بتواضعه المعروف، أنكر نجيب محفوظ أنه مؤهل لكتابة المسرح، وقال «أنا مجرد كاتب مبتدئ، ولا يمكن أن أزعم أننى أنتمى إلى كتّاب المسرح الجماهيري،
وإننى ما زلت أجرّب، ولهذا فأنا أنضوى تحت لواء المسرح التجريبى».. ودون شك فإنه كان مؤهلاً لكتابة المسرح، ليس فقط من خلال هذه الحواريات التى تحدثت عنها فى المقالات السابقة، لكن من خلال تجليات المسرح فى أعماله القصصية. وأتفق معه فى استخدام مصطلح التجريب، فقد كان كعادته يجرب فى المسرح كما فعل فى الرواية، واستخدم مصطلح المسرح التجريبى عام 1971.. وظنى أنه سبق الكثير من كتاب المسرح فى استخدامه، بل وتطبيقه عمليا، فى هذه الحواريات التى أثارت جدلاً حول طبيعتها المسرحية وانتمائها إلى جنس المسرح، خاصة بعد أن صرح هو فى أكثر من حوار «نستطيع أن نسمى هذا النوع على سبيل الطرافة (ق.م) أى قصة مسرحية، لأنه يجمع بين جوهر القصة وشكل المسرحية».. وأيضاً أن هذه الحواريات مزجت بين القصة والمسرحية فى وحدة عضوية فنية واحدة، وظنى أن هذا هو أدق توصيف لهذه الحواريات.
ولن ننسى أن المسرح كان حتى سبعينيات القرن الماضى فى قمة ازدهاره، مما دفع نجيب محفوظ لأن يقول «ليس أمام الروائى الذى يعيش فى عصر المسرح إلا أن يكتب قصة فى شكل حوار»، وهذا ما حدث بالضبط، بالإضافة إلى ارتباطه العميق بفن المسرح الذى ظهر واضحاً فى أعماله الروائية، وكان يعرف جيدا أن هذه النصوص ليست بها التكنيك الدرامى للمسرح، ليست حواراً درامياً قائماً على الصراع، بل أقرب إلى الحوار القصصى الذى يطرح الأفكار ويناقش الأحوال السائدة!
وأبرز من ناقشوا هذه الحواريات الراحل سليمان فياض، الذى نسب مصطلح الأقصوصة المسرحية (ق.م) الذى اقترحه نجيب محفوظ للأديب الأمريكى جون شتاينبك، وذلك فى مقدمة روايته «الوميض» أو «الوهج»، وتساءل فياض: هل حاول نجيب محفوظ الدخول إلى المسرح من باب القصة؟.. ووصف الحواريات بأنها تهتز كثيراً حين تقترب من الشكل القصصى، لكنها أكثر اهتزازاً وابتعاداً عن الشكل المسرحى، وعلل ذلك بالهوة الكبيرة بين البناء الدرامى للمسرح والبناء الدرامى للقصة، من خلال مفردات عديدة أهمها الحوار الدرامى فى المسرح الذى يختلف عن القصة! وظنى أن نجيب محفوظ الذى صرح بأنه ليس كاتباً مسرحياً أكثر من مرة، إنما أراد أن يشارك بالنقاش الدائر بلغة العصر من خلال المسرح وقتذاك.. لم يكن فى ذهنه بناء المسرح أو بناء القصة أو التكنيك، فهو روائى بالدرجة الأولى، يقدر قيمة فن المسرح ول ويعرف أسراره التى استفاد منها فى أعماله الروائية، وقد استفاد منه فى حقبة رأى أنها تحتاج إلى الحوار الذى هو من مقومات المسرح.
حين يعود القارئ إلى قراءة القصص القصيرة التى ضمتها المجموعات الثلاث التى نشر فيها هذه المسرحيات أو الحواريات «الجريمة، خمارة القط الأسود، تحت المظلة»، سيلاحظ طغيان الحوار على السرد فى هذه القصص بصورة واضحة، فالحوار لا يُستخدم فقط كإحدى وسائل التوصيل، بل كعامل مساعد من عوامل رسم الشخصيات، وسرد القصة، وتدعيم البناء العميق للحكاية.. فالحوار فى قصص نجيب محفوظ غالباً حوار درامى وليس قصصياً، والدليل على هذا أننا لا نستطيع الاستغناء عنه أو تحويله إلى سرد.. ربما يحدث هذا فى القصص العادية، لكن فى قصص نجيب محفوظ فى هذه المجموعات الثلاث وغيرها، ستهدم هذه المحاولة القصص من أساسها، لأن هذه الشخصيات فى بنائها العميق شخصيات درامية، فثمة صراع درامى واضح بين الشخصيات، صراع مادى وفكرى، صراع داخلى فى أعماق كل شخصية، وصراع خارجى بين الشخصيات، وهذا من وسائل المسرح. وإذا كان الحوار يخلو من الإرشادات المسرحية كما فى النصوص التقليدية، فإنه حوار درامى، والقصص حافلة بالحركة المادية، دخول وخروج كأننا فى كواليس عرض مسرحى، تدخل الشخصيات حاملة همومها ومشاكلها وأفكارها ونزواتها، بل وفى أحيان كثيرة ثمة استهلال حركى أقرب إلى بداية النص المسرحى وليس الاستهلال السردى كما يحدث عادة فى القصص، وقد استخدمه أيضاً نجيب محفوظ فى بعض الروايات، ومنها الثلاثية وزقاق المدق، بالإضافة إلى وحدة المكان والزمان التى التزم بها نجيب محفوظ وهى من العناصر الأساسية للمسرح.
