الجوائز ليست معياراً وحيداً للإبداع
حين يُذكر اسم الفائز بجائزة الأوسكار، يظن البعض أنه بلغ القمة التي لا تعلوها قمة، وأن من لم ينلها لا بد أنه أقل موهبة أو تأثيرا.. لكن تاريخ السينما يروى قصة مختلفة تماما.. فالجائزة، رغم قيمتها ورمزيتها ليست سوى لحظة في مسيرة الفنان وليست الحكم النهائي على موهبته. يكفى أن نتأمل أسماء مثل جيمس ماكفوي، وتوم هاردي، وإدوارد نورتون، لندرك أن التمثال الذهبي قد يغيب عن بعض أعظم الممثلين في عصرهم.
ا جيمس ماكفوى
يعد الممثل الاسكتلندي جيمس ماكفوى واحدا من أبرز ممثلى جيله، وأكثرهم قدرة على التحول بين الشخصيات، حتى أصبح اسمه مرادقا للأداء المكثف والموهبة الاستثنائية.
ورغم مسيرة تمتد لأكثر من عقدين حافلة بالأعمال الناجحة نقديا وجماهيريا، فإن الأكاديمية الأمريكية لعلوم وفنون السينما لم تمنحه حتى الآن أي ترشيح لجائزة الأوسكار، وهو ما يعتبره كثير من النقاد والمتابعين واحدًا من أكثر التجاهلات إثارة للجدل في تاريخ الجوائز الحديثة.
ولد جيمس ماكفوى في مدينة جلاسكو عام 1979 وبدأ مشواره الفنى من خلال التليفزيون البريطاني قبل أن يلفت الأنظار بأدوار صغيرة كشفت عن حضوره القوى، وقدرته على التعبير عن الانفعالات المعقدة بأقل قدر من الحوار. ومع مرور الوقت، أثبت أنه لا يعتمد على الوسامة أو الكاريزما التقليدية، وإنما على أدوات تمثيلية استثنائية تشمل التحكم الكامل في لغة الجسد، ونبرات الصوت، وتعابير الوجه، إضافة إلى فهم عميق للنفس البشرية.
كانت نقطة التحول الحقيقية في مسيرة ماكفوى The Last King of Scotland عام 2006 مع فيلم ، حيث جسد شخصية الطبيب الاسكتلندي نيكولاس جاريجان الذي يجد نفسه داخل الدائرة المقربة من الديكتاتور الأوغندى عيدي أمين. ورغم أن الفيلم كان ساحة استعراض مذهلة لفورست ويتكر الذي فاز بالأوسكار عن دوره، فإن أداء ما كفوى كان العمود الفقرى للعمل، إذ نجح في نقل رحلة الشخصية من البراءة والانبهار إلى الخوف والانكسار ورشح عن الفيلم لجائزة البافتا الأفضل ممثل مساعد، بينما تجاهله الأوسكار رغم الإشادة الكبيرة بأدائه.
بعدها بعام قدم أحد أجمل أدواره على الإطلاق في فيلم Atonement للمخرج جو رايت، مقتبسا من رواية إيان ماكيوان.. أدى شخصية «روبي تيرنر» الشاب الذي تدمر حياته بسبب اتهام كاذب، ليقدم أداء بالغ الحساسية جمع بين الرومانسية والألم والكرامة الإنسانية اعتمد ما كفوى على الأداء الداخلي أكثر من الانفعالات الصاخبة، فكانت نظراته وصمته أحيانا أكثر تأثيرا من الحوار نفسه. ورغم حصول الفيلم على سبعة ترشيحات للأوسكار، لم يكن اسمه بينها، في واحدة من أكثر حالات التجاهل التي ما زال النقاد يستحضرونها حتى اليوم. وقد نال عن الفيلم ترشيحا لجائزة البافتا وترشيحا للجولدن جلوب الأفضل ممثل.
انتقل ماكفوى بعد ذلك إلى السينما التجارية دون أن يتخلى عن طموحه الفني، فقدم فيلم Wanted إلى جانب أنجلينا جولى قبل أن يصبح الوجه الجديد للبروفيسور تشارلز كزافييه في سلسلة X-Men و Days of Future Past ثم First Class بداية من Apocalypse... ورغم أن هذه الأفلام تنتمى إلى سينما الأبطال الخارقين، فإن أداءه منح الشخصية بعدًا إنسانيا نادرا، حيث قدم صراع رجل يمتلك قدرات هائلة، لكنه يعيش هشاشة نفسية وأخلاقية مستمرة. وقد نجح في بناء علاقة تمثيلية مع مايكل فاسبندر جعلت الصراع بين كزافييه وماجنيتو أحد أهم عناصر السلسلة.
