العالمية الثانية أو حرب فيتنام، وقال إن تلك الأفلام لم تقدم للمشاهد أنبياء أو ملائكة يمشون على الأرض، بل قدمت جنوداً وضباطاً يعانون من محن نفسية وينتابهم الشك ويخطئون أحياناً في تقديراتهم وينهارون تحت القصف، لكنهم يتغلبون على قسوة  

الظروف في اللحظة الحاسمة، ولهذا السبب تحديداً صدقهم الجمهور واحتفظت الذاكرة الإنسانية بوجوههم وأسمائهم، ولكن للأسف الشديد سادت لدينا عقوداً طويلة ثقافة النمطية المهرجانية التي اختزلت حرباً بحجم أكتوبر في مجرد بيانات عسكرية متلفزة ومارشات حماسية، مما أورث المنتج والكاتب حالة من الرعب والتهيب من الاقتراب من السير الذاتية الفردية خشية السقوط في المباشرة السطحية أو حتى الاصطدام بالمقصات الرقابية.  

ولفت الشناوي إلى أن هذا الركود الفكري والجمود في مخيلة كتاب السيناريو أدى تلقائياً إلى تخوف شركات الإنتاج من المخاطرة، فالمنتج الواعي يعلم جيداً أن الجمهور الحديث، ولا سيما جيل الشباب المعاصر الذي انفتح على المنصات الرقمية العالمية والدراما الدولية ذات السقف مرتفع من الواقعية، لم يعد يتقبل الأفلام الخطابية أو الوطنية المفتعلة، فالشباب يبحثون عن كواليس المعركة النفسية وعن الحكايات الإنسانية المجهولة التي تلمس قلوبهم. ومن هنا فإن الجدار العازل الذي حجب أسماء بحجم هؤلاء الأبطال عن صالات العرض ليس نقصاً في المادة التوثيقية بل هو عجز السيناريو عن التطوير وسيطرة الخوف من الطرح الإنساني الجريء، وقال الشناوي في النهاية إننا بحاجة ماسة إلى ثورة فكرية شاملة في مفهوم الكتابة عن البطولات الحربية تعيد الاعتبار للإنسان الكامن داخل البدلة العسكرية وتنزع عنه ثوب الرمز الشكلي المغلق.  

المعضلة الإنتاجية

يتفق المخرج «شريف عرفة» مع الناقد «طارق الشناوي» قائلاً إن التصدي لإخراج عمل سينمائي حربي كبير يجسد السيرة الذاتية لبطل من أبطال المعارك الميدانية ليس مجرد فكرة براقة تدور في ذهن مؤلف أو رغبة عاطفية يحملها مخرج، بل هو مواجهة حقيقية وحاسمة مع معقدات تقنية ولوجيستية وإنتاجية فائقة التكلفة، لا يمكن بأي حال من الأحوال الاستهانة بها أو محاولة عبورها بأدوات الإنتاج التقليدية المتداولة في السينما السائدة، فعندما تتصدى كمخرج لنقل ملحمة ميدانية لبطل كصائد الدبابات أو لعملية شاقة مثل تجريف الساتر الترابي بالمضخات فأنت هنا لا تتحدث عن مجرد مجسد للشخصية يرتدي زياً عسكرياً ويحمل بندقية في صحراء ممتدة، بل إنك أمام مسئولية إعادة بناء بيئة بصرية وتاريخية وزمانية كاملة ومطابقة تماماً لواقع السبعينيات، أنت تحتاج إلى حشد دبابات وآليات مدرعة حقيقية من تلك الفترة وطائرات ومدافع ميدانية إلى جانب حفر وبناء خنادق وملاجئ ومواقع قيادة تمتد الكيلومترات في بيئات قاسية.  