وثمة ملمح آخر وهو التنكر، حيث إن شخصيات نجيب محفوظ ترتدى الأقنعة وتؤدى أدواراً أخرى تختلف عن شخصياتها الأصلية، فكلها تقريبا فى المجموعات الثلاث تمارس التنكر والتمثيل وتؤدى شخصيات تختلف عن التى يعرفها الناس، شخصيات تُظهر عكس ما تبطن، البعض نصف عاقل ونصف مجنون، شخصيات تعى أنها تعيش حياة عبثية، إذن بين عناصر المسرح وفلسفة العبث تأتى قصص المجموعات الثلاث.
تحت المظلة
قصة «تحت المظلة» وإن كانت تحمل دلالة سياسية من خلال الشرطى الذى اكتفى بالفرجة على المذبحة، وحين سأله من تبقوا من الجمهور/ الشعب أطلق عليهم الرصاص، وهذا على مستوى المضمون.. فإن الشكل لا يخلو من عناصر المسرح والسينما، مفردات المشهد واضحة، حيث يقف الجمهور/ الشعب تحت المظلة بين الحلم واليقظة، بين الوهم والحقيقة، يشاهد أفعالاً أقرب إلى الفانتازيا، قتلى ولصوص ومطاردة ومقابر للأحياء فى الشارع، وجثث تنام فوق الأسرة! ويلعب الحوار دوراً رئيسياً فى البناء العميق للحكاية، رغم اعتمادها على السرد فى وصف الأحداث، إلا أننا لو حذفنا الحوار لسقط البناء، فهو لا يحدد شخصيات ينسب لها الحوار، فقد كانت الشخصية تحاور نفسها، أو يتخيل من يحاورها فى الأيام التى تلت نكسة 1967 أن ما حدث أشبه بالمشهد التمثيلي، وبعيد تماماً عن الحقيقة، والاعتماد على الحوار ينطبق على قصص المجموعة بما فيها تجربة نجيب محفوظ فى رحلة اليمن التى ضمها فى هذه المجموعة، وإن «الرحلة» الوحيدة البعيدة عن العبث أقرب إلى الرصد والتوثيق.
ونعود إلى قصص تحت المظلة وأبرزها «الحاوى خطف الطبق»، حيث أرسلت الأم ابنها الصغير لشراء فول بقرش، فحمل الطبق والقرش واخترق الزحام، لكن البائع سأله: فول خالص، بالزيت، بالسمن.. فلم يجد الصبى إجابة، وعاد إلى أمه، فأخبرته بالزيت يا خيبة، فكرر المحاولة، وسأله البائع أى نوع من الزيت، فلم يجد إجابة، وعاد يجر أذيال الخيبة ووجد الإجابة عند الأم، وعاد مرة أخرى يملك الإجابة، واخترق الزحام بثقة فلم يجد القرش، وهكذا عاد مرة أخرى فلم يجد الطبق، ليدخل الصبى فى حلقة مفرغة ويخوض العديد من المغامرات.. وحين يعود بطبق جديد وقرش من حصالته ليمحو خيبته يجد البائع نائماً!.. فدائماً ما يفقد شيئاً، ويعدو فى الشوارع ويفقد أيضاً طريقه وينتابه الخوف، ويحلم بأن يجد أمه فجأة.. ويتركه نجيب محفوظ فى هذه الحيرة وتنتهى القصة.
والقصة نموذج لفلسفة العبث، من خلال حكاية الإنسان الذى لا يحصل أبداً على ما يريد، حتى لو كان بسيطاً، رغم رحلته الشاقة التى تكررت مرات عديدة من خلال حكاية ذات بنية دائرية تعبّر عن الجمود لأنها تنفى الانتقال من حالة إلى أخرى، فرغم الرحلة الشاقة للصبى فإنه كان يدور فى حلقة مفرغة! وفى «الوجه الآخر» الأخوان عثمان ورمضان، الأول ضابط والثانى مجرم خطير، وبينهما صديق مشترك يعمل مدرساً، رمضان الخارج عن القانون يرى أن هذا الأخ الضابط الذى يرمز إلى «العقل، الاتزان، الاعتدال، النظام، الاجتهاد، الأدب»، هو «رمز الموت فى عينى».. الضابط يحشد قوى الأمن لقتل الأخ المجرم الذى يسخر منه ولا يحترمه أبداً، وهنا يفيق المدرس ويكتشف أنه كان يتقدم وينجح بفضل رمضان الذى كان يروى ظمأه المكبوت إلى الانطلاق والأسطورة، أما عثمان الذى كان يشجعه على دروس الخلق والوطنية فلم يعد ينتمى إليه.. اكتشف المدرس أنه كان ميتا هو والقواعد التى يتبعها، وأنه أضاع أيامه فى صحبة العقلاء، وأنه سيلهو بالأشياء العميقة وسيسحق مقتنياته ويقذفها فى الريح.. لقد اكتشف أن كل معتقداته الراسخة لا قيمة لها!
