فى الحوارية الرابعة «مشروع للمناقشة» من مجموعة تحت المظلة، يناقش نجيب محفوظ قضية المسرح نفسه بين مخرج وممثل وممثلة ومؤلف، في فضاء من الصراعات الغامضة، وهنا يصرح بقوة أنه يقدم مجموعة أفكار للمناقشة. صراع أفكار واضح، ولكن هذه المرة حول الكتابة للمسرح، والسؤال الذي يفتتح المناقشة أو يبدأ به الحدث الدرامي مغزاه: هل يجب أن يحقق المؤلف رغبات الممثلين، أم يتحقق هؤلاء الممثلون حين يفكر فيهم المؤلف ؟ أي من خلق من؟ المؤلف خلق الممثلين والمخرج أم العكس؟
والحوار بين هذه الشخصيات الممثلين والمؤلف والناقد، مناقشة أقرب إلى ملامح شخصيات الكاتب المسرحي الإيطالي لويجي بيراندللو التي تبحث عن مؤلف، ولكن هذه المرة لا تخرج الشخصيات من النص المكتوب وتعترض على مؤلفها، لكن الممثلين أنفسهم يعترضون على المؤلف قبل أن تولد الفكرة، بل والتمرد يصيب الجميع المؤلف والممثل والمخرج، والناقد. فالممثل يريد دورا تقليديا يصارع فيه الأقدار ويصارع فيه المجتمع، والمؤلف يرى أن القدر لم يعد سوى موضة بالية والبطولة الخرافية مراهقة وهل يتمخض المجتمع إلا عن لعبة يعبث بها أطفال شريرون لم تحسن تربيتهم ؟! ويصرخ في وجوههم ويستخدم كلمة «الخلق» مرات عديدة: «من يدرى بمتاعب الخلق غيري، في حكاية ذات بنية دائرية تعبر تماما عن الجمود، لأنها تنفى الانتقال من حالة إلى أخرى، فالبداية لا تختلف عن النهاية، حيث يغيب المنطق عن الحوار والحدث في نص لا يلتفت إلى دور الإنسان، ليقدم نجیب محفوظ حوارية عبثية تعبر عن إحساس الكاتب بالصدمة نتيجة غياب وفقدان الأسس التي تقول بأنه ليس للعالم معنى، وأنه لا حقيقة، وما رفض المؤلف لدور الممثل أو المخرج أو الناقد إلا رفض لدور الإنسان في المجتمع.
ودون شك تأخذ الحوارية أبعاداً ميتافيزيقية حول الخلق، ويمكن قراءتها أبعد من المسرح، أبعد من رؤية فنية مختلفة ومتمردة على القواعد التقليدية فالمسرح هو الدنيا في هذا النص، وحين يصرخ الناقد أكثر من مرة: لقد حلت اللعنة بمسرحنا .. لقد حلت بالدنيا»، إنه عالم نجيب محفوظ في قصصه ورواياته مشاكل الخلق وعبث الوجودا والحوارية الأخيرة في هذه المجموعة «المهمة». فانتازيا يغلب عليها الطابع الميتافيزيقي لرجل يهيم على وجهه من مطلع الصبح، ثم يتبع أول من يصادفه وكأنها مهمة الإنسان في الدنيا، حين يتبع رجلاً شاباً كظله ويفسد عليه حياته، ومبرره أنه لا يقصد الشاب. وفجأة تخرج جماعة من الشباب يريدون قتله، ليقول له أحدهم: إذا أردت الرحمة قتلناك بلا تحقيق، وإن أردت العدل قتلناك بعد تحقيق، وإن أردت الحرية فاقتل نفسك بالوسيلة التي تفضلها»، فلا مفر من الموت إذن فمن هذا الرجل الذي يتبع الشاب؟ ولماذا لم يغفر له ؟ ولماذا لم يساعده؟ وهل هو الذي أرسل له من يعذبه ويحاسبه على عدم أداء المهمة؟ وأي مهمة هذه ؟
الأحداث كلها تدور في الخلاء، الذي دائما ما يتوجه إليه هذا الرجل الغامض بالكلام ويقول له: بنوايا طيبة أسير، ولكنى أتلقى اللطمات، لماذا؟ لماذا يصر الناس على الوهم والحماقة؟ لماذا لا يقفون على أرض الواقع؟ كيف لا يفرقون بين العدو والصديق ؟». وحين يصف نفسه يقول: «اعتدت أن يقال لي اذهب عندما أرغب في البقاء، وأن يقال لي لا تذهب عندما لا يجب البقاء». فمن هذا الرجل؟ بالطبع هو ليس مجرد رجل، إنه رمز لقوة خفية. فمن هذا الذي يتبع الإنسان ويحاسبه ويمنحه كل الخيارات التي تنتهي بالموت؟ وحتى بعد أن يتم تقييد الفتى في الخلاء لا يعرف من هذا الرجل.
