نجيب محفوظ.. مواطن شارك فى تحقيق أهداف الدولة الوطنية المصرية

الدولة الوطنية مصطلح سياسي ظهر للوجود بعد نهاية حقبة الاستعمار الأوروبي الذي كان يسيطر على أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية لكن الحرب العالمية الثانية كانت فصل النهاية في حياة هذا الاستعمار الاستيطاني المسلح القائم على القوة الجبرية،

 ونحن هنا في مصر دفعنا ضريبة الاحتلال الاقتصادي الناعم الذي بدأه الأوروبيون عقب اتفاقية لندن 1840 التي قضت على مشروع الامبراطورية العربية الذي تمناه - محمد على باشا - وأجبرته على فتح السوق المصرية أمام المنتجات الغربية والأموال القادمة من بيوت المال والبنوك الأوروبية، وجاء عصر الخديو محمد سعيد ليمنح فرنسا حضوراً ثقافيا وسياسيا، وكانت قناة السويس من نصيب صديقه «ديليسبس» ثم جاء الخديو إسماعيل بن إبراهيم بن محمد على ليغرق البلاد في الديون، وحاول رجال الجيش وبعض كبار ملاك الأراضي التصدى لهذا الاستعمار الاقتصادي والدفاع عن حرية واستقلال الاقتصاد المصرى والسوق المصرية، فكانت القوة المسلحة هي التي فرضت وجود الاستعمار الأوروبي، واعتبرت بريطانيا نفسها زعيمة الغرب الناطقة باسمه ثم انفردت بمصر، وكان نجيب محفوظ من مواليد 1911 - شاهدا على تلك الحقبة - وعاش طفولته وشبابه في ظل الاحتلال وعندما خرج الاحتلال بموجب اتفاقية الجلاء 1954 كان قد أصبح ناضجاً وموظفاً كبيرا في وزارة الأوقاف، ولما تشكلت أول وزارة للثقافة والإرشاد القومي، كان ضمن موظفيها فى مصلحة الفنون مع يحيى حقى و تولى مناصب رفيعة منها رئاسة الرقابة على المصنفات الفنية، ورواياته وقصصه تحولت إلى مسرحيات وأفلام سينمائية ومسلسلات إذاعية وساهمت في تشكيل وعى الجماهير في مصر ولعل القارئ لا يعرف أن رواية بداية ونهاية كانت أول رواية تتحول إلى مسرحية ثم مسلسل إذاعي أذاعته صوت العرب وهي الإذاعة التي أنشئت لتحقيق التواجد السياسي للدولة الوطنية المصرية في المحيط العربي وكان إبداع - محفوظ - من عناصر القوة الناعمة التي منحت الدولة المصرية حضوراً في العالم كله، خاصة بعد فوزه بجائزة نوبل في أواخر ثمانينيات القرن العشرين.

الإذاعة ساهمت فى تقديم صاحب نوبل إلى الملايين من المستمعين

كان الزمن هو زمن - الراديو - وكان المواطن المصرى يسمع الراديو ويهتم بالدراما التي تقدمها الإذاعة في الخامسة والربع من مساء كل يوم، ومما يروى عن الدراما الإذاعية أن وقت إذاعة المسلسل تفرغ فيه الشوارع من المازة، وفى تلك اللحظة الذهبية ظهرت أعمال نجيب محفوظ، سمع الناس مسلسل الحرافيش - على موجة البرنامج العام وقدمها كبار فناني المسرح البارعين في التمثيل الإذاعي المعتمد على الإفادة من طبقات الصوت وحدها في التعبير عن المواقف والأحداث، وهو من إخراج فتح الله الصفطي، وتمثيل حمدي غيث وسميحة أيوب وأمينة رزق وأشرف عبد الغفور، والأشعار كتبها صلاح جاهين، والغناء والموسيقى من إبداع سيد مكاوى والذي أعدها للإذاعة هو الكاتب فراج إسماعيل وهذا المسلسل أذيع للمرة الأولى في صيف عام من أعوام السبعينيات من القرن العشرين، وفيه اجتمعت عناصر النجاح فريق من الموهوبين الأسطوات جعل الحرافيش تخرج من بين دفتي كتاب إلى ملايين المستمعين، وجعلت منتجي السينما ينتبهون لها ويقدمون منها عدة أفلام، لأنها مكونة من عشر حكايات كل حكاية تحولت إلى فیلم سینمائی ناجح ومسلسل - عصر الحب - انطلق إلى أسماع الجماهير وكان مخرجه الإذاعى هو أنور عبد العزيز وقامت بالبطولة ليلى طاهر وصفاء أبو السعود ومعهما حسن يوسف وصلاح السعدني وعبد الله فرغلى والغناء والموسيقى للملحن الشيخ سيد مكاوى والأغنيات كتبها الشاعر كمال عمار، وأعدها للإذاعة عصام الجميلاطي، ومسلسل - ميرامار - أخرجه للإذاعة محمود يوسف وأعده عبد الرحمن فهمى، والإذاعة المصرية التي تنبهت إلى روايات نجيب محفوظ قدمت له الكثير من رواياته منها: الطريق والسراب والحب فوق هضبة الهرم وغيرها، ربما لأن الإذاعة أدركت قدرة هذا الكاتب الكبير على التعبير عن روح المجتمع المصرى، رغم أن غالبية النقاد حاولوا حبس - محفوظ - في دائرة الحارة القاهرية، والحقيقة أنه عبر عن روح الشعب وتاريخه النضالي وأحلامه وهزائمة وأوجاعه فاستحق هذه المكانة الكبيرة في قلوب المصريين.

