غيَّب الموت عن عالمنا يوم الثلاثاء 14 أكتوبر 2025 المخرج الإيراني المخضرم "ناصر تقوايي" عن عمر يناهز 84 عامًا. تقوايي واحد من أبرز المخرجين في تاريخ السينما الإيرانية، استطاع رغم أعماله القليلة التي لم تتجاوز سوى سبعة أفلام، أن يَخُطَّ اسمه بحروف من نور في سماء الفن السابع.
كانت الممثلة الإيرانية "مرضية وفا مهر"، زوجة تقوايي، قد كتبت عبر حسابها الشخصي على موقع "إنستجرام": ناصر تقوايي الفنان الذي فضَّل العيش بصعوبة حرًا، نال حريته. في إشارة منها إلى رحيله عن دنيانا.
شُيِّع جثمان تقوايي صباح الخميس 16 أكتوبر من أمام المبنى رقم (2) التابع لـ "نقابة المهن السينمائية" بطهران، ووصل محطته الأخيرة إلى مقبرة "إمام زاده طاهر" بمدينة الكرج، حيث واراه الثرى.
حضر مراسم التشييع والدفن آلاف من محبي المخرج المشهور وكبار نجوم ونجمات السينما الإيرانية؛ من بينهم: كتايون رياحي وليلى فرهاد بور –اللتان ظهرتا دون حجاب– سيرُوس ألفند، جوهر خير أنديش، آزيتا حاجيان، سعيد بور صميمي، بهمن فرمان آرا، رَخشان بني اعتماد، حسن بور الشيرازي، علي رضا داوود نیجاد، وغيرهم.
شهدت جنازة تقوايي بعض المشاهد الملفتة للنظر والمثيرة للدهشة؛ كان من أبرزها أن عددًا كبيرًا من الفنانين قد ارتدوا ملابس بيضاء، كما لَبِس الأشخاص الذين حملوا نعش تقوايي بِزَّات بيضاء وربطات عنق فراشية سوداء، وطُرح على النعش وشاحٌ أبيضٌ كبير دُوِّن عليه عبارة: كل شيء لا يتجدد يتقادم..
بالإضافة إلى ذلك؛ تقدم الجنازة رجال يقومون بالنفخ في البوق، وضرب الحجارة والصنج، وقرع الطبول، والتصفيق، ونساء يرفعن أصواتهن بالهلهلة (زغاريد). هذه الأفاعيل لا تُشير إلى البهجة والسعادة كما تبدو، لكنها أحد طقوس "التعازي الحسينية" الرائجة في محافظات إيران الجنوبية بوشهر وهرمزجان وخوزستان (تمركز عرب إيران) حيث مسقط رأس تقوايي في "عبادان".
صوت الصمت المعارض
"لا أود أن أصبح شخصًا محترفًا، ولا أحب أن أكون. أعتقد أن أي شيء قد يحدث لي أفضل من أن أكون محترفًا. سأصنع فيلمًا، وإذا لم تسنح فرصة، فسألتقط صورًا، وإذا لم يتيسر الأمر، فسأكتب، وإذا لم يتسن أي شيء من ذلك، فسأذهب وأنزوي في بيتي أو أقوم بالتدريس"..
هذه بعض من كلمات "ناصر تقوايي"، المخرج، والكاتب، والمصور، والمدرس الإيراني البارز، توضح ما مر به من ظروف صعبة أثرت على مسيرته الفنية بشكل سلبي، فقد عرقلت القيود الشديدة والرقابة المتزمتة خلال فترتي الملكية والجمهورية الإسلامية خططًا ومشاريع عديدة، كان تقوايي ينوي إنجازها، واستغرقت سنوات طويلة من عمره، لكنها لم تر النور مطلقًا.
مع ذلك، لقد استطاع تقوايي منذ حقبة الستينيات حتى وفاته أن يترك أعمالًا مهمةً في مجالات فنية مختلفة؛ الكتابة، والتصوير، والأفلام الوثائقية، والأفلام الروائية الطويلة والقصيرة، والدراما التلفزيونية.
مجموعة كبيرة من الأفلام الوثائقية، سبعة أفلام روائية طويلة، ومسلسل تلفزيوني وحيد؛ أعمال مذيلة بتوقيع تقوايي مثلت تاريخه الفني، قد يراها البعض أعمالًا قليلةً معدودة على أصابع اليد الواحدة، إلا أنها غدت من كلاسيكيات السينما والتلفزيون الإيراني نظرًا لقيمتها الفنية العالية.
