صاحب الرسالة – 2 لويس عوض وريادة الشعر الحر

كتب لويس عوض ديوان بلوتولاند» ما بين أعوام 1938 19409، ونشر الكتاب عام 1947، وكتب المقدمة الشهيرة قبل النشر عام 1947،

وحتى نقرأ هذا الديوان والمقدمة الرائدة الحماسية، لا بد أن تعرف أعماله في تلك الفترة من 1938 وحتى 1947، والتي استمد منها هذه الحماسة وهذا التمرد المبكر. ففي تلك الفترة اهتم بترجمة كتابين كان لهما تأثير كبير في رؤيته للشعر، وهما «فن الشعر لهوراس»، وكان قد أنجزه عام 1938 في كامبردج. ونشره عام 1945 في دار النهضة بعد عودته. مع المقدمة المهمة. وهي دراسة مطولة عن الشعر، والكتاب الثاني برومثيوس طليقاً» للشاعر شيلي، ونشر عام 1946، مع دراسة استفاض من خلالها في شرح حياة شيلي والمدرسة الرومانسية وأصدر في نفس التوقيت. عام 1946، ترجمة لروايتين الأوسكار وايلد: «صورة دوريان جرای»، و «شبحكإنترفيل»، ثم صدر بلوتولاند» عام 1947.

ولا ننسى أنه في تلك الأعوام كتب مذكرات طالب بعثة، وهي تجربة في اللغة قبل أن تكون جزءاً من سيرة ذاتية أو أدب رحلات، حيث يصفها قائلاً: فكرت أن أجرب النثر العامي في لغة السرد والوصف والتحليل، ولكن في حدود الفكر الجاد والعواطف السامية بل والقصد التراجيدي، وبهذا أكتشف إمكانيات اللغة العامية عمليا لا نظرياً.

وإذا ألقينا نظرة سريعة على هذه الأعمال وأولها فن الشعر» لهوراس، وفيه يبرز بقوة المنهج التاريخي للنقد، وفيه يفس كما ذكرنا سلفا، الواقع الذي كان مصدراً لهذا النص، فالأدب والفكر والفن تمثل روح العصر وتجسده، لأن جذورها ضاربة في البيئة التي أنتجتها. فبعد أن يلقى نظرة على سيرة هوراس، ويؤكد أن قصيدة فن الشعر» رسالة قبل أن تكون مقالاً نقدياً، ويعقد مقارنة بين الإغريق والرومان في فن الشعر يذكر هوراس أن الرومان كرهوا فن الشعر لأنهم قوم عمليون، ثم تهالكوا عليه لأنهم ظنوه فنا سهلا لا يحتاج إلى دراسة، ثم يبدأ الجزء الأهم من الدراسة بتفتيد آراء أفلاطون في الشعر ويشرح أسباب الحملة التي شنها على الشعراء، ويرد عليه في كلمات تجسد الصراع بين القديم والجديد من وجهة نظر لويس عوض، ينحاز فيها لأرسطو ضد أفلاطون، ويخبره بأن مقام الشعر حتى عهد أرسطوفانيس وفقا لما جاء في كوميديا الضفادع»، كان مقام المعلم، وفضل الشاعر يقاس بمقدار ما يهذب الناس في المدن ويرقى بهم.

فإذا كان أفلاطون يعيب على الشعر أنه لحلاوته وطراوته مبنى وموضوعا، يملأ الفتيان خنوثة وميوعة وفسوق ... إلخ، ويرد لويس عوض بأن هذا الرأى خواطر ساذجة، ورغم هذا فإن بعض هذه التأملات، على ما فيها من التواء على أساليب التفكير الحديثة، تمثل اجتهاد عقل وافر الذكاء مستقيم المنطق خصب الخيال التعليل طبائع الأشياء الهاوى الفلسفة أن يحب أن ينطح رأسه في الصرح الشاهق الذي شيده أفلاطون من لبنات القياس والاستنتاج والحوار النزيه والرغبة الخالصة في مطاردة الحقيقة والفضيلة والعدالة وما إليها جميعاً من المجردات، أما نحن - يقصد الشعراء فتكتفى بجذب الدعامة من أسفل البناء لينهار الصرح على رأس بانيه شاكرين له عنايته وعدوانه على السواء، لكن أفلاطون جدير بشكر آخر وأبقى على هرائه الذي كان الحافز الأول لأرسطو إلى وضع فن الشعر».

