لماذا اختفت أعمال لينين الرملى ورموز الكتابة من خشبات المسارح؟

قرأ لينين الرملى فى أعماله الأولى أحداث المجتمع المصري وحاول أن يطرح أسئلة اللحظة الراهنة من خلال أسلوب كوميدى فى دراما اجتماعية،

ثم تطور الأمر إلى أسئلة وجودية حول مصير الإنسان، وناقش قضايا سياسية واضحة ومباشرة فى مرحلة أخرى، ولكنه فى كل الأحوال كان يعالج عبث الحياة والمآسى التى يعيشها الإنسان بالسخرية فى قالب كوميدى، وثمة وعى حاد بكل أحداث المجتمع المصري.

لم يكن لينين الرملى بالنسبة لى الكاتب المسرحى المتميز الذى أشاهد عروضه وأتناولها بالنقد والتحليل، بل ظاهرة وحالة نادرة فى تاريخ المسرح المصري، حالة مختلفة لا تشبه سواها، فلا يمكن تصنيفه فى خانة المسرح التجارى أو حتى مسرح الدولة ولا الفرق المستقلة رغم أنه مارس كل أشكال المسرح فى صيغه الإنتاجية لكنه احتفظ لنفسه بشخصية لا تمثل سوى لينين الرملى. وفى ذكرى مولده، 18 أغسطس 1945، أكتب وأتساءل أين أعمال لينين الرملى التى ناقشت قضايا المجتمع المصري فى نصف قرن، ومازالت الأسئلة التى طرحها تحتاج إلى مناقشة، فى السنوات الأخيرة غابت أعمال لينين الرملى عن خشبة المسرح، وليس وحده بل ومعه رموز الكتابة المسرحية من أجيال مختلفة، نذكر منهم توفيق الحكيم، نعمان عاشور، محمود دياب، ألفريد فرج، سعد الدين وهبة، وسواهم، تقريباً اختفت أعمالهم، ولم تعد الأجيال الجديدة تقدمها إلا فيما ندر!

كتب الرملى أولى مسرحياته عام 1973، وقدم للمسرح المصري والعربى ما يقرب من خمس وخمسين مسرحية، حالة نادرة فى تاريخ المسرح المصري وخاصة فى النصف الثاني من القرن العشرين، وكلما تأملت أعماله وحياته وأسلوب عمله وعلاقته بفن المسرح أشعر أنه كان من المفترض أن يعيش فى العقد الثاني من القرن العشرين مع جيل الرواد أصحاب الفرق والمسارح والذين كانوا يكتبون النصوص للفرقة التى يعملون معها، يكتبون على خشبة المسرح، ولا يؤمنون بالنصوص المسرحية كنصوص أدبية، فالكتابة للعرض لا للقراءة، كل حياة لينين الرملى وأعماله تؤكد أنه رجل مسرح وليس كاتباً مسرحياً فقط، بل «مسرحجى» إخلاصه الأول والأخير لفن المسرح كفعل على خشبة

المسرح مع الممثلين والعناصر الأخرى وليس كنص أدبى للقراءة، فهو يكتب العرض المسرحى وليس النص المسرحى، أى الكتابة على خشبة المسرح، وفى أعماله لم يهتم لينين الرملى بالتراث سواء على مستوى الشكل أو المضمون، لم يهتم بالأيديولوجيا، أو قضايا المسرح التى تم طرحها للمناقشة، كان اهتمامه باللعبة المسرحية على خشبة المسرح من خلال الإنسان فقط، ولا يخلو اختياره للكوميديا ومسرح القطاع الخاص من دلالة فى بداية حياته المسرحية، وإن كان الأمر سوف يتغير فى مراحل أخرى من حياته، ليكتب فى مرحلة متأخرة ملاحظاته حول المسرح المصري».

نلاحظ أن المسرح بدأ فى مصر كأعمال تراجيدية دينية توجهها السلطة - المسرح الفرعونى- وأن الناس صنعوا فنهم الدرامى بعيداً عن السلطة، وخارج الإطار الدينى بل غالباً فى غفلة منهما، واليوم نرى أن السلطة والإدارة البيروقراطية لا تتحمس كثيراً للمسرح، فإن تحمست قدمت أعمالا رصينة ذات أهداف موجهة، أما النظرة الرسمية الدينية وشبه الرسمية فتكاد تحرم المسرح والفن عامة، بينما الناس يقدمون مسرحهم الشعبى البسيط الساخر بعد تطويره بعض الشيء، وظل لينين الرملى مخلصاً لمسرح الناس فى كل أعماله، فهو أقرب

إلى الروح الشعبية ولكنه دعمها بالدراسة العلمية لكل أشكال المسرح العالمي فى محاولة للتعبير عن هموم الإنسان، وقد استطاع فى فترة قصيرة أن يحقق التواصل الجماهيرى مع التقدير النقدي، فقد درس طبيعة الشعب المصري إلى جانب المسرح واختار الكوميديا التى تتناسب وروح هذا الشعب الذى يعرف كيف يتذوق الضحك، فهو لا يقاوم الضحك فى أحلك الظروف، بل يعيش ويقتات على السخرية، حيث قاوم المصريون الطغاة بالسخرية من خلال خيال الظل والأراجوز.