حلم الجنوبي
"أُحبُ إيران لأنها وطني، وأحب خوزستان لأنها محافظتي، وأعشق عبادان لأنها مسقط رأسي"..
ولد "ناصر تقوايي" في 13 يوليو 1941 بإحدى قُرى عرب إيران الواقعة نواحي مدينة "عبادان" بمحافظة "خوزستان". تلقى تعاليمه الأولى في مدرسة الرازي الثانوية بعبادان، وتخرج في قسم اللغة الفارسية وآدابها بجامعة طهران.
منذ سنوات الطفولة، سنحت له فرصة التعرف على الفنون والآداب الإيرانية، حيث يقول بنفسه: كنتُ في الصف الثاني الابتدائي، وكان لدينا زميل في الصف يعمل والده بدولة الكويت. لما عاد إلى إيران، أحضر لي جهاز عرض أفلام 8 ملم وعددًا من الأفلام هدية. كانت هذه الأفلام عبارة عن أفلام كوميدية قصيرة؛ مشاهدتها جعلتني أهتم بالسينما.
كما حصل في المرحلة الابتدائية على كاميرا تصوير هدية من معلمه لأنه كان يجيد الرسم، حيث يقول: بدأتُ ألتقط الصور بهذه الكاميرا، ومن بعدها صرتُ مصور الصف الرسمي حتى حصولي على الدبلوم. التصوير لم يكن له قصد فني بالطبع، لكنه جعلني أتعرف على فن التصوير شيئًا فشيئًا. على هذا النحو، شرع تقوايي في التصوير قبل أن يدخل عالم السينما.
تزامنت سنوات صبا تقوايي وشبابه مع حقبتي الخمسينيات والستينيات في إيران؛ وهي سنوات من أثرى الفترات الثقافية والفنية في تاريخ البلاد المعاصر. يقول الناقد السينمائي الإيراني "هوشنج جولمكاني" عن نبوغ تقوايي خلال هذه السنوات: ناصر تقوايي كان واحدًا من شباب ذاك الزمان الذين برزوا من أجواء عبادان الثقافية. بدأ مسيرته في مجال أدب الأكثر انتشارًا وتوافرًا آنذاك، لكنه سرعان ما عرج إلى السينما.
تقوايي وجولیستان
في منتصف الستينيات من أجل الدخول إلى عالم السينما، تعرف تقوايي عن طريق الكاتب الكبير "جلال آل أحمد" إلى المؤلف والمخرج "إبراهيم جوليستان" الذي كان يمتلك أستوديو إنتاج سينمائي، حيث يقول: ذهبتُ إلى جوليستان، وقابلته لأول مرة كمخرج ومنتج سينمائي، وليس كأستاذ وصديق.
كان جوليستان في تلك الفترة يقوم بإخراج فيلم "خِشت و آينه: الآجر والمرآة"، حيث يقول تقوايي: حتى ذلك اليوم، لم أكن قد رأيتُ كاميرا تصوير سينمائية عن قرب. تجربة فريدة أتاحها ليّ صُنَّاع الفيلم الرئيسيين... لقد تعلمتُ أشياءً من صيحات جوليستان أيضًا. إن السينما لا يمكن إتقانها عن مشاهدة الأفلام مطلقًا، لكن يجب تعلمها من المخرجين البارزين.
عندما انتهى تصوير فيلم "الآجر والمرأة"، استأنف تقوايي عمله الأدبي مرة أخرى، وتولى رئاسة تحرير مجلة "فنون وآداب الجنوب: هنر و ادبيات جنوب"، حيث يقول: لقد بدأنا بالمجال الأدبي كلنا. لا تنسوا أن الأدب هو الفن الأم. إن فكركم يتشكل من خلال الأدب ويُدون به".
في صيف ذاك العام "تابستان همان سال"
في عام 1969 صدر كتاب "في صيف ذاك العام: تابستان همان سال" من تأليف تقوايي، وهو مجموعة قصصية متصلة من 8 حكايات تدور أحداثها حول حيوات 8 عمال في ميناء "عبادان" عقب واقعة الإطاحة برئيس الوزراء الليبرالي "محمد مصدق" عام 1953 المعروفة باسم "انقلاب 28 مُرداد".