وهذا ما فعله لويس عوض في بلوتولاند» الرغبة القوية في صحب الدعامة من أسفل عمود الشعر، وإن كان لا ينكر دور هذا الشكل الشعرى بلغته وبلاغته وأسلوبه في زمنه، فهذا التحول بدأ في الأندلس، وفي التراث الشعبي في مصر التي لم ينهض فيها الشعر العربي إلا على يد البارودي وشوقى، وغاب عنها قرونا طويلة ثم يختتم لويس عوض محاورته مع افلاطون وأرسطو قائلاً: مقابل أفلاطون أرسطو في الميدان الذي عينه الأخير فإذا كان الأستاذ قد تجاهل الوظائف الاجتماعية والروحية للشعر وأثر أن يؤثر عليه التاريخ باعتباره وثيقة للواقع. والفلسفة باعتبارها وسيلة للحق، فإن التلميذ أي أرسطو، أقام الدليل على أن الشعر أدنى إلى روح الواقع من التاريخ وأدنى إلى روح الحق من الفلسفة».

وظني أن هذه الكلمات هي المادة الأولى المقدمة بلوتولاند»، والتي كان محورها الصراع بين القديم والحديث، ومدى قدرة الشعر على التعبير عن الحياة، فهو لم يقصد بنشر هذا الديوان أن يفتح فتحا بل أن يخلق دوامة صغيرة من دوامات الفكر وسط هذا الجمود الذي عاشه في أربعينيات القرن الماضي من تراجع الشعر بعد موت أحمد شوقي، وهو يعلم أنه نهب الشعراء على نطاق لم يسبق له مثيل، ونهب الألوان في محطات السكة الحديد وفي الطبيعة، وعذره أنه يرد ما نهب إلى أصحابه في الحواشي، وعذره في النهب أنه لم ينهب لنفسه، بل للشباب الحياري الذين يعشقون الكاتبات على

التايبريتر ويشمون رائحة الغابات في السينما، ويأكلون الفول في إيزافتش..... إلى آخره، ولا يملكون إلا أحلاماً يعلمون أنها أحلام، فإذا قرؤوا شعراً فلم يجدوا إلا لخولة أطلالاً ببرقة تهمده. من أجل هؤلاء كتب لويس عوض هذا الشعر الذي يعرف جيدا أنه ليس عظيما، ولكنه يدرك أنه يلقى بحجر في المياه الراكدة، فهذه رسالته.

ثم يعد بأنه لن يكرر هذا الخطأ مرة أخرى. ولو تفى في بلاد الخيال، ولو أراد أن يقرض الشعر الآن لن يستطيع، فقد أجهز عليه كارل ماركس، فمن رأى السلاسل تمزق أجساد العبيد لم يفكر إلا في الحرية الحمراءاء.

وبعد خمسين عاماً من كتابة بلوتولاند». كتب عام ۱۹۸۸، في طبعة أخرى للكتاب: إن أزمة الشعر العربي التقليدي لم تبدأ المجرد موت شوقي وحافظ، ولكن بدأت العجز المدرسة الرومانسية عن التعبير عن أي مضمون اجتماعي أو إنساني بالمعنى العام، في زمن يقظة الجماهير وازدياد اندفاعها للمشاركة في تقرير مصيرها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والحضاري والتهاب الوجدان العام بقضايا الحرب والسلام والتقدم والحرية والمساواة والإخاء».

