رحل فى هدوء بعد تجسيد مشهد وفاته فى آخر عملين له نجح فى خلق توازن بين أعماله الفنية ومبادئه الشخصية كان يؤمن بأن الفن رسالة.. ولم تشغله مساحة الدور
رحل عن عالمنا الفنان الكبير عبد العزيز مخيون أحد أبرز رموز الفن المصرى، حيث استطاع على مدار عقود طويلة الحفاظ على مكانته كأحد أهم الفنانين المثقفين في الوسط الفني... فقد كان فنانا استثنائيا وشخصية إنسانية نادرة الوجود، وقيمة فنية كبيرة أثرت الساحة الفنية بكثير من الأعمال الدرامية والسينمائية والمسرحية والإذاعية، وقد كان موسوعة فنية شاملة، وكان كلامه دقيقا ومنمقا، ويهتم بكل تفاصيل الحديث برقى وثقافة واتزان. وقد حالفني الحظ بمحاورته في أكثر من حوار، وتحدثت معه كثيرا عن أعماله وآرائه الفنية وبعض من ذكرياته، وأشار إلى أنه ندم على الكثير من الأدوار التي عرضت عليه ورفضها، لأنه كان له منظور مختلف وقتها، ومثاليات فنية رآها معقدة بعض الشيء، وأخرت مسيرته الفنية، لكنه كان راضيا تماما عما قدمه، لإيمانه بان الفن رسالة، وليس مهنة، فالهدف الاساسى هو جودة العمل والفائدة الفنية التى تعود على الجمهور منه.
برحيل مخيون، فقدت الساحة الفنية واحدا من أبرز
فنانی جیله، فقد شهدت رحلة الفنان القدير العديد
من المحطات الفنية المهمة التي صنعت مكانته
الخاصة بين كبار نجوم الفن وتركت بصمة كبيرة
في قلوب محبيه، فقد قدم العديد من الشخصيات
التي عبرت عن موهبته الاستثنائية وذوقه الخاص
في اختيار الأدوار، فقد كان يسعى دائما إلى التوازن
بين أعماله الفنية ومبادئه الشخصية، فأصبحت
معظم أدواره تحمل طابع المثالية الحالمة، والتي
ارتبطت كثيرا بشخصيته الحقيقية، وما تربى عليه
منذ نشأته في قرية أبو حمص بدمنهور، حيث كان
يسعى إلى المثل العليا والعدل بين الناس.
ومن أبرز هذه الشخصيات التي جسدها الراحل وتظل خالدة في ذاكرة الدراما المصرية، شخصية طه السماحي" في مسلسل "ليالي الحلمية"، أحد أبرز الأدوار في مشواره الفنى، حيث قدم شخصية الشاب الثورى الوطنى المناهض للاحتلال الانجليزي، والذي يحمل أفكارا ثورية ويؤمن بقضايا الحرية والاستقلال. واستطاع مخيون أن يجسد ببراعة حالة الوعى الوطنى التي ميزت الشخصية وجعلتها محورية، ليصبح طه السماحي إحدى أكثر الشخصيات تأثيرا في تاريخ الدراما المصرية، وعبر فيه عن جزء صغير من وطنيته الحقيقية ومواقفه السياسية التي تبناها طيلة حياته.
وفي السنوات الأخيرة من مشواره، لفت الأنظار من جديد عندما جسد شخصية "محمد بديع"، المرشد العام لجماعة الإخوان الإرهابية في مسلسل "الاختيار" الجزء الثالث، وتمكن من تقديم الشخصية بأداء متزن ودقيق معتمدا على خبرته الطويلة في تجسيد الشخصيات الواقعية والتاريخية أيضا، كما جسد شخصية "حسن الهضيبي" المرشد الثاني لجماعة الإخوان، وخليفة حسن البنا في مسلسل "الجماعة" الجزء الثاني تأليف الكاتب الكبير وحيد حامد.
وفي أحد الحوارات التي أجريتها معه بشأن تجسيده تلك الشخصيات وقتها رد قائلا "المعيار الرئيسي والأساسي في تجسيد هذه الشخصيات أن تكون مكتوبة بشكل جيد، والسيناريو يكون تفصيليا لها، لأن الفنان لابد أن يلتزم بما هو مكتوب ويدرس الشخصية ويذاكر تفاصيلها الحقيقية جيدا، ويربطها بما هو مكتوب. وأنا أثق كثيرا في الكاتب الكبير وحيد حامد، وأحب أعماله التي لا تحتاج إلى إضافة، ولا نقاش فعندما جسدت شخصية محمد بديع المرشد العام لجماعة الإخوان قرأت السيناريو جيدا، وربطته بالشخصية على أرض الواقع، وتابعت بعض تسجيلات وصور له المعرفة اسلوبه وطريقة حديثه، وبعض التفاصيل من الملابس والماكيير المقاربة الشكل. وأيضا هذا ما فعلته في شخصية الهضيبي، لكنه كان أصعب من بديع لعدم وجود تسجيلات كافية له، لكنني
تقمصت الشخصية وفق السيناريو المكتوب، فهذا عملى وواجبى أيضا، لأننى فنان أستطيع تجسيد كل الشخصيات، حتى التي ما زال الناس يعاصرونها في واقعهم، فهذا لا يقلقنى. ومن هنا نستطيع أن نحكم على الفنان من خلال مدى انسجامه مع الشخصية، والتحدى الكبير الذي يخوضه لكي يظهر الشخصية بشكل طبيعي غير مبالغ".