أهدى تقوايي هذه المجموعة إلى الكاتب والمترجم "صفدر تقي زاده" الذي كان له تأثير كبير في اهتمام تقوايي بالأدب، لكن الكتاب صودر، حيث يقول مؤلفه: حين أدركتُ أنه ليس لدي مستقبل في مجال الأدب، وإذا عُهدت لي الكتابة على ذوقي الخاص، فسأواجه مشكلة دائمًا، توجهت إلى السينما.
الأفلام الوثائقية في التلفزيون الإيراني
عن طريق المخرج الإيراني الكبير "فَرُّخ غفاري"، دخل تقوايي "هيئة الإذاعة والتلفزيون الوطنية الإيرانية"، وشرع في تقديم الأفلام الوثائقية.
يُرجِع نقاد السينما الإيرانية ميل تقوايي إلى إخراج الأفلام الوثائقية إلى التزامه الاجتماعي تجاه الشعب الإيراني، لأنه سعى خلال هذه الأفلام إلى تناول قضايا المجتمع ومشكلاته آنذاك.
يقول تقوايي بنفسه عن جنوحه إلى تقديم الأفلام الوثائقية: إن الأفلام الوثائقية كانت لديها القدرة على تجسيد التجارب التي خُضتُها بشكل أفضل. كنتُ أرى أنه من المؤسف ألا أسجل انطباعاتي عما أراه في نواحي هذه البلاد، وأرجائها بطريقة ما.
أخرج تقوايي أول أفلامه الوثائقية "عداد التاكسي: تاکسیمتر" عام 1967. تناول فيه المشاجرات بين الركاب والسائقين، وتركيب جهاز عداد التاكسي في سيارات الأجرة بطهران.
حلاق الشمس "آرایشگاه آفتاب"، آكلو الخبز الأميون "نانخورهای بیسوادی"، الهاتف "تلفن"، فروغ فَرُّخزاد، رقصة السيف "رقص شمشیر"، سوق الخميس في ميناب "پنجشنبه بازار میناب"، نخل، ريح الجن "باد جن"، اربعین "أربعينية الحسين"، موسيقى الجنوب، بساط مشهد أردَهال "مشهد قالی"؛ كلها أفلام وثائقية أخرجها تقوايي للتلفزيون الإيراني ما بين عامي 1967 و1971.
أبدى تقوايي خلال هذه الأفلام اهتمامًا كبيرًا بالأدب والثقافة الشعبية الإيرانية. على سبيل المثال؛ في فيلم "ريح الجن" ألقى الضوء على طقوس "الزار" الشعبية الشائعة في مدینة "بندر لينجة" بمحافظة "هرمزجان" جنوبي إيران؛ وهي طقوس أفريقية الأصل ترجع نشأتها إلى الحبشة (إثيوبيا)، ثم انتقلت إلى أغلب بلدان الشرق الأوسط، كما استعان بالشاعر الكبير "أحمد شاملو" كمعلق صوتي على أحداث الفيلم.
الأفلام الروائية الطويلة
بعض من نقاد السينما الإيرانية، من بينهم "هوشنج جولمكاني"، يعتبرون تقوايي إلى جانب داريوش مهرجويي ومسعود كيميايي وإبراهيم جوليستان وعليّ حاتمي وغيرهم من رواد تيار الموجة الجديدة "موجه نو" في السينما الإيرانية.
"الموجة الجديدة" تيار سينمائي تزعمه مجموعة من المخرجين مع مطلع الستينيات كنوع من التمرد على تيار "فيلم فارسي" أو "السينما التجارية المبتذلة" القائمة على الإغراق والمبالغات والمصادفات غير المنطقية.
مثل تيار الموجه الجديدة اتجاهين؛ الاتجاه الأول "السينما الذاتية والتجريدية" التي تتناول تجربة المخرجة الشخصية وسيرته الذاتية أو حادثة من حادثات حياته. والاتجاه الثاني "السينما الواقعية" التي تتناول مشكلات المجتمع وقضاياه، وتنهل موضوعاتها من الأعمال الأدبية، وهو الاتجاه المهيمن على السينما الإيرانية حتى الآن، وانتقل منه المخرجون الإيرانيون من التعبير عن الواقع الإيراني إلى التعبير عن الواقع الإنساني.