ولم يختلف الأمر حين قدم شيلي للقارئ العربي، فراح يدرس إنجلترا في عهد الانقلاب الصناعي ليدرس شيلي والرومانسية، ويخبرنا أن شيلي يرى أن أي نوع من أنواع التفكير المجرد لا يخرج عن كونه تفكيراً اجتماعياً، لا يبحث عن الحقيقة إخلاصا للحقيقة ذاتها، ولكنها خدمة للجنس البشري، وعنده أن الإنتاج بجميع أنواعه اجتماعي في غايته، فإذا كان ميسوراً أن تتحسس هذه الغاية الاجتماعية في الإنتاج المادي، كزراعة الأرض وصناعة الأحذية أو التدريس في المدارس، فإن النظرة الشاملة إلى تاريخ الفكر والمفكرين، سواء أكانوا فلاسفة أو فنانين أو علماء أو ساسة للشعوب، تهدينا إلى أن الإنتاج العقلي كانت غايته دائما خدمة المجتمع، مهما غمضت تلك الغاية في نفوس أصحابها، ومهما استترت وراء الدوافع النفعية كطلب المجد أو المال».

لقد جاء ديوان بلوتولاند» صرخة في وجه الجمود الشعري وانعزاله عن المجتمع، لذلك جاءت الجملة الأولى بعد العنوان حطموا عمود الشعر»: «لقد مات الشعر العربي بموت شوقى»، لأنه كان يرى أن جماعة أبولو والديوان وغيرها لا تناسب هذا الجيل، الجيل الذي عاش في الأربعينيات من القرن الماضي، الذي عاش في الأرض الخراب التي انجلت عنها الحربان ورقص حول شجرة الصبار»، فهو يقرأ بول فاليري وت. س. إليوت، ولا يقرأ البحتري وأيا تمام، ورغم أن هذا الرأى مبالغ فيه، ويصدر عن حماسة أكثر منه رأيا موضوعياً، فإن لويس عوض كتب المقدمة والديوان في لحظة فارقة ومؤلمة عهد الأحكام العرفية واعتقالات وزارة عبد الرحمن صدقى للمثقفين والشيوعيين، ولذلك أطلق على الديوان بلوتولاند»، وهي كلمة يونانية تعنى أرض الموتى» نسبة إلى الإله بلوتو حارس هاديس أو الجحيم.

ويفسر البعض بلوتولاند» بأرض الذهب أو الثروة، وفقاً للفكر السائد في التراث اليوناني، أن كل ما هو ثمين في باطن الأرض، أي في نطاق بلوتو أيضاً. وفي خضم الحماسة الملتهبة والتشاؤم، جاءت الصرخة المدوية في تسع تجارب أو تسع نقاط تلخص أزمة الشعر في تلك المرحلة: سيطرة اللغة الفصحى وحجب اللغة العامية المصرية وقدرتها على التعبير عن الشعر، ثم الشعر القصصي، شعر البالاد أو القصة ذات المغزى، وقالب السوناتا وموسيقى الشعر ورفضه أن يختزل العرب ما في الوجود من موسيقى في ستة عشر بحرا، ورأى أنها محنة الشعر العربي في هذا السجن الموسيقى، ثم تحدث عن البلاغة وضرورة كسر رقبتها وفقا لتعبير فرلين، وتنقية اللغة من المفردات القديمة غير المستعملة، ثم وحدة البيت التي تمنع تسلسل المعنى وأخيرا الشعر المنثور، أو كما نسميه نحن اليوم «قصيدة النثر».

وظني أن أهم ما جاء في هذه التجارب: تحطيم عمود الشعر واللهجة العامية. والشعر المنثور الذي ذكره سريعاً وطبقه في قصيدتين: «الحب في سان لازار» و «اموت شهيدا، فالتحرر من عمود الشعر سوف يحرر البلاغة واللغة. ويساهم في أشكال شعرية جديدة كما حدث فيما بعد، ولكن لويس عوض لم يفكر في هذا، أو في الشعر الذي كتبه، أو مدى جودته، أو قل شعريته، كان يفكر فقط في إطلاق هذه الصرخة في مرحلة مبكرة، ولا أمل له، كما قال، إلا في أن يقرأ شاعر ناشی مطبوع، فيتأثر بما فيه من هذه التجارب، ويجدد لنا ألوانا وألوانها. ويسلخ جلد الشيوخ.

فعلى الرغم من أن مقدمة بلوتولانده كتبت في درجة حرارة مرتفعة سياسياً واجتماعياً، فشابها ما يشوب المحموم أحيانا من بعض الهذيان، ورغم أن صاحبها لم يواصل كتابة الشعر، إلا أن هذا لم يقلل من أهميتها ودورها في ريادة الشعر الحر، فعام صدور بلوتولانده، ١٩٤٧، هو عام التحول عربية من الشعر العمودي إلى الشعر الحر، فقد لحقه في عام ١٩٤٨ الإعلان الرسمي لقصيدة الشعر الحر

وفي مقدمة الأعمال الكاملة للشاعر العراقي بدر شاكر السياب يعترف ناجي علوش، الذي قدم لهذه الأعمال، بريادة بلوتولاند»، ولكن صدورها سنة ١٩٤٧ جعلها ذات أثر محدود في تجربة الشعر الحديث لقد ضاعت في الموجة التي أخذت تتسارع في السنوات التالية غير ملتفة إلى شيء» (نازك الملائكة نشرت «الكوليرا» في ٢٧ / ١٠ / ١٩٤٧، وبدر شاكر السياب نشر قصيدة هل كان حياء في ديوان أزهار ذابلة، في ديسمبر من نفس العام).

وهنا نتحدث عن قصيدة واحدة لنازك الملائكة، وأخرى لبدر شاكر السياب، في نهاية عام ١٩٤٧، ولكن لويس عوض نشر الديوان والمقدمة في نفس العام، وكانت هذه القصائد قد نشرت وكتبت منذ سنوات واعترف الجميع أن محاولات الدكتور لويس عوض جادة وهامة، لأنها تخطت مفاهيم الشعر العربي تخطيا نهائيا، حاول أن يبتكر أوزانا جديدة. وحاول أن يحرر الشعر من اللغة الجامدة. وتضم المجموعة قصائد فصحى وعامية. بالإضافة إلى قصائد النشر.

وعلى الرغم من أن ثمة اتفاقا، من الناحية الزمنية، على أن محاولات الدكتور لويس عوض، ومعه على أحمد باكتين هي صاحبة الريادة في هذا المجال قلم تذكر كثيراً، إلا أن الرواد لم ينكروا هذه الزيادة، فكان صلاح عبد الصبور دائما ما يذكر لويس عوض ودوره، وربما هذا التجاهل لأن لويس عوض لم يكمل في هذا الاتجاه كما فعل الشعراء أصحاب هذه المدرسة، وهو لم يكن يعنيه أن يكمل، وكان يعرف أن دوره في كتابة المقدمة وهذه التجارب هو رسالته، وإن كان قد توقف عن كتابة الشعر، إلا أنه تابع هذه الأعمال نقدياً ليكمل رسالته.

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

صاحب الرسالة – 1 لماذا وقف لويس عوض فى وجه التاريخ؟
لويس
لويس

المزيد من فن

أسماء جلال فى أول بطولة رمضانية مطلقة

تخوض الفنانة أسماء جلال خطوة البطولة المطلقة لأول مرة فى رمضان، بعد اتفاقها على تقديم مسلسل من 15 حلقة.

زينة تعود للموسم الرمضانى

انضمت الفنانة زينة لقائمة نجوم الموسم الرمضانى المقبل، واستقرت على بطولة مسلسل جديد تخوض به الماراثون الدرامى.

على ربيع يستأنف «ولاد العسل» نهاية الشهر

يعود الفنان على ربيع لتصوير فيلم «ولاد العسل» نهاية الشهر الحالى، عقب سلسلة تأجيلات بسبب انشغال بعض أبطاله بأعمال رمضانية.

صهد مبكر وخناقة حارة فى صيف غنائى باهت

زوبعة حماقى.. وأزمة عزيز الشافعى