أبرز ما يميز الفنان الراحل عبد العزيز مخيون أنه لم يسع طيلة مشواره الفنى إلى البطولة المطلقة، ولم تشغله مساحة الدور على الإطلاق، لكنه سلك طريقا مختلفا، اعتمد فيه على جودة الدور وقيمة العمل وتقديس السيناريو الذي يراه روح العمل وعماده وهذا ما جعله يحظى باحترام النقاد وحب الجمهور فأصبح الجندي المجهول للأعمال الناجحة، لتميزه بالأداء السهل الممتنع، فقد امتلك منهجا فنيا مختلفا عن كثير من أبناء جيله، فلم يعتمد على المبالغة في الأداء أو الاستعراض الخارجي، بل كانت قوته الحقيقية واعتماده الاساسي على موهبته وقدرته على التقمص النفسي للشخصية، وتحويل المشاعر الداخلية الى أداء ملموس وصادق، يصل الى الجمهور بشكل مباشر، وتميز في ذلك، ونجح في تجسيد شخصيات متناقضة ومركبة، جمع فيها بين القوة والضعف والخير والشر والحب والخيانة دون أن يفقد مصداقيته وحضوره.
وفي السينما، ترك مخيون بصمات لا تقل أهمية عن أعماله التليفزيونية، ومن أبرز أدواره جابر الجبالي" في فيلم "الجوع"، فقدم شخصية نصير المظلومين على يد شقيقه الفتوة المتسلط فرج الجبالي"، بعد توزيعه الطعام على الفقراء وعبر عن هذا بأداء إنساني مؤثر حاز إعجاب الجمهور، وأشاد النقاد بتجسيده للشخصية. ومن أبرز المحطات السينمائية التي رسخت مكانته بين كبار نجوم السينما مشاركته في فيلم "الهروب" أمام الفنان الراحل أحمد زكي، فقد جسد شخصية ضابط الشرطة سالم زيدان، الصديق القديم للبطل المطارد. ونجح مخيون في تقديم شخصية تحمل أبعادا إنسانية معقدة، وتجسيدها باحترافية شديدة، ليؤكد على ثقل موهبته وأدائه
الاستثنائي، حيث جسد الصراع بين واجبه المهنى ومشاعره الإنسانية تجاه صديقه، وإيمانه ببراءته ومحاولة مساعدته لاجتياز هذه المحنة بكل أمانة وشرف ليقدم مع أحمد زكى واحدة من أهم المباريات التمثيلية فى السينما المصرية في فترة التسعينيات، لتصبح هذه الشخصية جوازا للمرور إلى قلوب الجماهير وحجز مقعده بين نجوم السينما الكبار.
لم يكتف بهذه المشاركات، فقد كان الراحل يتنقل بین شخوصه بمنتهى البساطة والإقناع، وظهر بأكثر من وجه في السينما والدراما، دون أن يهتم بمساحة الدور على الإطلاق، فلم يفكر في البطولة المطلقة. وعند سؤاله عن البطولة في أحد الحوارات التي أجريتها معه قبل رحيله قال "لا أؤمن بوجود البطولة المطلقة للعمل، بل أؤمن بوجود بطولة الدور، فكل ما يشغلني هو القيمة الفنية، بل والثقافية للشخصية التي أقدمها. فأنا سلكت طريقا مختلفا منذ بداية مشواري الفني وهو الرهان على الرسالة والمحتوى الهادف الذي يتغلب على البطولة التجارية التي تهدف للربحفقط، فأنا لا أقيس الدور بعدد مشاهده، لكن بعلامة جودته والتعبير عنه بشكل صادق، فعندما عرض على الكاتب الكبير وحيد حامد والمخرج محمد ياسين المشاركة كضيف شرف في فيلم "دم الغزال" بشخصية زيدان السياسي الفاسد الذي يستغل سلطته لمصالحه الشخصية. ورغم صغر حجم الدور وقلة مشاهده لم أتردد لحظة في قبوله، لأنني اعتبرته إضافة لى والرصيدي الفني لتجسيد فئة معينة وكشف الستار عن الفساد والمفسدين. وهذا ما أسعى إليه دائما في معظم أدوارى، وأحد أسباب قبولى لها، أنني أراها بمنظور أخلاقي وواجب وطني".