لقد أدرك محفوظ في تلك الفترة أن قوانين المسرحالواقعي لم تعد تنطبق على ما يحدث، ولم يعد يؤمن بالحلول الواقعية، وهذا هو نفس فكره القصصي، لكنه يسير بنهج جدلى لا يخلو من فلسفة عميقة تعكس حالة فقدان اليقين بعد هزيمة 67، ليلتقط سؤال اللحظة، السؤال المعقد الذي لم يجد له إجابة، هو أو غيره. لذلك لجأ إلى دراما اللامعقول لتجسيد الواقع اللامعقول من خلال شخصيات لا تحمل أسماء فقط تحمل صفات ومهنا، وكلها من فصل واحد وتدور أحداثها في مشهد لا يتغير تقريباً، وتستعير لغة الصورة الشعرية من خلال أفكار مجردة ورؤى فلسفية.
وبعد قراءة هذه النصوص سألت نفسي: لماذا لم يكتب نجیب محفوظ هذه الحواريات في قالب قصصي؟ وما الفرق بينها وبين أغلب القصص التي ضمتها هذه المجموعات؟ وبالطبع على المستوى الفكري لا فرق بالإضافة إلى فلسفة العبث التي تعتمد عليها القصص وأيضا الحواريات، ولكنها الرغبة في الحوار والجدل حول أحداث تلك الفترة، والاستفادة من فن المسرحوربما التجريب الذي كان محفوظ مولعاً به حيث يبحث عن أساليب وأشكال أدبية جديدة في كل عمل.
المطاردة والزمن
ولا يختلف الأمر كثيرا في العمل الثاني «الجريمة» (1973)، والتى كتب فيها مسرحية من فصل واحد «المطاردة، من خلال أربع شخصيات أطلق عليها الأحمر والأبيض، والعروس، والشخصية الوهمية التي تطاردهم حيث يقرر الأبيض والأحمر الزواج من امرأة واحدة من خلال حوار فلسفي يجمع بين العمق والبساطة، وفكرة غير منطقية، ليس فقط الزواج رجلين بامرأة واحدة، ولكن في عودتهما للشباب مرة أخرى وتكرار التجربة.
ليتذكر قارئ نجیب محفوظ يوجين يونسكو وصامويل بيكيت بقوة، ولكن إذا كان محفوظ قد استعار إطار مسرح العبث، إلا أنه وضع أفكاره وعالمه. والمطاردة حول رجل صامت لا يتكلم، فقط يتحرك تزداد سرعته في كل مشهد ويحمل سوطا في يده يراقب ويطارد الأحمر والأبيض وزوجتهما بعد ذلك. الأحمر والأبيض والزوجة يمارسون عملية التنكر في كل مشهد من خلال الملابس وعمليات التجميل، ولكن الرجل لا يتأثر، ليتعرف عليهما في كل الأحوال.