الهدوء في حضور الآخرين "آرامش در حضور ديگران"
بعد ثلاث سنوات ونصف من العمل في التلفزيون وإخراج عدة أفلام وثائقية، شرع تقوايي في إخراج الأفلام الروائية الطويلة، وكان أول أعماله "الهدوء في حضور الآخرين: آرامش در حضور دیگران" عام 1970.
الفیلم مقتبس عن قصة قصيرة بالاسم نفسه صدرت ضمن المجموعة القصصية "المخاوف المجهولة: واهمههای بینام و نشان" للكاتب الإيراني الشهير "غلام حسين ساعدي" عام 1967، وسيناريو وحوار "تقوايي" وإنتاجه، وبطولة كل من: أکبر مُشکین، ثریا قاسمي، برتو نوري علا، لیلى بهاران، عليّ نراقي.
تدور أحداث الفيلم حول الأيام الأخيرة من حياة عقيد جيش متقاعد (أکبر مُشکین)، يكتشف أن ابنتيه تعيشان حياة منفلتة، فيسقط فريسة لمعاقرة الخمر والهلوسة، ويُودع مصحة نفسية.
استعان تقوايي في أول أفلامه الروائية الطويلة بوجهين أدبيين معروفين، جسَّدا شخصيتيها الحقيقيتين في الواقع، وهما الشاعر والكاتب "محمد عليّ سبانلو"، والشاعر والصحفي "منوتشهر آتشي"، حيث يقول عن هذا الأمر: كنتُ أريد أشخاصًا يتعرف عليهم المشاهد سريعًا، ويتابع حركاتهم بدقة، ومن ثم أخترتُ سبانلو ومنوتشر.
كان تقوايي يعتقد أن "الهدوء في حضور الآخرين" هو الفيلم السياسي الحقيقي الوحيد في السينما الإيرانية، فوفقًا لما يذكره، فإن وزير الفنون والثقافة آنذاك "مِهرداد بَهلبُد" رفض عرض الفيلم، ومنعه عدة سنوات إلى أن عُرض في أبريل 1973، ونال استحسان النقاد والجمهور، لكنه مُنع من العرض لاحقًا بسبب اعتراض نقابة الممرضين.
يرى تقوايي أن فيلما "الهدوء في حضور الآخرين" له و"البقرة: گاو" للمخرج "داريوش مهرجويي" لو كانا عُرضا في وقتهما، لكانا شكَّلا اتجاه جديدًا في السينما الإيرانية.
التحرر "رهايى"
في العام التالي أي في عام 1971، أخرج تقوايي الفيلم القصير "التحرر: رهایی" لصالح "مركز التنمية الفكرية للأطفال واليافعين".
في هذا الفيلم، يستشعر مراهق من خلال حبسه في البيت، إحساس سمكة محبوسة في حوض، كان قد صادها من البحر، فيقرر أن يعيدها إلى البحر مرة أخرى.
كان تقوائي يشعر بالتزام اجتماعي تجاه تحوَّله إلى سينما الطفل، حيث يقول: الاقتراب مما يدور في أذهان الأطفال والبحث عن أية وسيلة لتنمية مداركهم وتوعيتهم هو خطوة أولى نحو بناء مجتمع واعٍ.
صادق الكُردي "صادق كرده"
في عام 1972 أخرج تقوايي ثاني أفلامه الروائية الطويلة "صادق الكُردي: صادق كُرده" من تأليفه، وإنتاج "مهدي ميثاقية"، وبطولة كل من: سعید راد، محمد علي کيشافرز، عزت الله انتظامي، آتش خیر.
تدور أحداث الفيلم حول صادق الكُردي (سعيد راد) الذي يُدِير مقهى بصحبة زوجته (آتش خير). أثناء غيابه، يأتي أحد أصدقائه الذي يعمل سائق شاحنة، ويعتدي على زوجته، ثم يقتلها دون قصد. من أجل أخذ الثأر، يبدأ صادق في قتل سائقي الشاحنات واحدًا تلو الآخر إلى أن يكتشف هوية القاتل الحقيقي.
ظهر هذا الفيلم بعد 3 سنوات من إنتاج الفيلم المشهور والمحبوب لدي أغلب الإيرانيين "قيصر" للمؤلف والمخرج "مسعود كيميايي" الذي تدور أحداثه حول غريزة الانتقام أيضًا، لكن وفقًا لما يذكره "تقوايي" فإن فيلمه لم يحقق نجاح "قيصر"، مع أن فيلمه لا يروي جريمة شرف تقليدية.