ورغم غياب البطولة المطلقة، فقد قدم مخيون مسيرة فنية حافلة بأعمال خالدة في روائع الدراما المصرية والسينما مثل "ليالي الحلمية" و "الشهد والدموع" و "زيزينيا"، ولا ننسى شخصية ضابط المخابرات الإسرائيلي "أبو داود" في فيلم "بئر الخيانة" مع الراحل نور الشريف، وإخراج على عبد الخالق، وهو دور شديد التعقيد يتطلب فنانا قادرا على تجسيد الشر المطلق رغم بعض الملامحالهادئة، وجسده بجدارة.
ومن الجوانب التي لا يعرفها الكثيرون أن الراحل عبد العزيز مخيون درس الموسيقى، وأجاد العزف على آلة الكمان، وهذا ما ساعده كثيرا في تجسيد شخصية موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب وظل شبحه يطارده حتى قام مخيون بتجسيده بكل براعة وموهبة في أربعة أعمال درامية هي أمير الشعراء" و "أم كلثوم" و"السندريلا" و "أبو ضحكة جنان فقد تميز مخيون بقدرة تمثيلية كبيرة، وأضفى طبقات أداء متعددة على الشخصيات التي جسدها.
تخرج مخيون في المعهد العالي للفنون المسرحية وقدم مسيرة مسرحية حافلة بعد حصوله على منحة دراسية فى فرنسا للتخصص في المسرحليعود الى مصر ويسهم في تأسيس "مسرحالفلاحين"، وهو مشروع مسرحى كان هدفه تقديم أعمال فنية مستمدة من البيئة الريفية، وكل ما يخص هذه الطبقة، وقضايا المجتمع المصرى، كما عمل كمخرج بمسرح الطليعة، وأخرج الكثير من الأعمال المسرحية المهمة بمسرح الدولة.
وأثرى الفنان الراحل الإذاعة المصرية بالعديد من الأعمال البارزة التي تركت بصمة في وجدان المستمعين، وشملت إسهاماته الإذاعية المشاركة في مسلسلات درامية وبرامج منوعة عبر أثير ماسبيرو ومن أبرزها مسلسل "أغرب القضايا"، و "عيون عطية"، و"خروف رؤوف" و"عندما يموت الخوف".
كان الراحل يرى أن الفن امتداد لنشر الوعى والثقافة بين طبقات المجتمع، ولذلك لم تقتصر مسيرته على الفن والتشخيص فقط بل شهدت حضورا سياسيا لافتا عبر سنوات طويلة تنقل خلالها بين عدة محطات فكرية وسياسية أثارت اهتمام الرأى العام حيث انضم فى بداية رحلته السياسية إلى حزب التجمع، متبنيا الدفاع عن حقوق العمال والفلاحين مشاركا في صياغة رؤى ثقافية تناقض الانفتاحالاقتصادي، وعندما اندلعت ثورة 25 يناير 2011 لم يشاهد مخيون الأحداث من وراء الشاشات بل كان في صفوف الفنانين والمثقفين الذين جلسوا على أرصفة ميدان التحرير معلنا انحيازه الدائم للدولة، كما انتقد أيضا حكم الإخوان، وعبر عن استيائه من حالة الصراع السياسي التي شهدتها البلاد في ذلك الوقت.
ورغم كل هذه الأحداث التي شكلت وجدان وشخصية الراحل عبد العزيز مخيون، فإنه لم يبتعد عن الساحة الفنية، ولم ينقطع عن استكمال دوره التمثيلي الذي عاش من أجله، ورحل بعد أن أدى آخر أدوار حياته، فقد شارك في رمضان الماضي بعملين هما "إفراج" و "سوا سوا"، لتلعب الصدفة دورا مهما في آخر لحظاته، فقد اشتد عليه المرض أثناء تصوير "إفراج" وكاد ينسحب من العمل لهذا السبب، ولكن إصرار عمرو سعد على مشاركته جعله يستكمل العمل، ولم يكن يعلم أنه سيكون آخر أعماله، وانتهى دوره فيه بمشهد وفاته، والغريب أن مسلسل "سوا سوا" انتهى أيضا دوره بمشهد وفاته ليعلن انتهاء رحلته الفنية والحياتية في آن واحد.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
صورة المجنون على الشاشة، صورة حية تتجاوز فكرة الوصف والنقد والتحليل إلى تقديم كائن من لحم ودم، صورة حية للجنون...
الفنان عبد العزيز مخيون الجميعي، هو من أبناء قبيلة الجميعات التي تسكن فى البحيرة ومطروح، وكانت تسكن في زمن مضى...
أحد نجوم الصف الأول، رغم أنه ليس نجم شباك، فعلى مدى تاريخه الفنى الطويل بين السينما والتليفزيون والمسرح، لم يتنازل...
رحل فى هدوء بعد تجسيد مشهد وفاته فى آخر عملين له نجح فى خلق توازن بين أعماله الفنية ومبادئه الشخصية...