وعلى المستوى التقني فإن تنفيذ مشهد بصري حاسم مثل مشهد إطلاق صاروخ سلكي مضاد للدروع وقطع مسافات هائلة وسط دخان المعركة الكثيف لإصابة الهدف بدقة متناهية أو مشاهد فتح الثغرات المائية تحت وابل القصف المدفعي الحي يتطلب تقنيات خدع بصرية ومؤثرات جرافيك وتصوير عالي الدقة وسرعة الإطارات على أعلى مستوى دولي معتمد، فضلاً عن أن الجمهور المعاصر لم يعد يغفر الإخراج الضعيف أو المجهود البصري الهزيل الذي يشبه أعمال الهواة لأن المقارنة لديه أصبحت فورية مع ما يشاهده في أعتى الأعمال العالمية. وهنا تظهر العقبة الإنتاجية الكبرى، فشركات الإنتاج الخاص في مصر والوطن العربي لا تستطيع بمفردها تحمل هذه الميزانيات الضخمة التي قد تتجاوز مئات الملايين من الجنيهات لفيلم واحد،  

لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار مخاطر السوق الحالية وآليات التوزيع التجاري، فالمنتج في نهاية المطاف يخضع حسابه للغة الأرقام وعندما يجد أن تكلفة الفيلم الحربي الواحد تعادل تكلفة إنتاج أربعة أو خمسة أفلام كوميدية أو أعمال حركة خفيفة مضمونة العائد المالي فإنه يفضل منطق السلامة ويهرب فوراً من النصوص الحربية المجهدة.  

وقال عرفة إن الأمر يتجاوز الميزانيات المالية إلى التحديات اللوجيستية المعقدة، فالتصوير في البيئات الصحراوية المفتوحة أو على امتداد المجرى المائي لقناة السويس يستلزم الحصول على موافقات أمنية ودعماً لوجيستياً متكاملاً، هذا الدعم يتضمن توفير المعدات التاريخية الحقيقية وضباط الصف والجنود للقيام بدور المجموعات الكومبارس فضلاً عن تأمين خطوط الإمداد ومواقع التصوير الشاقة وتوفير الحماية لفرق العمل وسط أدخنة ومفرقعات المعارك، وبدون وجود استراتيجية إنتاجية قومية شاملة ومتكاملة ترعاها الدولة وتشارك فيها كممول رئيسي أو كداعم لوجيستي يذلل العقبات أمام القطاع الخاص سيظل المخرج مقيد اليدين مهما كانت طموحاته البصرية وسيتبقى الكاتب خائفاً من تحرير مخيلته على الورق.  

ولفت عرفة إلى أن مصر تمتلك كوادر سينمائية وفنية على أعلى مستوى من الشغف والكفاءة وتزخر ذاكرتها العسكرية بحكايات مذهلة تتجاوز الخيال، لكن المحاكاة البصرية في العصر الحديث لا ترحم العشوائية، لكي نصنع فيلماً عن إبراهيم الرفاعي أو البطل النوبي أحمد إدريس يستطيع المنافسة في المحافل العالمية ويبقى شاهداً على التاريخ يجب أن نوفر أولاً البيئة الإنتاجية والتكنولوجية الشاملة التي تتيح للمخرج الإبداع الفني الحقيقي دون أن يضطر تحت ضغط الميزانية للتقليل من واقعية المعركة وجسارتها البصرية.  

السيناريو التقليدي

الناقدة «ماجدة موريس» قالت إن الدراسة العميقة لتاريخ السينما والدراما المصرية تؤكد على أن المؤسسات الفنية والثقافية الرسمية منها والخاصة قد وقعت لعقود طويلة تحت أسر مفهوم نقد حرج وفلسفة معالجة خاطئة، حيث ركزت معظم الأعمال الفنية على الرمز السياسي والعسكري الفردي الموجود  

في قمة الهرم القيادي، مما أدى في نهاية المطاف إلى تهميش وتغييب بطولات المجندين والضباط الميدانيين الذين صنعوا ملحمة النصر الحقيقية بعرقهم ودماء أجسادهم.  

ولفتت موريس إلى أن الدراما والسينما قد انشغلتا عقب حرب أكتوبر بالصورة الشاملة للحرب أو بالقصص ذات الطابع السياسي والمخابراتي الداخلي والإقليمي التي تسلط الضوء حصرياً على صناع القرار ورؤساء أركان حرب الجيوش، ومع تقديرنا التام للأهمية التاريخية والتوثيقية لهذه الأعمال التي لا يمكن إنكارها، إلا أن الأزمة تمثلت في أن هذا التمركز حول القمة جاء على حساب البطل الشعبي والجندي الميداني الذي خاض أهوال الحرب في أعمق نقطة بالخندق وعلى متن القارب المطاطي وفوق السواتر الترابية القاسية.  

