جميل راتب.. فنان كبير ظلمه النقاد والتجار والجماهيـــر المُغيَّبـة

مقياس النجاح فى جوهر الفنون هو القدرة على التأثير فى المتلقى، ومقياس النجاح فى سوق الفنون هو الجمهور، والجمهور لا عقل له، لأنه يحمل مستويات متعددة من الثقافة والوعى،

 وهنا يصبح الأمر صناعة، بمعنى خضوع الجمهور لطرق دعائية معينة تجعله يصدق أن هذا الفنان ـ الممثل ـ هو العبقرى الذى منحته السماء لأهل الأرض، وهذا ما جعل الفنان ـ جميل راتب ـ يحقق النجاح الكبير فى الأفلام والمسلسلات التى شارك فيها، ولم يحصل على أدوار البطولة، ولم يصبح النجم الأول أو الفتى الأول على الشاشة العربية والمصرية، رغم أنه قدم الأدوار العظيمة، حاملة الرسائل الواضحة، فهو خير من صاغ صورة رجل الأعمال فى زمن الانفتاح الاقتصادى الذى اخترعه ـ السادات ـ ونقل به الشخصية المصرية من حالة الرغبة فى الإنتاج واحترام قيمة العمل، إلى حالة الشطارة والفهلوة، وجعل الفلوس «هيه كل حاجة، واللى معاه قرش يساوى قرش» وهذه القيم الجديدة، كان ـ جميل راتب ـ يدرك خطورتها على الشخصية المصرية، والسبب أنه من عائلة لها اتصال وثيق بالطبقة السياسية التى ظهرت فى القرن العشرين بصيغ مختلفة منها امتلاك الأراضى وخوض الانتخابات البرلمانية وتشكيل الأحزاب، وكان جميل راتب يخوض معركة كبيرة من أجل منظومة أفكار إنسانية آمن بها، وعلى رأسها احترام كرامة الإنسان وحقه فى الحياة، واحترام الوطنية والتصدى للاستعمار الغربى بجميع صوره، وكان ناجحاً فى كل ما قدمه، راجع معى أدواره فى مجموعة الأفلام التى شارك بها فى ثمانينيات القرن العشرين، وكلها فضح وكشف لطبقة السماسرة والقراصنة الذين يسرقون ثروات الشعوب، ويسرقون القوت ويعتبرون السرقة شطارة وذكاء، وله دور مهم فى فيلم البداية مع الفنان صلاح أبو سيف، يلخص موقفه الفكرى بقوة، والأدوار التى قدمها من خلال الدراما التليفزيونية، فيها نفس المعنى منها دوره فى ـ الراية البيضا ـ فهو المثقف الكبير الذى يحارب التخلف والجهل الذى كانت تمثله ـ المعلمة فضة المعداوى ـ ودوره فى فيلم الصعود إلى الهاوية، من أخطر الأدوار التى قدمها هذا الفنان الكبير لكشف حقيقة المشروع الصهيونى المعادى للعرب والإنسانية عموماً رغم خطاب الديمقراطية والحرية الذى تصدره إسرائيل للعالم، وكان دور ـ جميل راتب ـ فى هذا الفيلم الذى أخرجه كمال الشيخ فضحاً لشخصية رجل المخابرات الإسرائيلى الذى كان يشرف على تجنيد وتدريب الجاسوسة ـ هبة سليم ـ التى باعت الوطن من أجل حفنة من المال، والحقيقة أن جميل راتب فى هذا الدور قدم خدمة كبيرة للقضية الوطنية فى مرحلة الحرب بين العرب وإسرائيل فى الحقبة التى تلت هزيمة ـ 5 يونيو 1967 ـ وكشف للجماهير العربية التى شاهدت الفيلم هشاشة جهاز المخابرات الإسرائيلى وهذا دور عظيم يجعلنا نقول مطمئنين إن الفنان جميل راتب فنان كبير ظلمه النقاد والتجار والمتآمرون على الفن والذين يعملون من أجل تغييب وعى الجماهير فى الوطن العربى.