لكن العمل الذي رسخ مكانته كممثل استثنائي كان فیلم (Split)، حيث جسد رجلا يعاني اضطراب الهوية الانفصامية، متنقلا بين أكثر من عشرين شخصية، منحكل واحدة منها صوتا وحركة وحضورا مختلفا. وعد كثير من النقاد أداءه أحد أبرز الإنجازات التمثيلية في العقد الأخير، معتبرين تجاهل الأوسكار له من أكثر قرارات الأكاديمية إثارة للجدل.
واصل ماكفوى إثبات تنوعه في أفلام مثل Filth حيث قدم شخصية شرطى فاسد يغرق تدريجيا في الجنون وهو أداء منحه جائزة أفضل ممثل في جوائز السينما البريطانية المستقلة، كما تألق في Trance مع داني بويل، وشارك في Atomic Blonde و Glass الذي أعاد فيه شخصية «كيفن بكل تعقيداتها النفسية، مؤكدًا أن نجاحه في Split لم يكن صدفة بل نتاج موهبة نادرة.
ورغم غيابه عن قوائم الأوسكار، فإنه لم يكن بعيدًا عن التقدير النقدي فقد فاز بجائزة النجم الصاعد من البافتا، ونال ترشيحات متعددة لجوائز البافتا والجولدن جلوب، إضافة إلى عشرات الجوائز والترشيحات الأخرى خلال مسيرته.
إدوارد نورتون
عبقرى الأداء الذي اقترب من الأوسكار ثلاث مرات ولم يفز.. عندما يذكر اسمه، يتبادر إلى الذهن ممثل لا يشبه نجوم هوليوود التقليديين فهو لا يسعى إلى البطولة المطلقة، بقدر ما يبحث عن الشخصيات المعقدة التي
تتطلب دراسة نفسية عميقة وقدرة استثنائية على التحول. وخلال أكثر من ثلاثة عقود، رسخ نورتون مكانته كأحد أعظم ممثلى جيله، حتى أصبح حضوره في أي فيلم بمثابة ضمان لمستوى تمثيلي رفيع، ومع ذلك لا يزال الأوسكار عصيا عليه، رغم ترشحه للجائزة ثلاث مرات وتقديمه عددا من أكثر الأداءات تأثيرا في السينما الأمريكية الحديثة.
ولد نورتون عام 1969 في بوسطن، وتخرج في جامعة ييل متخصصا في التاريخ، وهو ما انعكس على طريقته في بناء الشخصيات؛ إذ يتعامل مع كل دور باعتباره مشروعًا بحثيا، فيقرأ عن خلفيته النفسية والاجتماعية، ويعيد تشكيل تفاصيله الدقيقة قبل الوقوف أمام الكاميرا. لذلك لا يعتمد على الانفعالات الكبيرة أو الاستعراض، بل على أداء داخلي هادئ يزداد تأثيره كلما تقدمت الأحداث.
وجاءت انطلاقته المذهلة عام 1996 في فيلم Primal Fear حيث أدى دور آرون ستامبلر الشاب المتهم بقتل رئيس أساقفة وفي أحد أكثر الأدوار المفاجئة في سينما التسعينيات تنقل نورتون بین البراءة المطلقة والعنف الكامن بمهارة أذهلت الجمهور والنقاد كان الفيلم يعتمد على المفاجأة النهائية، لكن نجاحها الحقيقى ارتبط بقدرته على إقناع المشاهد بكل تحول يمر به. ولم يكن غريبا أن يحصل، في أول ظهور سینمائی كبير له على ترشيح لجائزة الأوسكار لأفضل ممثل مساعد، إلى جانب فوزه بجائزة الجولدن جلوب ليعلن ميلاد موهبة استثنائية.