حصل تقوايي عن هذا الفيلم على "الجائزة الذهبية" كأفضل مخرج من "مهرجان سپاس السينمائي" خلال دورته الخامسة عام 1973.
اللعنة "نفرين"
في عام 1973، أخرج تقوايي فيلمه الثالث "اللعنة: نفرين"، من تأليفه وإنتاجه، وبطولة كل من: بهروز وثوقي، فخري خورفاش، جمشید مشایخي، محمد تقي کهنمویي
تدور أحداث الفيلم في جزيرة "مينو" حول رجل مختل يعاقر الخمر (جمشيد مشايخي)، تعاني زوجته (فخري خورفاش) من سوء معاملته. يقدم الجزيرة نقاش شاب (بهروز وثوقي) يتولى دهان بيت الزوجين وإصلاحه. تنشأ علاقة حميمة بين الزوجة والنقاش، عندما يكتشف الزوج هذه العلاقة، يقتل النقاش، فتقتله زوجته.
يقول الناقد السينمائي "محمد تهامي نيجاد": في هذا الفيلم، يفصل تقوايي نفسه عن الناس من خلال نظرة تشاؤمية خاصة. موقع الزوجين في الفيلم يشبه جزيرة وسط مجتمع ليس له أية صلة بالعالم الخارجي.
حصل "اللعنة" على "جائزة الفضية" كأفضل فيلم ثان بتصويت الجمهور من مهرجان "سپاس السينمائي" خلال دورته السادسة عام 1974.
الدراما التلفزيونية: دایی جان ناپلئون "العم نابليون العزيز"
بعد ثلاثة أفلام روائية طويلة، اِقتحم تقوايي مجال الدراما التلفزيونية، وأخرج مسلسله الوحيد في التلفزيون الإيراني "العم نابليون العزيز: دايى جان ناپلئون" عام 1976.
المسلسل مقتبس عن رواية للصحفي والكاتب الساخر المعاصر "إيرج بِزشك زاد" بالاسم نفسه، وسيناريو وحوار وإنتاج تقوايي، وبطولة كل من: غُلام حسین نقشینة، بارفیز فني زاده، نصرت الله کریمي، بارفیز صیاد، سعید کَنجَراني، إسماعیل دافر فر، بارفین ملکوتي.
تدور أحداث المسلسل في إطار كوميدي إبان احتلال قوات الحلفاء (الأنجلو – سوفيتية) لإيران في الحرب العالمية الثانية (1939: 1945). الشخصية الرئيسة في المسلسل هو "دايي جان (حسین نقشینة)" ضابط مسن متقاعد، كان عضوًا في لواء "القوزاق" خلال الحرب. يكن إعجابًا بالغًا بشخصية القائد الفرنسي "نابليون بونابرت" Napoleon Bonaparte ويتشبه به شكلًا ومضمونًا، لكن رهابه من الإنجليز يجعله يظن أنهم يطاردونه في كل مكان. خادمه الأمين الوفي "مش قاسم (بارفیز فني زاده)" يشاطره هذه الأوهام أيضًا.
يعتبر "العم العزيز نابليون" نقطة تحول في مسيرة تقوايي الفنية، فقد حقق المسلسل نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، وعَدَّه النقاد واحدًا من أهم الأعمال التلفزيونية في تاريخ الدراما الإيرانية.
يقول الناقد الفني أرمني الأصل "روبرت صافاریان": لقد ساهمت قدرة تقوايي وذكاؤه في اختيار الممثلين في أدوار مناسبة والاستفادة منهم إلى أقصى حد، في نجاح المسلسل بين عموم الشعب الإيراني. بعض حوارات المسلسل نُقلت عن متن الرواية الأدبية مباشرة، مما جعلها تترسخ في أذهان المشاهدين بفضل أداء الممثلين الرائع.
والحقيقة أن تقوايي نفسه كان يتوقع نجاح المسلسل قبلما يقوم بإخراجه، حيث يقول: لقد اِخترتُ رواية (العم نابليون العزيز) لتقديمها في عمل تلفزيوني، لأنها تمس شريحة عريضة من الشعب ولديها القدرة على التواصل معهم.
