في الألفية الثالثة قدم المسرح المصرى لكرم النجار نصين، الأول عرفت من خلال أوراقه أنه كتبه في مطلع سبعينيات القرن الماضي،
أو على الأقل كتب فكرة أو مسودة هذا النص في تلك الفترة ثم اكتمل فيما بعد، وهو «أولاد الغضب والحب»، الذي لم يتم تقديمه على خشبة المسرح إلا عام 2001، ثم مرة ثانية عام 2006.. وأذكر أنني شاهدت العرضين من إخراج ناصر عبد المنعم.... والمسرحية الثانية «يا غولة عينك حمراء التي قدمها مسرح التليفزيون عام 2005.. وكلا النصين يعالج قضايا سياسية مباشرة.
خرج كرم النجار من الكلام بالأمثلة، ولم بعد مضطراً للاختباء خلف القناع أو الحصان أو البرواز أو الجائزة، ولم يعد ينظر إلى العالم من خلال حساسية الفنان وانفعالاته، وتخلى عن الرؤى الذاتية. وراح يعرض شخصيات تحتج وتثور وتطالب بحقوقها بشكل مباشر وصريح . لكنه ظل مغرماً بتقديم شخصيات مركبة ولا تخلو من الالتباس... شخصيات يمكن قراءتها بمستويات متعددة حتى وإن كان خطابها مباشرا ولم تكن هذه النصوص تنتمى إلى الواقعية في صورتها التقليدية في محاولة لإعادة تمثيل الواقع وتصوير حقيقة ما نفسية أو اجتماعية بشكل موضوعي بل الواقعية الجديدة التي تقوم على اختيار مواضيع من الحياة اليومية، وعلى استخدام الحوار القريب من اللغة المحكية، وربط النصوص المسرحية بالواقع السياسي والاجتماعي المحلي، وطرح قضايا تهم المتفرج وفي هذين النصين طرح كرم التجار في أولاد الغضب والحب، صرخة الجيل الجديد، وفي المسرحية الثانية صرحة إلى الأمة العربية لتحذيرها من أمريكا. ورغم أنه تناول قضية أنية في أولاد الغضب والحب ترتبط بالواقع السياسي والاجتماعي المحلى طارحا قضية لهم المشاهد، فإنه في هذا النص المكتوب وليس العرض لم يتخل عن سمات المذهب التعبيري في المسرح ممثلة في التركيز على الصراع بين الفرد والمجتمع والاستغناء عن الحبكة التقليدية، وتفتيت الحدث إلى مشاهد منفصلة تعبر عن مراحل تطور الشخصيات واستخدام اللغة استخداماً الفعالياً مبالغاً.
من رواد الدراما التليفزيونية
لا يمكن إغفال دور كرم النجار ككاتب للدراما التليفزيونية، وأيضا تأثيرها على نصوصه المسرحية والعكس، فهو من رواد كتاب الدراما التليفزيونية، إذ بدأ مبكرا بعد افتتاح التليفزيون بأربع سنوات، حيث بدأ البث الأول للتليفزيون المصرى عام 1960، وقدم هو أول أعماله عام 1964، أي أنه بدأ تقريبا العمل مع نشأة التليفزيون، وقدم مجموعة من السهرات التليفزيونية وصلت إلى ١٩ تمثيلية، منها ظلال الببغاء أصيلة غموض، فراغ، وكلها من إخراج أحمد طنطاوي، ولعبت الفنانة سميحة أيوب دور البطولة في تمثيلية غموض». أما المثيلية أصيلة» التي كتبها كرم النجار التليفزيون عن مسرحية الكاتب الإسباني فريدريكو جارتيا لوركا بيت برناردا آلباء فلعبت دور البطولة فيها الفنانة أمينة رزق مع إحسان القلعاوي، كما كتب السيناريو والحوار القصة كتبها أسامة أنور عكاشة عنوانها «الراجل، وقدمها للتليفزيون تحت عنوان «الإنسان والجبل من بطولة محمود ياسين، بالإضافة إلى تمثيليتين الحفرة وعجيبة»، وكلاهما آثارا جدلاً نقدياً كبيرا وقدم سهرات أخرى، مثل بؤرة نور» بطولة فاروق الفيشاوي وإخراج علية ياسين، وأيضا أحلام فقراء لكن أغنياء، التي حصلت على جائزة مهرجان الإذاعة والتليفزيون في دورته الأولى بالإضافة إلى سهرة السينما الجميلة وحصلت أيضا على جائزة من المهرجان نفسه. ومن السهرات المتميزة التي قدمها أيضا ثمن الخوف. التي قال عنها جميل راتب عندما قرأت تص هذا العمل سعدت جدا للرؤية التي يطرحها هذا الكاتب وللتناول الجديد الذي سأقدمه على الشاشة الصغيرة من خلال دور الميكانيكي المثقف الواعي وابن البلد أيضا، ذلك رغم أنني قدمت العديد من الأدوار في المسرح الفرنسي والمصري في السينما والتليفزيون، إلا انني لم اقدم دورا من هذه النوعية من قبل... وظني أن هذه النظرة السريعة على عناوين السهرات الدرامية وأبطالها تشير أيضا إلى الخبرة التي اكتسبها كرم النجار من عمله مجموعة كبيرة من نجوم ورواد التمثيل في مطلع حياته، بل وتشير إلى دورة الريادي في تأسيس هذه الفن الوليد وجسد من خلال سهرات تليفزيونية مثل الحفرة وعجيبة، ليس فقط قضايا المجتمع، بل وخفايا النفس البشرية التي كانت شغله الشاغل في كل أعماله، وقضايا أخرى مثل الحق والعدل والمحبة والتسامحمؤكداً انحيازه إلى المذهب التعبيري الذي أطلق صيحة تدعو إلى تصالح البشر وإلى قيم اجتماعية جديدة تقوم على المحبة.
وايضا مسرحيات تحاول معالجة قضايا استغلال العمال وسيطرة رأس المال على الفرد وتحكم الآلة في حياة الإنسان، وقد نقل كرم النجار هذه الأفكار من المسرحإلى الدراما التليفزيونية.
قبطي يكتب «محمد رسول الله».
كان أحد أسباب شهرة كرم النجار من خلال مسلسل محمد رسول اللغه الذي عرضه التليفزيون عام 1968 عن مسرحية لتوفيق الحكيم تحمل العنوان نفسه، حيث تم تكليفه بكتابة أول جزء في مجموعة المسلسلات التي حملت الاسم ذاته، وكان هذا المسلسل دون شك نقطة تحول في حياته وتجربة مثيرة وظني أن طالب كلية الحقوق الذي درس القانون والشريعة وعمل كعضو بالإدارة العامة للمباحث الجنائية، بالإضافة إلى إيمانه العميق بقيم المحبة والتسامحوانحيازه للقضايا الإنسانية في أعماله. لم يكن غريباً عليه أن يكتب سيناريو وحوار مسلسل عنوانه محمد رسول الله... ويحكى كرم النجار عن ظروف
كتابة هذا المسلسل قائلاً كلفتي رئيس
البرامج في التليفزيون في ذلك الوقت الإعلامي القدير سعد لبيب بكتابة هذا العمل بسبب انتقادي الظهور المسلمين بشكل تقليدي في الأعمال الدينية التي أخرجها أحمد طنطاوي، لكن كيف وهو يعلم أنني مسيحي الديانة؟ نعم ليس لدى شعور بالخوف من حساسية الموقف. وأيضا وجدت دعماً منه ومن الممثلين خاصة الفنان جلال الشرقاوي، وذكر بعد سنوات طويلة في حوار تليفزيوني أنه حين طلب منه سعد لبيب كتابة المسلسل كانت مفاجأة ولم يستطع الرد وقال إنه يريد مهلة كي يسأل والده، عاد كرم النجار إلى المحلة ليسأل الأب الذي سأله بدوره سؤالاً صعباً مغزاه هل تستطيع القيام بهذا العمل دون اخطاء؟ فأجاب بأنه يستطيع، وكان هذا العمل نقطة تحول في حياته، ليس فقط لأنه القدم نموذجا للوحدة الوطنية، بل لأنه قدم نموذجا للكاتب الذي ينتمى إلى موهبته وإلى مهنة الكتابة، وفي مناسبات عديدة فيما بعد. تحدث كرم النجار كثيراً عن طفولته في المحلة الكبرى، عن أسرته التي لم تمنعه من المشاركة مع أقرانه من المسلمين في احتفالات شهر رمضان، حيث كان يحمل فانومه مثلهم ويشاركهم في تزيين الشوارع ويفرح معهم في أيام العيد، وهم أيضا يشاركونه في الأعياد المسيحية. وحكى أيضاً عن ليلة الرؤية التي تسبق شهر رمضان حين يخرج الناس في مجموعات كبيرة يسمونها كوكب الرؤية تطوف مدينة المحلة وخلفها الأطفال والكبان وتضم جميع من في المدينة من مسلمين وأقباط، وكان كل صاحب حرفة يضع نموذجا يجسد حرفته على عربة كارو ويطوف المدينة مشاركة في الموكب، وهو يحتفل باستقبال الشهر الكريم، حيث تفتح وعيه على هذه الاحتفالات التي رسخت بداخله مفهوم الوحدة الوطنية ليقول بعد ذلك إن شهر رمضان بالنسبة له مناسبة قومية وليست دينية، وبعد سنوات حين زاد التعصب وانتشر دعاة الفتنة بين المصريين في فترة سوداء من حياة هذا الوطن قال: لم أترب على التعصب، وما تراه هذه الأيام الغرض منه تكسير الفكرة الراسخة عن أن المصريين يعيشون حياة واحدة. وما نعيشه هو مرحلة إرهاب يعتدى على المسلمين والمسيحيين بغرض خلق فرقة بينهم !
صراخ الصامتين وتوظيف الأموال
لم تكن السينما من أولويات كرم النجار الذي اعتبر أن المسرح بالنسبة له الفن الأم، وكان من الجيل الأول المتخصص في الكتابة للتليفزيون حيث انحاز له في مشواره الدرامي، وذهب إلى السينما مطلع التسعينيات حين أقنعة المخرج عبد اللطيف زكي أن يكتب للشاشة الذهبية، ورغم أن الفيلم الأول في ترتيب العرض صراع الأحفاده الذي كان قد وضع فكرته في مسلسل درامي عام 197، وناقش من خلال قضية شغلت المجتمع المصري، وهي توظيف الأموال وشاءت الصدفة أن يتم عرض الفيلم مع تصفية هذه الشركات حين أدركت الحكومة خطرها على المجتمع، وكانت هذه الفكرة البنية السطحية للحكاية، أما البنية العميقة فتناولت سؤالا مهما مغزاه أيهم يحقق العظمة الإنسانية في أبهى صورها، هل هو المال أم القوة البدنية. أم العقل والفيلم ينتصر للتكامل بين العناصر الثلاثة، وكان فيلم «الصرخة» بطولة وإنتاج نور الشريف الأول في ترتيب الكتابة كعمل سينمائي، وتم عرضه عام 1991، وطرح من خلاله قضية الصم والبكم وجعلها كرم التجار من خلال الفيلم قضية رأي عام، ودون شك احتاجت هذه القضية إلى معالجة خاصة ودقيقة اعتمدت على وعى وحرفية الكاتب الذي احتاج بدوره إلى لغتين للتواصل في هذا الفيلم، لغة الإشارة ولغة الحوار الكلامي، واستطاع أن يضع هائين اللغتين في نسیج درامی واحد غير متنافر وقدمت له السينما أيضا فيلم الرياح قادمة بطولة يسرا وجميل راتب وإخراج رضا النجار وحصل الفيلم على العديد من الجوائز، ووصف بأنه اول در اما عربية تتناول الإشعاع النووى، بالإضافة إلى فيلم خضرة في الهواء وتقريبا لم يتم إنتاجه، وكانت الحصيلة ثلاثة أفلام تم إنتاجها، وسيناريو ما زال أبطاله بين الأوراق
دراما تحارب الظلم الاجتماعي
وأنا أتأمل رحلة كرم النجار مع الدراما توقفت أمام نجاحه في المسرح، وعلى الرغم من هذا النجاح ذهبت أقدامه إلى الدراما التليفزيونية، في زمن ازدهار المسرح ورواجه بين الجماهين ففي حلية الستينيات كانت للمسرح الكلمة العليا بين الفنون ، كان الأكثر تأثيرا في الجمهور ومع هذا انجاز كرم التجار في تلك المرحلة إلى الدراما التليفزيونية، وظني أنها كانت في إحدى جوانبها جرأة ومغامرة، لكنها مغامرة محسوبة قوامها الدراسة العلمية حين اتجه الدراسة السيناريو والتطلع إلى الفن الوليد من خلال الشاشة الصغيرة. ومن ناحية أخرى، وهذا ما يمكن استنتاجه من أعماله المسرحية الأولى. ابتعد عن معارك المسرح المصري في تلك المرحلة سواء الفنية أو السياسية. ولجأ كما ذكرت إلى المسرح التعبيري في سياق مشروعه الدرامي الذي اعتمد على قضايا الإنسان دون الانتماء إلى مقولات سياسية وأيديولوجية مباشرة.
نعم لا تخلو أعماله من السياسة وهذا أمر طبيعي، لكنه لم يشتبك مع الواقع السياسي مثل أبناء جيله، الاشتباك الذي وصل إلى حد الصدام واعتقال البعض من المسرحيين، وهذا لا يعني هروبا أو ابتعادا عن المواجهة، لكنه اختار ما يناسب مشروعه الفكري، والانحياز إلى التعبيرية حتى دون أن يصرح بهذا هو انحياز إلى حركة روحية وليست سياسية، كانت تهدف إلى إعادة تشكيل الإنسان والمجتمع دون التقييد ببرنامج عمل سیاسی محدد أو أية أيديولوجيات بعينها، وهذا ما انحاز إليه كرم النجان الدعوة إلى تصالح البشر والانتماء إلى قيم اجتماعية جديدة تقوم على المحبة. وهذا ما تجلى واضحا في أعماله من خلال خلط الواقع بالرمز والحلم والأسطورة واستخدام اللغة استخدامها الفعاليا مبالقا فيه أحيانا، ومونودراما الحصان كانت نموذجا واضحا، وأيضا مسرحية الجائزة، بالإضافة إلى أعمال تليفزيونية مثل الحفرة وعجيبة، فإذا كان كرم النجار لم يصطدم بالواقع السياسي فإنه التزم بالنقد الاجتماعي بالفعل والقول من خلال شخصياته الدرامية التي حملت هذا المعنى، بالإضافة إلى محاربة ظواهر الفقر والفساد والظلم الاجتماعي.
ويبقى أن كرم النجار الذي عمل في بداية حياته في وظيفة دراما تورج المسرح الغنائي بالانتداب الممارسة هذه الوظيفة في مسرحية دنيا البيانولاء إخراج كرم مطاوع، ثم مارس هذه المهنة في مسرحالطليعة والبيت الفني للمسرح بشكل عام والذي كان معروفا في ذلك الوقت بهيئة المسرح وقام بتعصير مسرحية الخادمات للفرنسي جان جينيه التي قدمها المخرج العراقي جواد الأسدى على مسرح الهناجر عام 1995، وكان يتمتع ببراعة شديدة في حرفة الكتابة المسرحية، وبدا هذا واضحا في أعماله التي جسدت خبايا النفس الإنسانية في أعماله الأولى خاصة التي اعتمدت على ابراز فعل التنكر عند الإنسان.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...