وبعد عامين فقط قدم أداء استثنائيا في American History X، مجسدا شخصية ديريك فينيارد، المتطرف العنصري الذي يمر بتحول فكرى وإنساني عميق بعد تجربة السجن جمع الأداء بين القوة النفسية والصدق الإنساني، ونال عنه ترشيحه الثاني للأوسكان لكنه خسر الجائزة أمام روبرتو بينيني
واصل نورتون ترسيخ مكانته بأداءات استثنائية في Fight Club حيث قدم شخصية الراوي الممزق نفسيا في واحد من أكثر أفلام العصر تأثيرا، ثم في 25th Hour للمخرج سبايك لي، مجسدا رجلا يقضى آخر يوم له قبل دخول السجن في أداء مليء بالندم والأسئلة الوجودية، ويعتبره كثير من النقاد من أفضل أعماله رغم تجاهل الأوسكار له.
واصل نورتون تنويع اختياراته فقدم شخصية الملك المصاب بالجذام في Kingdom of Heaven رغم أن ملامحه كانت مخفية بالكامل خلف القناع، ومع ذلك نقل القوة والضعف والهيبة بصوته ونظراته فقط، في دليل واضح على قدرته على تجسيد الشخصية، بعيدا عن الاعتماد على المظهر الخارجي.
كما شارك في بطولة فيلم The Illusionist حيث لعب دور الساحر الغامض أيزنهايم، مقدما أداء رصينا جمع بين الذكاء والغموض والرومانسية، بينما أثبت في The Grand Budapest, Moonrise Kingdom أنه قادر أيضا على التألق في Isle of Dogs Hotel عالم المخرج ويس أندرسون، الذي يعتمد على إيقاع تمثیلی مختلف تماما.
توم هاردی
سيد التحولات الجسدية والنفسية الذي لم ينل الأوسكار في كل مرة يظهر فيها توم هاردي على الشاشة، يبدو وكأنه يختفى تماما داخل الشخصية التي يؤديها. لا يعتمد الممثل البريطاني على وسامته أو نجوميته، بقدر ما يعتمد على قدرة استثنائية في تغيير ملامحه، وصوته وطريقة حركته، وحتى إيقاع تنفسه. ليمنح كل شخصية هوية مستقلة تماما، ولهذا أصبح واحدا من أكثر ممثلى جيله احترامًا، ورغم مسيرة حافلة بالأدوار المميزة، لم ينجح حتى اليوم في الفوز بجائزة الأوسكان مكتفيا بترشيح واحد، وهو ما يراه كثير من النقاد أقل بكثير مما يستحقه.
ولد توم هاردي عام 1977 في لندن، وكانت بداياته بعيدة عن الاستقرار إذ عانى في شبابه من الإدمان والمشكلات الشخصية، قبل أن يتجاوزها ويحول حياته بالكامل. وربما كانت تلك التجارب سببا في قدرته الفريدة على تجسيد الشخصيات المضطربة نفسيا والمنكسرة من الداخل، إذ يمنحها صدقا نادرا يجعلها تبدو حقيقية إلى حد كبير
لفت الأنظار مبكرا في فيلم Black Hawk Down ثم شارك في Star Trek Nemesis لكن انطلاقته الحقيقية جاءت مع المخرج نيكولاس ويندينج ريفن في فيلم Bronson عام 2008، حيث جسد السجين البريطاني الشهير تشارلز برونسون خضع هاردی التحول جسدى هائل، واكتسب كتلة عضلية كبيرة، لكنه لم يعتمد على البنية الجسدية وحدها، بل قدم أداء مسرحيا جريئا جمع بين الجنون والكاريزما والفكاهة السوداء، ليحول شخصية شديدة العنف إلى واحدة من أكثر الشخصيات السينمائية إثارة للاهتمام. ويعد كثير من النقاد هذا الفيلم نقطة ميلاد توم هاردی کممثل استثنائی
وجاءت النقلة العالمية الكبرى عندما اختاره المخرج کریستوفر نولان للمشاركة في فيلم Inception عام 2010. ورغم وجود ليوناردو دي كابريو وجوزيف جوردون ليفيت ضمن فريق العمل، فقد استطاع هاردي أن يخطف الأنظار بشخصية «إيمز»، المزور الذكي الذي يمتلك خفة ظل وحضورًا لافتا مثبتًا أنه قادر على ترك بصمة قوية حتى في الأدوار غير الرئيسية.