بدأ لينين الرملى الكتابة للمسرح فى بداية السبعينيات وهى مرحلة فارقة فى تاريخ المسرح المصري، بل ومصر كلها دون شك، حيث بدأ العقد السابع من القرن العشرين قطار المسرح المصري يفقد اتجاهه وبقوة أيضاً، ربما كردة فعل لهزيمة 67 أو بداية مرحلة جديدة فى فترة حكم السادات، وربما كان ازدهار الستينيات يحتاج إلى مراجعة فى مدى مصداقيته وتأثيره الحقيقي فى العديد من الكتابات لنقاد تلك المرحلة الذين عكفوا على دراسة ملامح الازدهار وأسباب السقوط مثل فاروق عبدالقادر، أو من وصف وقائع تخريب المسرح المصري فى السبعينيات والثمانينيات

فى دراسة تحمل العنوان نفسه وهو فؤاد دوارة، وما إن بدأ العقد التاسع من القرن الماضي إلا ونحن نشاهد أسماء كبيرة تعتزل النقد المسرحى احتجاجاً على الأوضاع المتردية والبكاء على لبن الستينيات المسكوب تحت أقدام جنرالات المسرح التجارى الذى نما فى ظل الحراك الاجتماعي، أو تغير الوضع النسبي لطبقات وشرائح المجتمع فى ظل انفتاح اقتصادي وهمى رفع شعار ثقافة تهدف إلى تخدير الشعب وتسريب الوعى الزائف للجمهور، ما يهم هنا أن حقبة السبعينيات كانت بداية مرحلة جديدة فى المسرح المصري تم وصفها بحقبة السقوط وبداية التخريب، وكانت النجوم الزاهرة فى تلك الفترة بدأت فى التراجع نتيجة لمصادرة أعمالهم وتهميشهم مثل محمود دياب وميخائيل رومان ونجيب سرور، ليودع المسرح المصري ما أطلق عليها حقبة الازدهار فى منتصف العقد السابع الذى بدأ ومعه الأحداث المؤسفة لكتاب حاولوا اقتفاء أثر السابقين والسير على خطاهم، من خلال طرح قضايا اللحظة الراهنة وأسئلة الواقع مثل يسرى الجندى وأبوالعلا السلامونى، حيث كتب الأول - ما حدث لليهودى التائه مع المسيح المنتظر- عام 68 ولم ينشرها سوى عام 1982.

فى تلك الحقبة بدأ الكاتب لينين الرملى كتابة أولى مسرحياته «الكلمة الآن للدفاع» عام 1973، سبقتها محاولات عديدة سوف تكتمل فيما بعد، والتي يجسد من خلالها شخصية محام شاب مثالى ومثقف، ويدفع ثمن مثاليته بأن يخسر كل شيء حتى حبيبته، ويقف فى نهاية المسرحية عاجزاً لا يستطيع حتى الصراخ، ولم تعرض هذه المسرحية على خشبة المسرح حتى الآن، وأخبرنى فيما بعد أنه أنهى كتابة هذا النص

ظهيرة السادس من أكتوبر عام 1973!

ودون شك حال المسرح المصري فى سبعينيات القرن الماضي كان له الدور الأكبر فى توجه لينين الرملى فى بداية حياته إلى مسرح القطاع الخاص أو التجارى بعيداً عن المؤسسة التى أحكمت قبضتها على المسرح ومارست كل أنواع القهر على أهله، وظني أنه لم يؤمن بالحقبة الناصرية التى عاشها فى مطلع شبابه ولا بإنجازاتها السياسية أو الثقافية، وسوف يجسد موقفه من هذه الحقبة فى مسرحية «سعدون المجنون» واببتعد عن معارك المسرحيين حول اكتشاف أشكال مصرية وعربية للمسرح، هذه المعركة التى احتدمت فى ستينيات القرن الماضي وأنتجت أشكالاً وأساليب مسرحية جديدة سواء عند توفيق الحكيم أو يوسف إدريس أو محمود دياب، ولم يهتم بالأفكار السائدة وقتذاك والقضايا السياسية الكبرى ولكن دون شك كان اهتمامه بالإنسان لا أكثر ولا أقل، وإن كان سوف يشتبك مع السياسة فى مرحلة متقدمة ولكن بصورة غير مباشرة، وبالطبع بأسلوب ساخر، فلم يبحث أو يتبنى كغيره القضايا الكبرى والمقولات السياسية فى المضمون الذى يطرحه كما لم يهتم بقضايا الشكل فى الكتابة، واتجه إلى الكوميديا لتكون السخرية هي سلاحه الرئيسي فى معركة المسرح فى المراحل الأربعة التى مرت بها حياته المسرحية والتي جاءت مزيجاً من الكوميديا والتراجيديا، وحين سألته عن الذين أثروا فيه من كتاب المسرح قال لي: «لقد تأثرت بالكثيرين منهم بالتأكيد، لكنى حاولت أن أحفر طريقى بشكل آخر» وهذا ما حدث بالفعل.