عبد السلام النابلسى.. حسب الله السادس عشر فى شارع الحب

فى تاريخ الفنان عبد السلام النابلسى فترات وعلامات تستحق التأمل والتوقف أمامها، من أهمها أنه فلسطينى الأصل، كان أهله قضاة مدينة نابلس، والقضاء فى تلك السنوات البعيدة كان يرتكز على الشريعة الإسلامية، فالقاضى لابد أن يكون من حفظة القرآن الكريم والدارسين للفقه على المذاهب السنية الأربعة والعارفين تاريخ وعلوم اللغة العربية، وقد أجاد ـ النابلسى ـ كل هذه العلوم وحفظ القرآن الكريم وقررت عائلته إرساله إلى ـ القاهرة ـ ليواصل تحصيل العلوم الشرعية فى الجامع الأزهر، لكن القاهرة التى كانت عاصمة الثقافة العربية داخل الإمبراطورية العثمانية، جذبت عقل عبد السلام النابلسى إلى الفنون الحديثة، وعمل بالصحافة الفنية فى مجلات منها مجلة الصباح ومجلة اللطائف المصورة ومجلة مصر الجديدة، وتعلم اللغات الأجنبية، ووقف أمام الكاميرا وأصبح يعمل فى التمثيل، وفى فترة من حياته القاهرية عمل مساعد مخرج، لكنه اشتهر بأدواره القصيرة ـ الكوميدية ـ على الشاشة، فهو الدجال الكذاب الذى يصادق أولاد الأغنياء ويسطو على ثرواتهم من باب الصداقة وتقديم الخدمة والنصيحة والمشاركة فى اللهو، وهذه الشخصية التى يسميها النقاد «شخصية السنّيد» الذى يسند البطل، نجح فيها ـ النابلسى ـ مع إسماعيل يس، من خلال ستة وثلاثين فيلماً، وساهم فى نجاح أفلام عبد الحليم حافظ، ولعل القارئ العزيز يتذكر دور النابلسى فى فيلم شارع الحب ـ  حسب الله السادس عشر ـ  الذى ظهر فيه عبد الحليم حافظ وقدم عدة أغنيات فى خمسينيات القرن العشرين وهو من أفلام تدشين زمن فنى أطلق عليه النقاد اسم  ـ زمن عبد الحليم حافظ ـ وهو زمن ارتبط بمرحلة ثورة 23 يوليو 1952 التى اعتبرت عبد الحليم الفنان المعبر عنها بأغنياته التى حققت النجاح الجماهيرى، والنابلسى شارك فى أفلام فريد الأطرش، ونال البطولة لمرة وحيدة فى فيلم ـ حلاق السيدات ـ وكان معه إسماعيل يس وكأن إسماعيل يس أراد أن يهنئ صديقه النابلسى بالبطولة، فقدم معه دور ـ السنّيد ـ فى هذا الفيلم، وسافر النابلسى إلى بيروت، وهناك ذاق مرارة الحياة، فقد أمواله وتدهورت صحته وتزوج فى سن الستين ويوم موته لم تجد امرأته ما تنفق منه على الجنازة وتكفّل فريد الأطرش بالأمر.. رحم الله النابلسى الذى أخلص للسينما ورسم البسمة على وجوه جماهيرها.

عبد المنعم إبراهيم.. كوميديان قدمته الإذاعة وتألَّق فى التليفزيون

يقول الناس فى الأرياف «الصابرين بخير» ويقولون فى صورة دعاء لطيف «ربنا يعوّض عليكم عوَض الصابرين» ويقول المثقفون فى المدن «الصبر مفتاح الفرج» كل هذا الذى استدعيته من تراث الشعب وثقافته ينطبق على رحلة الفنان الكبير الممثل الشاطر صاحب الحضور الجميل ـ عبد المنعم إبراهيم ـ وأشهر دور له هو دوره فى فيلم إشاعة حب، مع الفنان يوسف وهبى وعمر الشريف وسعاد حسنى، وكان يقوم بتقليد الفنان يوسف وهبى ـ خاله فى الفيلم ـ تقليداً رائعاً، وكان المطلوب منه التغطية على خاله المغامر الذى يهوى إقامة علاقات مع السيدات رغم أنه متزوج وبلغ مرحلة الكهولة، فكان يقلد صوت الخال ـ يوسف وهبى ـ ويخاطب زوجة الخال وكانت تصدق أن من يحدثها هو زوجها، حتى وقع المحظور، وقلّد ـ عبد المنعم إبراهيم ـ صوت خاله يوسف وهبى فى الوقت الذى كان فيه الخال فى بيته، فانكشفت الحيلة وعرفت الزوجة أن زوجها ـ الكهل العاقل ـ يخدعها وأن ابن أخته هو من يشاركه فى جرائمه الأخلاقية التى لا تغتفر، والفنان عبد المنعم إبراهيم له أدوار كوميدية إذاعية، ساهمت فى تقديمه للجمهور فى خمسينيات القرن العشرين، وفى التليفزيون قدم دوره فى مسلسل ـ أولاد آدم ـ وفى مسلسل ـ زينب والعرش ـ فتألق ونجح نجاحاً كبيراً، قدم شخصية الأب فى أولاد آدم، وشخصية ـ الساعى ـ الذى يعمل فى الجريدة مع رئيس التحرير فى زينب والعرش، وأدواره فى السينما رغم قصرها كانت مهمة وقادرة على خلق بهجة، منها مثلاً شخصية مدرس اللغة العربية فى فيلم السفيرة عزيزة مع الفنان عدلى كاسب وشكرى سرحان وسعاد حسنى، وشخصية مدرس اللغة العربية فى فيلم غصن الزيتون مع أحمد مظهر وسعاد حسنى وشخصية ـ الغفير النظامى ـ فى الزوجة الثانية.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

احتفاء فنى وصدام سياسى غزة تخطف الأضواء فى «برلين»

شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...

شهر رمضان.. مناسبة دينية ذات طابع قومى

مشاهد مسرحية وأغان مصرية

القاهرة الكبرى تستعيد رموز الثقافة المصرية فى ليالى رمضان

الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...

عندما اكتشفت وردة أنها بوسطجى الغرام بين الأبنودى ونهال كمال

أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...


مقالات

سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م
الصيام وتأثيره العميق على الدماغ
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:00 م