رائد الإخراج المسرحي 2
حين تم تأسيس الفرقة القومية انضم عزيز عيد إليها مخرجاً وقدم مجموعة من العروض منها الملك لير، هاملت، دليلة، اليتيمة، الخطاب وغيرها، وتم فصله من الفرقة بعد عامين بعد سلسلة من الخلافات مع المسئولين.. ورغم هذه المسيرة الفنية الثرية والصاخبة، اضطر بعد خروجه من الفرقة القومية للتجول فى الأقاليم فى تجربة مسرحية متواضعة وحين عاد إلى القاهرة شارك بالتمثيل فى السينما فى أدوار صغيرة، بل وانضم إلى كباريه ببه عز الدين وأخرج عدة اسكتشات متواضعة بسبب حاجته الملحة للمال.
الإخراج من قبل عزيز عيد كان يتم بطريق ارتجالية أو قُل تعاونية أقرب إلى الفوضى، وليس فقط لأنه وضع قواعد علمية لعناصر العرض المسرحى، وابتكر الإضاءة والديكور وأساليب الأداء، وجعل الممثل يتحرك على المسرح بطريقة طبيعية دون تكلف أو مزايدة، وكانت له الكلمة العليا فى المسرح، بل أيضاً لأن عزيز عيد هو أول من أدخل المسرحية النابعة من الواقع، ومن أعماق الحياة المصرية بعد أن تنقل بين العديد من الفرق التى أسسها أو عمل بها مخرجاً وأيضاً اطلاعه على الاتجاهات المسرحية المعاصرة، حيث جاءت مسرحية «القرية الحمراء» التى كتبها بالمشاركة مع زميله أمين صدقى أولى المسرحيات التى تطرح قضايا ومعاناة الريف المصرى عام 1925، وكان هذا الفنان الذى غادر لبنان فى طفولته إلى مصر مبدعاً موهوباً أخرج ما يقرب 265 عرضاً مسرحياً وهذا الكم الكبير تنوع بين اتجاهات عديدة بين الكوميديا والتراجيديا والعروض الغنائية، بل واستفاد من فن الأراجوز المصرى، فلم يكن عزيز عيد فقط رائد الإخراج المسرحى بمفهومه العلمى، لكنه أيضاً فعل كل شىء فى المسرح، أشرك الجمهور فى العرض وكسر الإيهام وحطم الحائط الرابع قبل أن تصبح هذه الأفعال نظريات مسرحية كبرى، رغم أن البعض اعتبرها فى ذلك الوقت انحرافاً، ففى عرض «يوليوس قيصر» حمل المشيعون النعش داخل الصالة، ومنع الرقيب المسرحية كما منع أوبريت «العشرة الطيبة» من قبل فكانت حياة عزيز عيد حياة قلقة وعنيفة اختلف مع الجميع لصالح المسرح، أو قُل لصالح مخيلة عزيز عيد الجامحة، فقد اختلف مع الريحانى رفيقه وزميله فى بنك التسليف الزراعى حول التمصير، فقد رفض عزيز عيد هذه الفكرة وانحاز إلى تقديم النصوص الأجنبية كما هى، دون تحريف، كما انحاز أيضاً إلى تقديم المؤلف المصرى، واكتشف هذا الفنان الموهوب العديد من النجوم على رأسهم فاطمة رشدى التى تزوجها فيما بعد وانفصلت عنه أيضاً بسبب أفكاره المثالية، ليعيش حياة صاخبة تنقل فيها بين العديد من الفرق وانتهى به الحال للعمل مع فرقة جوالة كوّنها ليطوف بها القرى والمدن لينهى حياته فقيراً بائساً لكن روحه ظلت تحلق فى كل اللحظات ليبدع ويقدم للمسرح المصرى أعمالاً خالدة ستظل شاهدة على عبقريته وإخلاصه للمسرح المصرى. وكما كان توفيق الحكيم أول من صعد بالنص الأدبى المكتوب إلى خشبة المسرح كان عزيز عيد أول من وضع مفردات العرض المسرحى على الخشبة من خلال مفاهيم علمية سواء، الديكور، الإضاءة أساليب الأداء، أو الاعتماد على الممثل من خلال أساليب إبداعية مبتكرة، بل وسيحسب له أنه جسد الريف المصرى على وقع ألحان سيد درويش، هذا المخرج الذى أطلقوا عليه المدير الفنى، فلم يكن توصيف المخرج قد عرفه المسرحيون واعتادوا عليه كما كانت المسرحية ما زالت تحمل اسم الرواية.
صانع الحياة المسرحية مخرج العرض المسرحى الذى أسسه وبلوره فى مصر عزيز عيد، هذا العنصر الذى عرفه العرب فى صورته الغربية حديثاً، والذى استوردناه بكامله من الغرب، مازال يثير العديد من الأسئلة التى تم طرحها حول المخرج المسرحى المصرى منذ يعقوب صنوع ورفاقة وحتى وقتنا هذا مروراً بسنوات الازدهار والنهضة التى تعاظم فيها دور المخرج المسرحى وأعنى حقبة الستينات ثم الحضور الطاغى والمؤثر لتيار المسرح الشعبى وصولاً إلى حقبة التسعينات ومطلع الألفية الثالثة حين أصبحت الكلمة العليا للمخرج وتوارى قليلاً دور النص المسرحى! فى كل هذه المراحل سيظل عزيز عيد صاحب الفضل والمخرج الأول، الذى استطاع أن يغير أسلوب العرض المسرحى بعد أن أصبحت بواسطته، الكلمة العليا للمخرج.
أذكر منذ سنوات ليست بعيدة، وحين علم المخرج الكبير سمير العصفورى بأن شخصية رائد الإخراج المسرحى عزيز عيد سوف يتم تجسيدها على الشاشة الصغيرة من خلال مسلسل أهل الهوى من تأليف محفوظ عبدالرحمن وإخراج عمر عبدالعزيز اتصل بمحفوظ عبدالرحمن لأداء هذا الدور، وعلى الرغم من صغر حجمه فى عدد محدود من الحلقات إلا أنه كان حريصاً وسعيداً بهذه المغامرة وفاءً وتقديراً لعزيز عيد، حين سألته لماذا؟ قال العصفورى: إن هذا الحب لرائد الإخراج المسرحى بدأ عام 1964 حين كان يخرج عرض «زيارة السيدة العجوز» تأليف السويسرى فريدريش دورينمات ومن بطولة عبدالله غيث وزوزو نبيل التى قالت له - أى للعصفورى - أنت تشبه عزيز عيد فى تكوين الجسم، قصير مثله ومجنون أيضاً، ومن يومها والعصفورى يبحث عن عزيز عيد وأعماله وبالفعل كتب مادة فيلم وثائقى وسلمه للمركز القومى للسينما عن حياة عزيز عيد، وحين سألته عن هذه الشخصية حكى لى عنها كثيراً، واشترط العصفورى أن يكتب فى تتر المسلسل، يجسد شخصية الرائد المسرحى الكبير عزيز عيد المخرج الفقير إلى الله سمير العصفورى، وتم تكريم هذا الرائد بأن حملت الدورة الخامسة عشرة للمهرجان القومى للمسرح المصرى اسم المخرج عزيز عيد، وقدم المخرج المسرحى عصام السيد عرضاً تناول فيه حياة ودور هذا الرائد المسرحى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...
مشاهد مسرحية وأغان مصرية
الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...
أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...