وفي العام التالي قدم أحد أكثر أدواره إنسانية في فيلم Warrior حيث لعب دور الملاكم السابق تومي كونلون الجندي العائد من الحرب والمثقل بالذكريات والآلام. اعتمد هاردی على الصمت أكثر من الحوار فجاءت نظراته وتعابير وجهه معبرة عن الغضب والحزن والانكسار ورغم أن الفيلم لم يحقق نجاحا جماهيريا كبيرا عند صدوره، فإنه تحول مع مرور الوقت إلى أحد أهم الأفلام الرياضية الحديثة، ويعتبر كثيرون أداء هاردي فيه من أفضل ما قدمه خلال مسيرته.
کرر تعاونه مع كريستوفر نولان في The Dark Knight Rises ، حيث جسد شخصية «باين»، أحد أشهر أشرار عالم باتمان ورغم أن وجهه كان مخفيا معظم الوقت خلف القناع، استطاع أن يصنع شخصية مرعبة ومهيبة اعتمادا على لغة الجسد ونبرة الصوت فقط، في أداء أثبت أن الممثل الحقيقي لا يحتاج إلى ملامحه الكاملة ليترك أثرا في المشاهد.
وفي عام 2015 نال أول ترشيح له للأوسكار عن The
Revenant بعد تجسيده شخصية الصياد القاسي جون فيتزجيرالد، مقدما أداء اتسم بالبرود والقسوة والتعقيد النفسي، حتى اعتبره كثيرون أحد أبرز عناصر قوة الفيلم، رغم خسارته الجائزة قدم هاردي شخصية شريرة بعيدة عن النمطية لا تعتمد على الصراخ أو الاستعراض، بل على البرود والقسوة والثقة بالنفس حتى بدا منافسًا حقيقيا لليوناردو دي كابريو في كثير من مشاهد الفيلم. ورغم الإشادة الواسعة بأدائه، فقد خسر الأوسكار أمام مارك رايلانس عن Bridge of Spies .. كما نجح في تقديم شخصية إيدى بروك في سلسلة Venom, مضيقا إليها مزيجا من الكوميديا والارتباك والطاقة الجسدية، مما جعل السلسلة تحقق نجاحا جماهيريا كبيرا، وأثبت أنه يستطيع الجمع بين السينما التجارية والأداء التمثيلي المتقن.
ورغم أنه لم يحصل سوى على ترشيح أوسكارى واحد. فإن كثيرا من أعماله، مثل Bronson و Warrior و Mad Max: Fury Road, The Dark Knight Rises و The Revenant تؤكد أنه من أكثر ممثلى جيله جرأة والتزاما بفته فهو لا يبحث عن الشخصيات السهلة أو مضمونة النجاح، بل ينجذب إلى الأدوار التي تختبر قدراته وتدفعه إلى اكتشاف مناطق جديدة في الأداء.
قد يمنح الأوسكار يوما لتوم هاردي، وقد لا يحدث ذلك أبدا، لكن تأثيره في السينما الحديثة لا يحتاج إلى تمثال ذهبي لإثباته.. فقد استطاع أن يفرض نفسه كواحد من أكثر الممثلين قدرة على الاندماج الكامل في الشخصية، وأن يقدم أداءات ستظل مرجعا لكل من يدرس فن التمثيل، مؤكداً أن القيمة الحقيقية للفنان تقاس بما يتركه في ذاكرة الجمهور لا يعدد الجوائز التي يحملها.
لذلك، فإن قيمة الفنان لا تقاس بما يحمله في خزانته من جوائز بل بما يتركه من أثر في ذاكرة المشاهدين وبالأعمال التي تبقى حية بعد سنوات من عرضها. فالتاريخ لا يتذكر فقط الفائزين بالأوسكار، بل يتذكر أيضا أولئك الذين صنعوا السينما بأدائهم، حتى وإن غادروا الحفل كل عام من دون التمثال الذهبي.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يخوض الفنان مصطفى غريب الماراثون الرمضانى المقبل بأول بطولة درامية مطلقة له، بعد نجاحه الأخير فى مسلسل «هى كيميا» مع...
تودع الفنانة منة شلبى لوكيشن تصوير مسلسلها «عنبر الموت »، المقرر عرضه خارج السباق الرمضانى.
يواصل الفنان دياب تصوير مسلسله «بنج كلى» الذى كان يحمل اسم «طيارة»، ومن المقرر عرضه نهاية الموسم الصيفى الحالى.
تسببت المخرجة ياسمين أحمد كامل فى أزمة كبيرة لمسلسل «بنت وداد » للفنانة هنا الزاهد، الذى بدأت تصويره منذ أيام.