مع أن تقوايي أظهر براعة كبيرة في إخراج المسلسلات، إلا أنه لم يتمكن من مواصلة العمل في هذا المجال قبل الثورة الإيرانية وبعدها.
مسلسلات لم تكتمل
خلال السنوات الأخيرة من العصر البهلوي، كان تقوايي ينوي إخراج مسلسل "زوج آهو هانم: شوهر آهو خانم" استنادًا إلى رواية شهيرة تحمل الاسم نفسه للكاتب الإيراني "محمد علي الأفغاني"، لكن لم يتسن له ذلك.
"رواة القصص: داستانسرایان"، مسلسل آخر مكون من 12 حلقة منفصلة لم يُكتب له الظهور. كان تقوايي يود تقديم قصة في كل حلقة من توقيع أديب إيراني بارز؛ بدءًا من "صادق هدايت" حتى "محمود دولت آبادي". وفقًا لما يذكره تقوايي في هذا الصدد: بعض من هؤلاء الكتاب كانت لديهم مشاكل سياسية مع النظام، مما جعل تقديم هذا العمل أمرًا عسيرًا. لم أكن مستعدًا أن أتناول تاريخ الأدب الإيراني دون ذكر "بُزُرج علوي" و"جلال آل أحمد" اللذين كانا أساس هذا المسلسل، وقد رفضتهما الرقابة.
بسبب نجاح تقوايي الكبير في الدراما التلفزيونية، أُوكلت إليه في أوائل الثمانينيات عقب الثورة الإيرانية، مهمة إخراج مسلسل "كوتشك رجل الغابة: کوچک جنگلی". كتب تقوايي سيناريو هذا العمل مستندًا إلى كتاب "رجل من الغابة: مردى از جنگل " للكاتب والمؤرخ "أحمد أحرار"، لكن في منتصف المشروع، اُستبعد تقوايي، وحل محله المخرج "بِهروز أفخمي".
في مارس 2023، نشر تقوايي سيناريو المسلسل في ثلاثة مجلدات عن دار نشر "مس"، ودوَّن مقدمه الكتاب النقاد السياسي "حميد دَبَّاشي". كان تقوايي قد كتب السيناريو ما بين عامي 1981 و1983، وبلغت عدد ساعاته 16 ساعة، بينما بلغت عدد ساعات نسخة أفخمي 6 ساعات فقط.
المسلسل يروي "انتفاضة الغابات: نهضت جنگل (1915: 1921)" التي تزعمها المناضل القومي اليساري "ميرزا كوتشك خان الجنجلي" في عهد "أحمد شاه القاجاري"، آخر ملوك الأسرة القاجارية، ضد الحكومة الإيرانية وخنوعها إلى القوى الأجنبية (الإنجليزية والروسية) إبان الحرب العالمية الأولى (1914: 1918).
لُقب "ميرزا كوتشك خان" باسم "جنجلي" أي "رجل الغابة" نسبة إلى غابات محافظة "جيلان" الواقعة شمالي إيران التي اتخذها كوتشك خان مقر انتفاضته وجيشه.
العودة إلى السينما: القبطان خورشيد "ناخُدا خورشيد"
مشاريع تقوايي الدرامية التي لم يُكتب لها رؤية النور، جعلته يعود إلى السينما مرة أخرى، حيث قدم عام 1987 فيلم "ناخدا خورشيد: القبطان خورشيد" من تأليفه وإخراجه، وإنتاج "محمد علي سلطان زاده"، وبطولة كل من: داریوش أرجمند، عليّ نصيريان، سعید بور صمیمي، بَرفانة معصومي، فتح علي أوفیسي
قصة الفيلم مستوحاة عن رواية "أن تملك أو لا تملك" To Have and Have Not للكاتب الأمريكي "إرنست همنجواي" Ernest r Hemingway.
تدور أحداث الفيلم في حقبة الستينيات في أجواء مُثخنة بالسياسة، حول القبطان "خورشيد (داريوش أرجمند)" الذي يقوم بتهريب مجموعة من المجرمين خارج البلاد.
يذكر الكاتب الإيراني "قاضي ربيحاوي" أن فيلم "القبطان خورشيد" يجبرنا على النظر من نافذة إلى قطعة من الأرض مهجورة وجافة وبائسة، يثقل هواؤها أنفاس الإنسان.