وكلما تأملت بداية لينين الرملى توقفت أمامها كثيراً

فقد كان مغامراً دون شك انحرف عن الطريق الذى كان يسير فيه الجميع وقتذاك وسار وحده! كان والده فتحى الرملى يعمل بالسياسة والصحافة وكون حزباً وكانت والدته السيدة سعاد زهير تساعده وعملت أيضاً بالصحافة وحتى آخر عمرها.

وأخبرنى أنه كان يطلب منها أن تقرأ له الصحف وتشرح له وقال لي «ولأنى كنت خجولاً ومنطوياً كنت أختلق مواقف فى ذهنى كأنى أُناقش الآخرين، وبدأت بكتابة أول قصة وأنا فى العاشرة ونشرتها لي أمى فى صباح الخير فى أول الخمسينيات، وبعدها كتبت قصصاً قصيرة قبل أن أعرف المسرح، ولما عرفته مبكراً أضفت المسرح ضمن ما أكتب وظهر التليفزيون فكتبت التمثيليات ثم الإذاعة متأخراً» وربما تكون هذه النشأة التى منحته اسماً - (لينين) الذى سوف يجلب له المتاعب، بل ويمنع أعماله من النشر فى البداية، سبباً فى ابتعاده عن السياسية بشكلها المباشر الذى كان معتمداً لدى مثقفي تلك الحقبة، وذهب مباشرة إلى مسرح القطاع الخاص، فإذا كان قد قدم أولى مسرحياته من إخراج جلال الشرقاوى عام 1974 أخرج له أيضاً نور الدمرداش فيلم «القنطرة شرق» فى نفس العام، ولم يكن أول أفلامه فقد كتب سيناريو فيلم «مدرسة الجنس» عام 1972 بتكليف من المخرج الكبير صلاح أبوسيف، ولكنه لم ير النور إلا عام 2002، وسبق ذلك ثلاثة برامج إذاعية وتلاها ثلاثة مسلسلات تليفزيونية سوف تكون من العلامات البارزة فى الدراما التليفزيونية وهى «فرصة العمر 1976، حكاية ميزو 1977، برج الحظ 1978»، وكتب للتليفزيون أعمالاً أخرى فيما بعد منها «هند والدكتور نعمان»، و«مبروك جالك ولد» فلم تكن بداية لينين الرملى مسرحية خالصة، كانت بداية درامية فى الإذاعة والتليفزيون والمسرح والسينما، بالإضافة إلى كتابة القصة والمقال وإصدار مجلات مع آخرين، فقد كانت ملامح حياته الفنية واضحة منذ البداية، فرغم دراسته الأكاديمية وحصوله على بكالوريوس المعهد العالى للفنون المسرحية عام 1970 إلا أنه اتجه إلى القطاع الخاص حيث اختار المتعة والفكر من خلال مضمون اجتماعى إنسانى فى كل أعماله من خلال رؤية نقدية ساخرة للمجتمع طرحها من خلال أشكال متعددة، حيث الكوميديا التى لا تخلو من رؤية فلسفية عميقة لقضايا الإنسان والمجتمع فى أعماله المتأخرة، والفارس والأعمال المقتبسة فى أعماله المبكرة، وبشكل عام ثمة سخرية سوداء فى كل أعماله، ومزج بين الواقعى والفانتازي فى أفكاره التى تطرحها أعماله التى يمكن تقسيمها إلى أربع مراحل لم تكن فاصلة تماماً بل تداخلت فيما بينها، لكنها تمثل محطات فنية كبرى فى حياته. 

وبعد هذه اللمحة السريعة على أعمال لينين الرملى أعيد طرح السؤال مرة أخرى: لماذا اختفت أعماله وكذلك رموز الكتابة المسرحية من خشب المسارح؟

 

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

صورة الأب فى السينما العالمية

16 فيلماً حولت الأبناء لاختبارٍ عن معنى الحب والبطولة والندم

فوق مستوى الشبهات.. هانى خليفة يفضح أكاذيب رحمة حليم

هانى خليفة مخرج وكاتب ومثقف ومخرج سينمائى تربى فى مدرسة الواقعية التى من رموزها داود عبدالسيـد ورضـوان الكاشف وخيرى بشـارة،...

لماذا اختفت أعمال لينين الرملى ورموز الكتابة من خشبات المسارح؟

قرأ لينين الرملى فى أعماله الأولى أحداث المجتمع المصري وحاول أن يطرح أسئلة اللحظة الراهنة من خلال أسلوب كوميدى فى...

فارس السينما الأكبر (20) الأميرة إنجى تنقذ صورة الناصر صلاح الدين

مريم فخر الدين ترفض تكريم مظهر على كرسى متحرك فى مهرجان القاهرة قال لها: «زقينى يا مريم » فأصرت أن...