تتغير الدنيا والرجل كما هو. تدخل العروس في البداية مع شرطى ومأذون، وفي النهاية مع أمين شرطة يحمل لاسلكي ومأذون عصري، في إشارة للتطور الظاهري الذي أصاب المجتمع. ومهما تنكروا الرجل يعرفهم، وفى النهاية يهرب الأحمر والأبيض ويتركان العروس ترقص أمام الرجل الذي ما زال يعدو، ولكن هذه المرة في مكانه. فمن هذا الرجل الذي تزداد سرعته؟ هل هو الزمن أم الموت؟
فليس هناك صراع درامي بل أفكار تتصارع حول فكرة الزمن أو الموت هناك صراع ميتافيزيقي حول الوجود يجسد أفكار الكاتب حول الزمن في حوار يغلب عليه الطابع الفلسفي حيث يخاطب الأبيض الرجل أو الزمن لكننا في الواقع نحترمك صدقني فأنت تشغل من وقتنا أكثر مما تتصور، وأنا مقتنع بأنك لا تتعرض لنا، وأننا في الواقع مسئولون عن كل شيء، فنحن الذين نعمل ونحن الذين تتغير، ونحن الذين تكبر ولا حق في أن نعلق عليك الأخطاء والمتاعب وأرى أنك تقبل دعوتى للشرب»!
أما الأحمر فعلاقته بالرجل سيئة، ويخاطبه ساخرا:
اجر لا يهم، سيدور رأسك، وتقع جثة هامدة». والرجل الزمن لا يكف عن ضرب الهواء بالسوط فقط يتباطأ إيقاع الرجل، وظنى أنه يتباطأ فقط بالنسبة للأبيض والأحمرا ليختفى نجيب محفوظ في هذه الحواريات وراء شخصياته، ويطرح القضايا ويناقش الأفكار التي تؤرقه بعيداً عن عناصر الدراما، ونص المطاردة» نموذجا.
الشيطان يعظ والخطأ التراجيدي
اختلف الأمر قليلاً في مجموعة «الشيطان يعظ» (1979)، ربما باختلاف اللحظة التاريخية، فقدم فيها مسرحيتي «الجبل» و «الشيطان يعظ». وهنا لجأ إلى الأسماء الواقعية للشخصيات ولكن ما زالت الأفكار المجردة والرؤى العبثية تتسيد الموقف.
ففى مسرحية «الجبل» تجاوز مجموعة من الشباب دورهم في الحياة، ونضبوا أنفسهم قضاة، وحاكموا الناس، ونفذوا الحكم في الجبل من خلال حبكة قوامها الرغبة في تحقيق العدل ورفع الظلم عن البشر. وتتطور الأحداث ويتحول هؤلاء إلى قتلة. وبالطبع رغبة تحقيق العدل رغبة نبيلة، ولكن هل يمكن لأى شخص تطبيق العدل ؟ لقد لعب هؤلاء دورا ليس لهم رغم قبل الفكرة، وحين تجاوزوا دورهم في الحياة كان الخطأ المأساوى، وتحولوا إلى قتلة
ولا يخفى على القارئ الرموز الواضحة الحارة الدنيا. وكما يحدث في التراجيديات الكبرى يموت جميع الأبطال، ولا يبقى سوى واحد يروى المصائر المأساوية. وكما ذكرت ثمة اختلاف في البناء وليس في الفكر، فـ«الجبل أقرب إلى تراجيديا قصيرة إذا جاز التعبير
يحمل في نهايتها عساف الناجي الوحيد جثة حبيبته هبة في مشهد مأساوي، وقد أصابته لوثة وتمنى لو رقص وغنى الوداع لكل شيء طيب أو قيح والتسعفني سعادتي على دفن الحبيبة والزملاء والأمل، وأقول لأى هاتف إنني لن أعترف أو أنتحر في سطح الجبل القائص في الظلام متسع للتخيط الجنوني العمل.