رُشح الفيلم إلى نيل عدد كبير من الجوائز المحلية والعالمية وحصد بعضًا منها، كان من أبرزها: جائزة "الفهد البرونزي" كأفضل فيلم من "مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي" خلال دورته الحادية والأربعين عام 1988، وجائزة "السيمُرغ البلورية" أفضل ممثل دور أول للفنان "داريوش أرجمند" من "مهرجان فجر السينمائي الدولي" خلال دورته الخامسة عام 1987.
يا إيران "اى ايران"
في عام 1989، قدم تقوايي فيلم "يا إيران: اى ايران" من تأليفه وإخراجه وإنتاجه، وبطولة كل من: أکبر عبدي، حسین سرشار، حمید جبلي، غلام حسین نقشینة، محمد فارشوتشي، ثُریا حکمت.
الفيلم ينتمي إلى سينما الكوميديا السوداء، حيث تدور أحداثه في إطار سياسي ساخر حول الأيام الأخيرة من عهد الشاه "محمد رضا بهلوي".
يقول تقوايي عن هذا الفيلم: "يا إيران" يُعتبر نهاية مرحلة وبداية مرحلة أخرى في مسيرتي الفنية، فقد سئمتُ من تقديم القوالب النمطية، وكنتُ أريد تقديم عمل جديد.
حكايات جزيرة كيش "قصههاى كيش"
بعد عشر سنوات من العزوف عن العمل، شارك تقوايي عام 1999 في إخراج فيلم "حكايات جزيرة كيش: قصههاى كيش" بالتعاون مع المخرجين "محسن مخملباف" و"أبو الفضل جليلي".
يُعد هذا الفيلم أول عمل سينمائي في إيران يتولى إخراجه ثلاثة مخرجين كبار، وهو عبارة عن ثلاث حكايات منفصلة. الحكاية الأولى بعنوان "السفينة اليونانية: کشتی یونانی" من إخراج "تقوايي"، والحكاية الثانية بعنوان "الوصية: سفارش" من إخراج "أبو الفضل جليلي"، والحكاية الثالثة بعنوان "الباب: در" من إخراج "محسن مخملباف".
رُشح الفيلم لنيل جائزة "السعفة الذهبية" من "مهرجان كان السينمائي الدولي" خلال دورته الثانية والخمسين، لكنه لم ينجح في الحصول عليها.
يقول تقوايي عن أسباب ابتعاده عن السينما: إنني أقدم أفلامًا حينما أستطيع إخراج فيلمي الخاص، فليس لدي أي دافع آخر كي أقدم فيلمًا. لا يمكن أن أخرج فيلمًا وشخص يود العبث به.
كاعذ بىخط "أوراق بلا سطور"
بعد وقف السيناريو في الرقابة لمدة 18 سنة، نجح تقوايي في عرض فيلم "أوراق بلا سطور: كاغذ بىخط" عام 2002، وهو من إنتاج "حسن توكل نيا"، وبطولة خسرو شكيبايي وهدية طهراني. كان تقوايي قد صاغ سيناريو الفيلم بنفسه بناءً على فكرة طرحتها المؤلفة "مينو فرشتشي".
تدور أحداث الفيلم حول الزوجين "جيهانجير ورؤيا (خسرو شكيبايي وهدية طهراني)". يعيشان حياة روتينية ورتيبة، لكن حين يقرأ الزوج مذكرات زوجته المدونة في إطار قصة تروي فيها أحداثًا من حياتها، ينتهج نهجًا جديدًا في علاقتهما.
في عام 2008، قدم الكاتب والمخرج الإيراني "شاهد أحمد لو" فيلمًا وثائقيًا عن "هذا الفيلم تحت عنوان "بعد الصمت: پس از سکوت"، ألقى فيه الضوء على كواليس فيلم تقوايي، وكيفية تصويره.
رُشح "أوراق بلا سطور" لنيل الجوائز الأولى من مختلف أقسام "مهرجان فجر السينمائي الدولي" خلال دورته العشرين، وفي النهاية منحته لجنة التحكيم جائزتها الخاصة "السيمرغ البلورية"، لكن تقوايي رفض استلامها اعتراضًا على .
يُعتبر "أوراق بلا سطور" آخر أعمال تقوايي على الشاشة الفضية، ويرى النقاد الإيرانيون أنه يبرز براعة تقوايي في سرد قصة درامية في زمان ومكان محددين.