قالت موريس إن النصر العسكري الكبير لم يكن مجرد خطط ملونة ورسومات بيانية تطوى وتفرد على الطاولات في غرف العمليات المكيفة والمريحة، بل كان دماء زكية أريقت وذكاء فردياً استثنائياً تمثل في مواقف مجندين من أسر بسيطة مثل البطل النوبي أحمد إدريس الذي استخدم شفرة اتصالات الجيش بعبقرية لغته الشفهية المحلية أو عبدالجواد سويلم الذي واصل القتال والاستبسال رغم فقده لأطرافه وإحدى عينيه، ولقد تناست السينما تماماً أن الثراء الحقيقي للدراما الحية يكمن في الهامش الاجتماعي وفي الطبقات الشعبية التي تشكل العصب الأساسي للجيش، وسيرة الأبطال لا تتناول مجرد فكرة حربية ذكية طرأت في لحظة حاسمة، بل تفتح الباب واسعاً أمام معالجة إنسانية وثقافية مذهلة تستعرض التنوع التراثي والاجتماعي الفريد للمجتمع المصري في أقصى جنوب الوادي وتوضح كيف يتلاحم هذا التراث المحلي العميق مع الهوية الوطنية الجامعة لتوفير حلول عبقرية ومفاجئة وقت الأزمات الكبرى.  

وتأسفت الناقدة الدكتورة ماجدة موريس على وجهة نظر غالبية صناع الدراما في الحرب من منطلق متطور البيانات العسكرية الرسمية والتغطيات الإخبارية المهرجانية، ولم ينظروا إليها كخزان لا ينضب من القصص الإنسانية التي تعج بالتفاصيل والصراعات الاجتماعية والعلاقات الريفية والشعبية التي سبقت الذهاب إلى الجبهة، قائلة إن التحدي الأكاديمي والفني الأكبر الذي يواجهنا اليوم لإعادة هؤلاء الأبطال الغائبين إلى الواجهة التي يستحقونها يتطلب تفكيك المركزية الدرامية التقليدية التي هيمنت على الفكر الإنتاجي عقوداً.

يجب أن نتوقف فوراً عن النظرة التبسيطية القاصرة التي تفترض أن الجمهور يسعى فقط لمشاهدة القادة والرموز الرئاسية وأن ندرك بوعي نقدي معاصر أن الدراما الحديثة والأكثر تأثيراً هي تلك التي تنبع من حكايات البسطاء الذين يحولون دفة التاريخ دون أن ينتظروا أضواء الشهرة، لافتة إلى أن إعادة اكتشاف بطولات هؤلاء الأبطال الميدانيين وإبراز أسمائهم وحكاياتهم الإنسانية والاجتماعية عبر الشاشة الفضية لن تعيد فقط تقديم التاريخ بشكل حقيقي ومنصف، بل ستضخ في شرايين السينما المصرية دماء جديدة وروافد درامية غير مطروقة وتؤكد للأجيال الشابة أن هذا الوطن العظيم لم يحفظه فقط التخطيط مكتبي، بل حماه صمود وتضحيات أبنائه البسطاء القادمين من كل قرية وحي ومحافظة في أرض مصر.  

 	صفاء الخميسي

صفاء الخميسي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

بيكت ويونسكو.. واقعية مسرح العبث ودراما الحلم

لماذا ارتبط مسرح العبث بعالم الأحلام، فهل كانت دراما اللامعقول هروباً من الواقع إلى الحلم، هل أوحت بنية هذه النصوص...

«40» فلاح السينما الفصيح (2) قصة «الكاهن» و«الملكة»

شادى عبد السلام بعيون نادية لطفى اعترافات نادية عن علاقتها بشادى: توأم روحى 7 متشابهات جمعتهما من العرق الصعيدى إلى...

أهل المغنى زوابع وفناجين فى مهرجان هانى شاكر

هذه الدورة التي تحمل رقم 34 لم تمر كما هي العادة.. مجموعة من الحفلات وقليل من الندوات وبعض المؤتمرات يخرج...

حسين فهمى يفتح «دفاتر» الدورة ال 47 .. القاهرة تستعيد بريقها السينمائى

ساعات قليلة ويعلن الفنان الكبير حسين فهمى كافة تفاصيل الدورة الـ47 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، الذى سيفتتح فعالياته في 11...