أما الشيطان يعظه، فقد أطلق عليها مؤلفها أيضا مسرحية من فصل واحد مثل المطاردناء، وأضاف في العنوان أنها مستوحاة من حكاية مدينة النحاس من ألف ليلة وليلة، واحتفظ تقريباً بأبطال الحكاية موسى بن نصير الخليفة عبد الملك بن مروان طالب رسول الخليفة، والشيخ عبد الصمد، والملكة ترمزين من خلال حبكة تخالف منطق ألف ليلة وليلة، وهو اللامنطق
ويطرح من خلالها تساؤلا مغزاه هل يستطيع الحاضر تغيير الماضي أم هل يحكم الماضي الحاضرة ويجيب النص لا هذا ولا ذاك وهذه هي موعظة الشيطان التي استلهمها الكاتب من الحكاية، حيث يستطيع العفريت إقناع رسل الخليفة بالعدول عن حمل القمقم الذي يسكنه العفريت إلى بغداد
العفريت قل المولاك من يحكم بالإيمان فلا حاجة له بالشيطان.
عبد الصمد: انطلق أيها الطريت، فلقد نطقت بالحق».
وكان الخليفة قد طلب قمقماً يسكنه عفريت من مدينة التخاص، وأرسل إلى موسى بن نصير لأن المدينة تقع بالقرب من الأندلس ومن خلال هذه الحكاية يقيم نجیب محفوظ حواراً بين الماضي والحاضر، وذلك بعد أن يصلوا المدينة المسحورة، ومن باب الفضول. وبعد أن تثيرهم الحكاية ومشاهد البشر التماثيل. يطلبون من العفريت أن يعيد المدينة إلى الحياة في يومها الأخير
وبالفعل تدب فيها الحياة فيعيد الموتى تمثيل الأحداث فبعد أن طقت الملكة ترمزين وطلبت من الناس أن يصدوها بعد أن ادعت الألوهية، والمترت بقوتها التي تستمدها من العفريت يصف نجيب محفوظ المدينة وصفا لا يبتعد كثيراً عن أجواء ألف. ليلة الفنتازية مدينة متخيلة يقوم فيها الرجال مقام النساء في كل شيء والعكس
فقرر العفريت إهلاك الظالمين بظلمهم والآخرين بنقالهم وجبتهم لقد تجاوزت الملكة حدودها الإنسانية وادعت الألوهية، وكان هذا الفعل هو الخطأ. التراجيدي الذي أهلكها وشعبها. وفي هذا اليوم يحاول رسل الخليفة، من خلال هذه التجربة المدهشة، إقناع . الملكة بالعدول عن فيها بعد أن عادوا عشرين ألف سنة. إلى الوراء، وبالطبع ترفض
ويهلك العفريت المدينة، ولا يستطيع الحاضر تغيير الماضي، ولا أن يحكم الماضي الحاضر حيث تحاول ترمزين التأثير على طالب رسول الخليفة من خلال علاقة الحب التي نشأت بينهما، ولا يستطيع أحد أن يقف في وجه الأقدار وهي الفكرة الأقرب إلى أدب تجيب محفوظ، بل و تسيطر على كل أعماله.
حيث تتردد أسئلة عديدة على لسان الشيخ عبد الصمد دليل الرسل إلى مدينة النحاس وشيخ الصحراء الطاعن في السن، أسئلة تشى بهذه الفكرة مثل: هل تستطيع يد هالكة منذ عشرين ألف سنة أن تؤذي إنساناً من زماننا؟ وما أعجب أن تحاور أمواتا.
وللحديث بقية
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يواصل الفنان محمد فراج تصوير مشاهد مسلسله «أب ولكن»، المقرر أن يعرض فى رمضان.
يبدأ الفنان إياد نصار، الأسبوع المقبل، تصوير مشاهد مسلسله «الحب والحرب»، بعد الانتهاء من تفاصيله.
بدأ الفنان كريم عفيفى تصوير مشاهد مسلسله «السوق الحرة»، داخل مدينة الإنتاج الإعلامي، وبالتحديد داخل لوكيشن الأكاديمية.
انضمت الفنانة سماح أنور لفريق مسلسل «عرض وطلب»، مع الفنانة سلمى أبو ضيف،