الشاي المُر "چای تلخ"
في عام ۲۰۰۳ شرع تقوايي في تصوير فيلم "الشاي المُر: چای تلخ" بخوزستان بناءً على سيناريو كتبه بنفسه، يتناول موضوع الحرب العراقية الإيرانية. إلا أن القيود غير المعلنة في مجال تقديم أفلام الحرب حالت دون إكمال الفيلم، حيث يقول: يبدو أن (الحرب الإيرانية العراقية) منصة تخص مجموعة من الأشخاص؛ هم وحدهم من يستطيعون تقديم أفلام في هذا المجال، في حين أن هذه الحرب كانت في موطني (خوزستان)، فقد وُلدتُ هناك.
السنوات الأخيرة: الاعتراض على الرقابة والعودة إلى التصوير
خلال السنوات الأخيرة من حياته، عاد تقوايي إلى الأدب والتصوير الفوتوغرافي مرة أخرى، حيث بدأ رحلته في عالم الفن منذ الطفولة.
في عام ٢٠١٣، أقيم معرض تصوير فوتوغرافي فردي له في "جاليري نظرة: گالیری نِگاه" بطهران، حيث يقول: إن التصوير أسرع الفنون اتصالًا بالواقع وأكثرها تشابهًا معه، وعندما يتحول إلى فن يتجاوز الواقع.
في تلك الفترة، ارتفعت نبرة تقوايي النقدية على الرقابة في جميع المجالات الثقافية والفنية خاصة الأدب والسينما، حيث يقول: يعتقدون أحيانًا أن الفن يزدهر في عهد الرقابة ويسمو، ويذكرون روسيا في عصر ستالين Stalin. يتحدثون عن "بوريس باسترناك" Boris Pasternak وغيره من الأدباء، لكنهم لا يفكرون في مدى عجز هؤلاء الأدباء عن الكتابة. كانت روسيا أرض الأدب قبل ستالين، ولكن ماذا فعلوا بالكُتاب بعد ذلك؟"
ويقول في موضع آخر: أنا والعديد من زملائي لم نتمكن من تقديم أفلام طيلة سنوات. لماذا؟ أليس هذا الأمر عارًا؟ لماذا لم يقدم أي مسؤول خلال هذه السنوات اعتذرًا من موقع مسؤوليته؟ هل كان من المفترض أن يوصلنا المسار الذي حددوه من أجل النهوض بالسينما إلى ما نحن عليه الآن؟
تكريمات عن المسيرة الفنية
تلقى تقوايي تكريمات عن مسيرته الفنية من جهات رفيعة ومهرجانات مرموقة داخل إيران؛ ففي عام 2004 منحه "مجلس تقييم الفنانين" بوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي "الدبلومة الفنية" من الدرجة الأولى.
كما نال "جائزة الاستحقاق" عن مجمل إنجازه الفني من "المهرجان القومي للسينما الإيرانية" خلال دورته الثالثة عشرة عام 2009، وحصل كذلك على "درع إيسفا (منشور كوروش)" خلال الدورة الثانية من "جوائز أكاديمية الأفلام القصيرة الإيرانية" عام 2010، وحصل أيضًا على "الشارة الفيروزية (حامل الكرة الزرقاء)" عن مجمل أعماله الفنية من "مهرجان إيران الدولي للأفلام الوثائقية (سينما الواقع)" خلال دورته السابعة عام 2013.
يقول تقوايي عن مسيرته الفنية: في أعمالي ليس هناك طيب أو شرير، بل يوجد أشخاص يعيشون حيواتهم، فأنا لا أنحاز إلى شخصيات أفلامي، لأن هذا الأمر يجعل المشاهد بليدًا. أنتم من يصدر الأحكام على الشخصيات، فأنا لا شأن لي بذلك.
قبل وفاة تقوايي بسنوات قليلة، قبع في بيته بسبب مشاكل صحية، وكان تواصله مع الوسط السينمائي محدودًا جدًا إلى أن أعلنت زوجته "مرضية وفا مهر" خبر وفاته يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2025.
رحيل "ناصر تقوايي" أحدث صدمة كبيرة في الوسط الفني الإيراني كونه واحدًا من رواد الموجة الجديدة في السينما الإيرانية وأبرز مخرجيها. صخبٌ ولغطٌ وحزنٌ من نوع آخر صاحب رحيل رَجُلٍ فَضَّل الصمت اعتراضًا وجود الآخرين!!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...