رحيل النجم الكبير صاحب الأداء المتقن.. وداعًا عبد الرحمن أبو زهرة

أفضل من قدم شخصية «الحجاج» وطلب إعادة تصوير مشهد فى «أرض الخوف»

رحل عن عالمنا، قبل أيام قليلة، الفنان الكبير عبد الرحمن أبو زهرة عن عمر ناهز الثانية والتسعين عاما، بعد رحلة طويلة مع المرض، تاركًا إرثًا فنيا استثنائيا صاغه بصوته -المميز وحضوره الأسر وأدائه بالغ الإتقان، ليظل واحدًا من القلائل الذين حافظوا على مكانتهم وقيمتهم الفنية عبر عقود.

المسرح

لم يكن المسرح، في تجربة عبد الرحمن أبو زهرة، مجرد محطة مهنية ضمن مسار فني طويل فمن فوق الخشبة تشكلت ملامح شخصيته الفنية القائمة على التوازن بين الحضور الأسر والقدرة الدقيقة على تجسيد الانفعالات الإنسانية وإعادة تقديمها دراميا.

أسهمت البيئة المسرحية التي نشأ داخلها في صقل تجربته، إذ أتيحت له فرصة التتلمذ على أيدى كبار المسرحيين في العصر الذهبي للمسرحالمصري، والعمل إلى جوار أسماء بارزة من أبناء جيله، وفي هذا المناخ الفني تشكل أبو زهرة كممثل شديد الانضباط، يمتلك قدرة استثنائية على حفظ النصوص واستيعاب تفاصيلها النفسية والإيقاعية، وهي صفات منحته أفضلية واضحة في بداياته المسرحية.

وجاءت نقطة التحول الأولى مع إسناد بطولة مسرحية "بداية ونهاية" إليه عقب اعتذار عمر الحريري عن الدور الرئيسي لينبه الجميع إلى موهبة قادرة على حمل البطولة بثقة واقتدار.

أكد النجم الكبير الراحل حضوره لاحقا في مسرحية "المحروسة"، عندما وقع عليه الاختيار لتقديم بطولة العمل في ظروف استثنائية، وهو اختبار آخر أثبت من خلاله قدرته على التعامل مع أدوار ذات ثقل درامي وإنساني معقد.

السينما

استفاد أبو زهرة من بدايته المسرحية في أعماله السينمائية التي قدمها لاحقا فقد اكتسب خبرة كبيرة جعلته قادرا على الاندماج الكامل في الشخصية بوصفه شرطا أساسيا لتحقيق الصدق الفني.

لم يكتف أبو زهرة بأداء الأدوار المختلفة فقط بل سعى إلى خلق حالة من التوحد النفسي والوجداني مع الشخصية، بحيث يصبح الأداء امتدادًا طبيعيا لعالمها الداخلى لا مجرد تمثيل خارجی له.

هذه الرؤية ظهرت بوضوح في حديثه عن تجربته خلال تصوير فيلم "أرض الخوف" للمخرج داوود عبد السيد، أمام أحمد زكى فبعد الانتهاء من تصوير أحد المشاهد داخل مسجد، لم يشعر بالرضا الكامل عن أدائه، فطلب من المخرج الكبير الراحل داوود عبد السيد إعادة المشهد رغم اكتمال التصوير وتجهيزاته التقنية وقد تم الرضوخ لطلبه وهو ما يكشف عن درجة نادرة من الصرامة المهنية؛ إذ لم يكن هاجسه إنجاز المشهد بقدر ما كان الوصول إلى الحالة التعبيرية التي يراها الأكثر صدقا واتساقا مع الشخصية.

الدراما التليفزيونية

يعد عبد الرحمن أبو زهرة من أبرز من جسدوا شخصية الحجاج بن يوسف الثقفى في الدراما العربية، ولا سيما في مسلسل "عمر بن عبد العزيز"، الذي قام ببطولته نور الشريف وقدم أبو زهرة أداء اتسم بالكثافة التعبيرية والصرامة النفسية، ما منح الشخصية التاريخية حضورا دراميا لافتا، ورسخ صورتها في الذاكرة البصرية للمشاهد العربي.

في المسلسل الذي كتبه عبد السلام أمين وأخرجه أحمد توفيق، وغرض للمرة الأولى عام 1995، لم يقدم عبد الرحمن أبو زهرة شخصية الحجاج بن يوسف الثقفى بوصفها نموذجا تقليديا للطغيان السياسي فحسب بل منحها أبعادًا إنسانية ونفسية معقدة، مستندا إلى أدوات أداء عالية الانضباط، جعلت الشخصية واحدة من أكثر تجسيدات الحجاج رسوحًا في الدراما العربية.

اعتمد أبو زهرة على نبرة صوت حادة ومتماسكة تتدرج بين الهدوء المريب والانفعال السلطوي، وهو ما أضفى على الشخصية هيبة درامية استثنائية. كما أتقن توظيف الإيقاع اللغوى في الجمل الفصحى، فبدت الحوارات وكأنها امتداد طبيعي السلطة الحجاج الفكرية والسياسية، لا مجرد إلقاء لنص تاريخي، وقد ساعده حضوره المسرحي القوى على التحكم في تفاصيل الجسد ونظرات العين فكان الصمت أحيانا أكثر تعبيرا من الحوار نفسه.

رغم أن ظهور عبد الرحمن أبو زهرة في مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي" لم يتجاوز عشر حلقات، فإن شخصية «المعلم سردينة بقيت

واحدة من العلامات الراسخة في ذاكرة الدراما المصرية، وهو ما يعكس قدرة استثنائية على تكثيف الحضور الدرامي، وتحويل المساحات الزمنية المحدودة إلى أثر فني ممتد.

وقد شكل "لن أعيش في جلباب أبي" بفضل معالجته الاجتماعية وأداء ممثليه، أحد أبرز المحطات في تاريخ الفنان الكبير الراحل عبد الرحمن أبو زهرة.

الدوبلاج

قدم أبو زهرة عدة تجارب صوتية "دوبلاج" وكان من أشهرها النسخة العربية من فيلم الرسوم المتحركة الأسد الملك عندما جسد شخصية "سكار"، إحدى أكثر الشخصيات تعقيدا في سينما التحريك، وقد تقاضي النجم الراحل مكافأة مالية بلغت قيمتها 2000 دولار من شركة ديزني عن هذا الدور وقد اعتبر كثيرون الأداء الصوتي للنجم الراحل تفوق على عدد من النسخة المدبلجة للغات أخرى.

الأغنية التي أداها أبو زهرة في الفيلم تحولت إلى أحد أبرز عناصر حضور «سكار» في الذاكرة العربية بالإضافة إلى تجربته الغنائية في فيلم "الفارس والأميرة" والتي كانت أكثر تعقيدا وخطورة من الناحية الأدائية.

التجارب الفنية التي خاضها عبد الرحمن أبو زهرة طوال مسيرته الفنية رسخت مكانته كأحد أبرز الوجوه والأصوات التمثيلية في الفن العربي الذي يستطيع منح الشخصيات خاصة الكرتونية عمقا نفسيا كبيرا.. رحم الله الفنان الكبير عبد الرحمن أبو زهرة.

أمين خير الله

أمين خير الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

من خلال خمس مسرحيات كتب عادل إمام اسمه بين عمالقة الكوميديا

رغم غيابه عن الساحة الفنية منذ أن قرر الاعتزال، سيظل عادل إمام، الذي نحتفل بعيد ميلاده السادس والثمانين «مواليد 1940»،

عادل إمام.. 86 عاماً على ميلاد أيقونة فنية لا تتكرر

6 عقود زعيماً للفن العربى ساهم فى ترسيخ مكانة الفن المصرى كأحد أهم أدوات التأثير الثقافى

محسنة توفيق.. فنانة ملتزمة بقضايا الوطن حتى اللحظة الأخيرة

-قد تكون - يا عزيزي القارئ - شاهدت فيلم «الزمار» أو فيلم «العصفور» أو فيلم «حادثة شرف» وغيرها من الأفلام،...

«كان 2026» .. حين يتحول المهرجان إلى معركة من أجل روح السينما

كشفت الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينمائي، أن السينما العالمية لا تبدو منشغلة هذا العام فقط بالأفلام والنجوم والسجادة...