الجريمة
لا تختلف مجموعة الجريمة كثيراً، حيث يشعر القارئ بأنه مع نفس الشخصيات فى ملابس أخرى وأسماء وأماكن مختلفة.. شخصيات أيضاً تبحث وتتساءل حول المصير الإنسانى فى إطار عبثي، تتساءل حول الموت والزمن والوجود، فالصبى صاحب موقعة طبق الفول لا يختلف عن مجموعة الصبية فى قصة «الطبول» الذين خاضوا أيضاً معركة كبرى مع الرحلة التى يصفها كاتبها بأنها طويلة بلا نهاية، معذبة بلا رحمة، خالية من أى معنى أو عزاء، غير جديرة بالطقوس التى تحكمها والنظام الذى يضبطها، والآمال المعقودة عليها، أما قائد الرحلة وقائدنا نفسه فقد بات قائداً بلا قيادة ولا جيش.. وبعد مغامرات وتمرد وحساب وعقاب للخارجين عن الطابور، يصرخ القائد فى المعسكر «ليكن الآن نوم، وليكن فى الغد حساب».. ففى أى طريق ذهبوا، وأين، ولماذا؟.. فقط يصف المؤلف عذاب الرحلة فى الذهاب والعودة إلى النوم فى انتظار الحساب! وهكذا شخصيات تواجه حياة ملغزة فى صور مختلفة من خلال أحداث غير مبررة، ولا تخفى على القارئ الدلالة السياسية للرحلة وقائدها فى تلك الفترة.
وفى قصة التحقيق، يذهب الرجل ليقضى ليلة مع زميلته فى العمل، وفى منتصف الليل يدق الباب ويدخل من يقتل السيدة ويذهب، ورغم هروب هذا البائس من مسرح الجريمة فإن الخوف الذى يسيطر عليه يقوده إلى حمل عبء جريمة لم يرتكبها سوى بخوفه! وبعد القراءة يتساءل القارئ عن هذه الشخصيات التى يحمّلها نجيب محفوظ أسئلة الوجود، فقصة «الحجرة رقم 12» حين جاءت امرأة وأخلت الغرفة من الأثاث وفى المساء توافد الضيوف الذين يمثّلون كل شرائح المجتمع من كل حدبٍ وصوب، والمدير فى دهشة مما يحدث، ولا شيء سوى صعود هذه الأعداد الهائلة إلى الغرفة ومعها كميات الطعام والشراب التى طلبها الضيوف، ويسأل المدير: كيف تتسع الغرفة لكل هؤلاء؟.. عائلات وشخصيات بارزة فى المجتمع، ومندوبى صحف وجمعيات وأساتذة جامعة، ومخبر، ولم يعد باب الحجرة يفتح، بالتوازى مع فعل الصعود إلى الغرفة سواء للبشر أو الأطعمة والخمور، حيث تجرى الأمور فى شذوذ جنونى، وتلهو أيضا الطبيعة وتقصف السماء وترعد، والصخب يزداد فى الغرفة، والضحك والغناء والضجيج، والسماء ترد بالأمطار والبرق والرعد، وكاد الفندق يغرق، وأصحاب الغرفة 12 انحشروا بداخلها، امتلأت بطونهم فانتفخت وتعذر فتح الباب، بينما اجتاح الهياج الفضاء الكوني، وجاءوا من الخارج بمتطوعين لإنقاذ الفندق من الغرق، وأعطى المدير تعليماته بإهمال الغرفة 12 تماماً، وكان الوحيد الذى لم يسمح له المؤلف بالصعود إلى حجرة السيدة بهيجة الذهبى، هو سيد الأعمى الحانوتى، فقد جاء مبكراً مثل الآخرين، ولكن السيدة بهيجة لم تسمح له بالصعود، لأن دوره فى النهاية. «وللحديث بقية»
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يواصل الفنان محمد فراج تصوير مشاهد مسلسله «أب ولكن»، المقرر أن يعرض فى رمضان.
يبدأ الفنان إياد نصار، الأسبوع المقبل، تصوير مشاهد مسلسله «الحب والحرب»، بعد الانتهاء من تفاصيله.
بدأ الفنان كريم عفيفى تصوير مشاهد مسلسله «السوق الحرة»، داخل مدينة الإنتاج الإعلامي، وبالتحديد داخل لوكيشن الأكاديمية.
انضمت الفنانة سماح أنور لفريق مسلسل «عرض وطلب»، مع الفنانة سلمى أبو ضيف،