حديث الصباح والمساء.. دراما الأجيال التى تؤرخ لكفاحنا الوطنى

الكفاح الوطني، هو أهم عمل قام به الشعب المصرى على مدى آلاف السنوات كافح ضد الهكسوس وضد الرومان وضد الفرس وضد العثمانيين والمماليك والفرنسيين والإنجليز والصهاينة، وهذا الكفاحالشعبي، عبر عنه روائيون كبار في تاريخنا الثقافي والإبداعي، لكن الوحيد الذي قرر أن يحكى التاريخ ويتأمل صفحات النضال الوطني وأنجز منجزات كبرى، هو نجيب محفوظ، ولم يكن وحده الذي فعل ذلك، لدينا سعد مكاوى وعبد الرحمن الشرقاوى وتوفيق الحكيم ويحيى حقى وعبد الوهاب الأسواني، لكن - محفوظ - قرر في بداياته أن يكتب تاريخ مصر بالرواية، وأنجز روايات تتناول العصر الفرعوني أو المصرى القديم، ثم توقف ليتحول إلى الواقعية، وكتب زقاق المدق وخان الخليلي وغيرهما، لكن رواية . حديث الصباح والمساء - اختلفت عن سابقاتها من حيث الشكل والموضوع، فهی لیست فصول رواية عادية، بل هي مقاطع مقسمة ومرتبة حسب الحروف الأبجدية كل حرف يسرد تحته الكاتب قصة شخصية، وهذه الشخصية هي الحفيد لجد يرد ذكره في آخر الحكاية، وهذه الطريقة لم تكن وحدها سر تميز هذه الرواية بل الموضوع نفسه، يمتد على مدى مائتي عام، فهي رواية أجيال فالقارئ يقرأ قصة الجد والحفيد وحفيد الحفيد، وهذا ما استوعبه السيناريست - محسن زايد - الذي انطلق من حكاية الجد الأكبر ونجح في صياغة دراما أجيال ولم يغرق في تفاصيل الحكايات الخاصة بالشخصيات، بل أظهر الكفاح الوطني للشعب المصرى فالجد القادم من الإسكندرية هرياً من الوباء واستقر في القاهرة، خرج من صلبه من قاوم الاحتلال البريطاني وساهم في الثورة العرابية، والأزهر صاحب الدور الكبير في الكفاح الوطني منذ العصر العثماني، واضح أثره في الرواية والمسلسل، والصعود الاجتماعي لبعض العائلات في منحنيات تاريخية سمحت بهذا الصعود، واضح أيضاً - عائلة المراكيبي - وهذا الوعى بحركة المجتمع استمده محفوظ من قراءته التاريخ الوطنى المصرى فهو من الجيل الذي عاش في ظل الاحتلال البريطاني، وكانت الوطنية المصرية مزدهرة في صدور الشباب في ذلك الزمان وكانت ثورة 1919 واحدة من ثمار كفاح الشعب في الريف والمدن الكبيرة، تحت راية - الوفد وهو الحزب الذي تبنى نجيب محفوظ مبادئه وظل مخلصاً لها طوال حياته، وكانت نقطة خلافه مع ثورة 23 يوليو 1952 نابعة من إلغائها الأحزاب والتداول السلمي للسلطة، ولكن الحقيقة لم تكن ديمقراطية العصر الملكي ديمقراطية حقيقية، بل كانت توزيع أدوار داخل شرائح الطبقة الغنية التي تملك الأرض، ولم يكن محفوظ من أعداء ثورة يوليو بل تولى في ظل سلطتها أرفع المناصب الوظيفية ولقى الاهتمام الواسع من جهازها الإعلامي وتحقق إبداعياً في ظل حكمها، وفي حديث الصباح والمساء نقد الحكم الثورة وحنين لحكم الوفد ومن حق كل كاتب أن يتبنى من الرؤى ما يشاء، لكن نجيب محفوظ اختلف مع ثورة يوليو اختلاف المحب لا اختلاف العدو وهذا ما جعل نقده مقبولاً لدى عبد الناصر نفسه.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

نجيب
محفوظ
نجيب
فى ذكرى ميلاده (3) أفكار فلسفية وشخصيات عبثية فى مسرح نجيب محفوظ
نجيب محفوظ.. رواياته منحت الدراما المصورة حب الجماهيرالعريضة
فى ذكرى ميلاده شكل القصة وجوهر المسرح فى حكايات نجيب محفوظ
فى ذكرى ميلاده  نجيب محفوظ.. روائى فى عصـــر المسرح
فيلم

المزيد من فن

محمد فراج «أب ولكن» فى العاصمة الجديدة

يواصل الفنان محمد فراج تصوير مشاهد مسلسله «أب ولكن»، المقرر أن يعرض فى رمضان.

إياد نصار يبدأ «الحب والحرب» فى الساحل الشمالى

يبدأ الفنان إياد نصار، الأسبوع المقبل، تصوير مشاهد مسلسله «الحب والحرب»، بعد الانتهاء من تفاصيله.

كريم عفيفى يصور «السوق الحرة» بمدينة الإنتاج

بدأ الفنان كريم عفيفى تصوير مشاهد مسلسله «السوق الحرة»، داخل مدينة الإنتاج الإعلامي، وبالتحديد داخل لوكيشن الأكاديمية.

سماح أنور تنضم لـ«عرض وطلب»

انضمت الفنانة سماح أنور لفريق مسلسل «عرض وطلب»، مع الفنانة سلمى أبو ضيف،


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص