المواطن المصرى كرم النجار 1- 2 رحلة مع أقنعة الدراما بعيداً عن السياسة

ينتمى كرم النجار «22 مايو 1941 - 16 أكتوبر 2021»، بحكم مولده وبداية عمله الاحترافى بالمسرح نهاية الستينات من القرن الماضى، إلى الجيل التالى لجيل الستينات،

 هذا الجيل الذى بدأ مشواره المسرحى بالمصادرات والمناوشات بين المؤسسة الرسمية والمسرحيين فى مطلع السبعينات، بالإضافة إلى تأثير نكسة 1967 على هذا الجيل والأجيال التالية، وظنى أن هذا المناخ دفعه للجوء إلى المذهب التعبيرى، «التعبيرية كحركة روحية لا سياسية تهدف إلى إعادة تشكيل الإنسان والمجتمع دون التقيد ببرنامج عمل سياسى محدد أو أيديولوجيا بعينها» وهذا ما فعله من خلال أعماله الدرامية فى كل أشكالها على مدى ما يقرب من نصف قرن «المسرح - الدراما التليفزيونية - السينما - الإذاعة» وبنظرة عامة إلى أعماله وخاصة المسرحية

سنجد أنه لم يبتعد عن الواقع بل ابتعد عن المحاكاة التقليدية ومحاولة تصوير الواقع واختار التعبير عن المشاعر الذاتية فى تناقضاتها وصراعها، حيث جاءت الرؤى الذاتية والحالات النفسية فى أحيان كثيرة الموضوع الرئيسى فى أعماله المسرحية وهذا الملمح من صميم المذهب التعبيرى، وتجلى هذا واضحاً فى أعمال مثل «الحصان، الجائزة، البرواز، القناع» وفى أعمال تليفزيونية مثل «الحفرة وعجيبة» والذى وصل فى مونودراما «الحصان» إلى حد الذاتية المفرطة من خلال شخصية «أميمة القناوى» فثمة واقع مشوه يتم تجسيده فى هذه الأعمال من خلال نظرة كاريكاتورية ليس الغرض منها الضحك أو الفكاهة، ولكن تجسيد عيوب المجتمع لدرجة المبالغة فى بعض الأحيان.. فالمهم صدق التعبير مهما كان يجسد قبحاً أو يقدم واقعاً مشوهاً، وهو ما اعتمد عليه أصحاب المذهب التعبيرى، وانحاز إليه كرم النجار.

 دراما بعيداً عن السياسة

ابتعد عن السياسية بشكلها المباشر فى بداية حياته، من خلال انتمائه إلى هذا المذهب الذى لا يقترب أصحابه من السياسية «فالدراما التعبيرية التى نادت بأولوية الروح على المادة كردة فعل على النزعة التى أدت إلى سيطرة المادة والآلة على الروح والإنسان» تتجلى بوضوح فى هذه الشخصيات؛ أميمة القناوى فى مونودراما «الحصان» وألطاف المحلاوى فى «الحفرة» والشاعر العامل فى السهرة التليفزيونية «عجيبة» على سبيل المثال.. ناهيك عن الصراع بين الفرد والمجتمع الذى يتجلى واضحاً فى بناء هذه الشخصيات، صراع أميمة فى مواجهة فساد المؤسسة والواقع، وأيضاً تصدى ألطاف المحلاوى لمواجهة الرأسمالية المتوحشة، وصراع الشاعر البائس مع سلطة المؤسسة / المصنع.. شخصيات تتمزق بين التناقضات التى يفرضها الواقع، وتعيش فى عالم متناقض، فتأثير هزيمة 67 وهزيمة الحلم، مع تراجع القيم الإنسانية التى تخلفها الحروب كان لها الأثر الأكبر فى انحياز كرم النجار إلى أفكار التعبيريين، وظنى أنه كان يحتاج إلى مراجعة واقع خنقته الأزمات الروحية والمادية التى استشرت فى أعقاب الهزيمة كما حدث فى أوروبا عقب الحرب الأولى، كان من الطبيعى أن نجد الشاب كرم النجار يكتب فى ستينات القرن الماضى نصوصاً أقرب إلى التعبيرية، تجاوزها فيما بعد كما تجاوز كتّاب التعبيرية الأوائل هذه المرحلة ولكن ظلت أعماله الأولى تحمل ملامح التعبيرية، وهذا ما فسر لى ابتعاد كرم النجار عن المشهد المسرحى، وعن آراء نقاد الستينات، الذين وضعوا كتاب هذا الجيل والجيل التالى فى تصنيفات أيديولوجية وفنية، لم يكن من بينها هذا الكاتب ليس لانحيازه للدراما التليفزيونية، ولكن لانحيازه للمشاعر الذاتية والحالات النفسية للشخصيات التى لم تأخذ طابعاً سياسياً وهو ما كان رائجاً فى تلك الفترة، وأيضاً لم يأخذ طابعاً كوميدياً يثير مشاعر الجماهير، بل اهتم فقط بصدق التعبير.

أولى المسرحيات التى كتبها كرم النجار بعد تخرجه عام 1964 وقدمها إلى مسرح الحكيم وتقريبا لم تحظَ باهتمام القائمين على المسرح فى ذلك الوقت، اختارها بعد سنوات محمد توفيق لتقديمها مع فرقة الشرقية مسرحية «البرواز أو سبعة فى مصيدة» وتدور الفكرة حول مجموعة من الشخصيات يجبرها المطر الشديد على البقاء معاً ليلة كاملة بلا أمل فى الإنقاذ فتتفجر حقائبهم، وتنفجر حكاياتهم حيث تقوم الحبكة الأساسية فى هذا البرواز حول مجموعة من الشخصيات التى تبدو متناقضة «عسكرى، أستاذ جامعى، رسام، قاتل مأجور، ساعى، فلاح ووالدته» وشخصية مجهولة أقرب إلى ضمير الكاتب الذى وضع على لسانها أفكاره أو قُل حقيقة هذه النماذج البشرية التى تختفى خلف براويزها، فقد توحد الكاتب مع هذه الشخصية الغامضة وهى من ملامح التعبيرية الأساسية، وقد جسد شخصياته التى تُظهر عكس ما تُبطن، وتعيش فى بروازها الذى هو بمثابة سجن للشخصية وهذه هى الفكرة الأساسية التى يدور حولها العرض، ومن خلال الأحداث والحوار ينزع المؤلف هذه البراويز عن الشخصيات وتظهر على حقيقتها، حيث تتساءل الشخصية الغامضة وهى القوة الفاعلة التى تحرك الأحداث، هل يملك أحد من هذه الشخصيات أن يتخلى عن البرواز؟ حين يتساءل المؤلف من خلال هذا النص عما إذا كان هذا البرواز عقبة أم ضرورة لكل شخصية فى الحياة أو بمعنى أدق هل يعيش الإنسان على طبيعته دون برواز أى دون مكياج أو نفاق أم يلجأ إلى التحايل؟

 لعبة الأقنعة

فى العام التالى استبدل كرم النجار البرواز بالقناع من خلال مسرحية تحمل نفس الاسم «القناع 1969» و«رقصة القرد» كتبها عقب نكسة 67 وتلقفتها الثقافة الجماهيرية وعرضت فى تسعة مواقع؛ فرقة المنصورة إخراج محمد فاضل - فرقة دمياط إخراج عباس أحمد- المنصورة النموذجية إخراج الفنان نور الشريف.

وفى تلك المرحلة التى تلت النكسة كتب مسرحية «الامتحان» هذه المسرحية قام بإخراجها بعد سنوات تقريباً عام 1974 المؤلف كرم النجار فى تجربة لم تتكرر كثيراً، واختتم هذه المرحلة بمسرحية أو على الأقل فكرة مسرحية لم تكتمل ولم يتم عرضها إلا بعد ثلاثين عاماً وهى مسرحية «أولاد الغضب والحب» ثم كتب مسرحيتين «الحفرة، والحب على طريقة الكتب» قبل أن يكتب أهم نصوصه المسرحية مونودراما «الحصان» ومسرحية «الحفرة» التى تحولت إلى سهرة تليفزيونية فيما بعد بطولة الفنانة سناء جميل والفنان جميل راتب والتى تدور أحداثها حول طفل ابتلعته حفرة، وتتصدى السيدة ألطاف المحلاوى مدير الشئون القانونية لهذه القضية وتحولها إلى قضية رأى عام وخاصة أن المسئول ليس مقاولاً يفترض فيه الجهل وعدم الخبرة بل مهندس تعلم ودرس، أما المسرحية الثانية «الحب على طريقة الكتب» فلم أعثر لها على أى أثر.

 مونودراما الحصان

عُرضت مونودراما «الحصان» عام 1983 على مسرح الطليعة من بطولة الفنانة سناء جميل وإخراج أحمد زكى ومثلت مصر فى مهرجان قرطاج المسرحى عام 1983 وقدمت فى افتتاح المهرجان على المسرح الوطنى، وقدمت أيضاً فى افتتاح مسرح المنصور بالعراق 1984 واستمر عرضها 25 ليلية متصلة، والمسرحية تناقش فكرة الاستسلام للطموح الفردى دون المجتمعى والتى قد تؤدى فى النهاية إلى الشعور العميق بالعزلة والوحدة، وتجسد بقوة مساوئ قيم الانفتاح وتحولات المجتمع المصرى فى السبعينات، وفى هذه المونودراما بدأت أفكار التغيير الاجتماعى التى تصوّر المظاهر القبيحة للمدينة الحديثة تبدو واضحة من خلال ما جاء على لسان البطلة «كيف يرقى مجتمع يمتطى كل واحد فيه حصاناً ويتركه جامحاً على هواه؟» بهذه السطور قدم كرم النجار لمونودراما «الحصان» والتى كتبها فى قالب غير تقليدى كما هو معروف لصيغة المونودراما فهناك بطلة مطلقة ووحيدة كما هو معتاد فى قالب المونودراما وهى أميمة القناوى ولكن أيضاً هناك شخصيات غير مرئية تخاطبهم البطلة وتتحاور معهم من خلال الأصوات وأدوارهم فاعلة، وظنى أنها كانت صيغة جديدة، فبطل المونودراما يؤدى جميع الشخصيات يجسّد المشكلة من خلال مونولوج وحيد يؤدى من خلاله كل الأصوات ولكن أميمة القناوى تشاركها شخصيات أخرى لا نراها ولكن نسمع أصواتها، الرجباوى مدير مكتبها، وموظفة يصفها المؤلف بأنها إنسانة نمطية ومغلوبة على أمرها لكنها فطرية، بالإضافة إلى الدكتور نصحى وهو أستاذ جامعى تجاوز السبعين، مريض بالقلب وصوت مثقف هكذا يصفه كرم النجار، والشخصية الرابعة غير المرئية، الققادم من الماضى البعيد سمير حافظ، صوت مسطّح يحاول الفذلكة والشخصية الأخيرة المذيعة صوت حاد يؤذى الأذن «مسرسع» فقد كان حريصاً على توصيف الأصوات لأنها سوف تحمل ملامح الشخصيات وتدل عليها، لن نراها بل نسمع الصوت فقط وسوف تدور الأحداث فى شقة وكيلة الوزارة فى لحظة انتظار واستعداد حيث تتهيأ لمقابلة تليفزيونية وفى هذه اللحظات نتعرف على شخصيتها وتفاصيل حياتها.

 الجائزة

وفى تسعينات القرن الماضى كتب كرم النجار نص مسرحية «الجائزة» 1992 وعرضت للمرة الأولى على خشبة مسرحية الطليعة بطولة فاروق الفيشاوى وإخراج محسن حلمى، وعرضت بعد ذلك فى مسرح الطليعة مرة ثانية ثم انتقلت إلى الإسكندرية، وتدور الأحداث حول فكرة المكياج الخارجى بمعنى التجمل بقصد إخفاء العيوب الخلقية والتنكر الداخلى الذى يهدف إلى إخفاء الحقيقة وعرض صورة تم تجميلها من واقع تعس ليواصل تجسيد البطل فى الدراما التعبيرية الذى يتميز بالانحياز للذاتية المفرطة وروح البحث وسط فوضى للقيم والعقائد عن الخلاص والبعث الروحى، ويواصل أيضاً ما بدأه فى مطلع حياته وكان بمثابة مشروعه الرئيسى فى المسرح وهو فكرة التنكر التى بدأها فى البرواز، والقناع، والحصان كما ذكرت سلفاً ثم هذه المسرحية «الجائزة» فدائماً ما يختبئ الإنسان عند كرم النجار خلف قناع من الأفكار أو المعتقدات ولكن فى هذا النص تتسع الرؤية وتكتسب عمقاً وفلسفة أبعد من الرمز وذلك من خلال حدث بسيط وشخصية تبدو عادية وهو «مرسال» ولا يمكن إغفال دلالة الاسم، فنان المكياج الذى حصل على جائزة الدولة التشجيعية، لقد اختار كرم النجار هذه المرة صانع التنكر، الذى أخفى العديد من الشخصيات خلف الأقنعة من قبل، الشخصيات التى صعدت إلى خشبة المسرح مرتدية أقنعة هذا الفنان من خلال المكياج، وبالطبع تقوم الحبكة فى بنيتها العميقة ليس فقط على تنكر الممثلين بل التنكر فى الحياة، حيث ينطلق النص / العرض الذى أخرجه محسن حلمى من هذا الحدث البسيط والعادى وهو حصول الماكيير مرسال على جائزة الدولة والجميع يستعد فى المسرح لأن اليوم هو حفل تسليم الجائزة ومن سيقوم بالتسليم وكيل الوزارة رئيس الهيئة! لذلك ثمة استعدادات كبيرة لا تخلو من دلالة، استعدادات مبالغ فيها ليس احتفالاً بالجائزة بل من أجل استقبال المسئول، وفى خضم حفلة النفاق ينسحب مرسال الماكيير ويصعد سلماً على يسار خشبة المسرح ويبدأ حفلة التنكر ويقلد ويتخيل ماذا سيفعل المسئول القادم ثم يبدأ فى النظر إلى أقنعته المتناثرة على طاولة، أقنعة شخصيات تاريخية مؤثرة مثل أحمد عرابى، مصطفى كامل، سعد زغلول، جمال عبدالناصر، أنور السادات من خلال رؤى سياسية وتاريخية، وفى خضم الأقنعة التاريخية تحدث المفاجأة ويتم الإعلان عن حضور الوزير بنفسه لتسليم الجائزة لصانع الأقنعة وفنان التنكر... وهنا يعود مرسال إلى طفولته كما عادت أميمة القناوى بطلة مونودراما «الحصان» يتذكر معاناته وحياته القاسية وكيف أخرجه أبوه من المدرسة ونشاهد والده ووالدته، وتتوالى استعراضات مرسال للجمهور حول فلسفة التنكر الذى يمارسه الجميع الأفراد والجماعات والدول وكيف تتنكر الشعوب، وفى أسلوب ساخر يقدم يوم فى حياة شخص عادى كيف يكون مضطراً للتنكر فى كل تفاصيل الحياة اليومية مع مرؤوسيه، فى وسائل المواصلات، فى الشارع.. فالتنكر جزء من حياة الإنسان بل ضرورة فى حياته، والمفارقة حين وصل الوزير حيث يصل فعل التنكر إلى أقصاه، حين يصطف رجال الأمن ويبعدون مرسال الذى يحاول أن يقنعهم أنه موضوع الحفل ولم يسمعه أحد ليكمل التنكر وهو لا يملك إلا أن يقول «لكى يكون الإنسان حراً يجب أن يكون لديه القدرة على الاختيار».

 	ملف من إشراف: جرجس شكرى

ملف من إشراف: جرجس شكرى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المواطن المصرى كرم النجار 2-2 الخروج إلى الواقع مع جيل الغضب والحب

المزيد من فن

هما مير أفشار: رحيل ملكة الشعر الغنائي في إيران

فقدت الساحة الموسيقية في إيران، واحدةً من رواد الشعر الغنائي، وعلمًا من أعلامه البارزين في زمن تألق الفنون الإيرانية خلال...

19 % زيادة فى أرباح «الإنتاج الإعلامى» خلال الربع الأول من العام المالى 2026

أعلن مجلس إدارة مدينة الإنتاج الإعلامى برئاسة عبدالفتاح الجبالى، الإثنين الماضى، القوائم المالية المستقلة والمجمعة عن نشاط الشركة فى نهاية...

خالد النبوى يحضر «طاهر المصرى» الشهر المقبل

أجل صناع مسلسل «طاهر المصرى» تحضيرات العمل إلى الشهر المقبل، تمهيداً لبدء التصوير.

ياسر جلال: أتمنى عودة الاحتفال بـ«بعيد الفن»

أسعى لتغيير صورة الفنان