ننشر مذكرات الشاعر مأمون الشناوي وآخر حوار له قبل وفاته ب 9 أيام

«اتخانقت» مع عبدالوهاب وعبدالحليم على حقوق المؤلفين حصلت على «الدكتواره» من أم كلثوم تعرفت على فريد الأطرش عند الميكانيكى كتبت أغنية «الربيع» لحبيبتى ولما سمعتها أتجوزتنى

"مأمون الشناوي" من أهم الشعراء الذين تركوا بصمة في قلوب المصريين والعرب.. ولد في 28 يناير 1914 بالمنصورة، ورحل عن عالمنا في 27 يونيو 1994، غنت كوكب الشرق من كلماته أربع أغنيات، "أنساك يا سلام" عام 1961 و"كل ليلة وكل يوم" 1964، و"بعيد عنك" 1965 من ألحان بليغ حمدي، أما أغنية "ودارت الأيام" 1970 فهي من ألحان الموسيقار الكبير عبد الوهاب الذي غنى من كلماته عددا كبيرا من الأغنيات أيضا، كما غنى كلماته فريد الأطرش وعبدالحليم، وغيرهم من النجوم، ويحسب له أيضا اكتشاف نجوم آخرين في عالم الطرب، مثل "عزيزة جلال وسيد مكاوى وبليغ حمدي وعدوية"، وقبل رحيله تبنى الموهبة الشابة –آنذاك- "هاني شاكر" وإيهاب توفيق.

لم تغفل مجلة الإذاعة والتليفزيون على مدار تاريخها الطويل الحافل،  أن تلقى الضوء على كل ما أسهم فى بناء القوة الناعمة المصرية.. وكان من بين هؤلاء الشاعر الكبير "مأمون الشناوى"، فنشرت له مذكراته التى أرخ بها لحياته على حلقتين فى العددين رقم ( 2865ـ 2866 ) الصادرين بتاريخ 10 و17 فبراير عام 1990 وتحدث فيها عن علاقته بعبد الوهاب وفريد الأطرش وأسمهان وغيرهم.

فإلى نص المذكرات..

76عاما من عمر شاعرنا الكبير مأمون الشناوي أضاءت حياتنا الغنائية بأجمل وأشهر الأغنيات التي تغنى بها المطربون في العالم العربي وقدمتها الإذاعة والتليفزيون والسينما.. فأكثر المطربين الذين غنوا لمأمون الشناوى ارتبطت أسماؤهم في أذهاننا بتلك الأغنيات.

وفي هذا الحوار يطلق شاعرنا الكبير العنان لذكرياته ليتحدث عن أغنيات وشخصيات ارتبطت بمشواره الفني..

 رحلة طويلة من الصداقة والفن جمعت بين شاعرنا مأمون الشناوي وموسيقارنا محمد عبد الوهاب.. غنى فيها عبد الوهاب لشاعرنا أشهر أغنياته "انسی الدنيا، كل ده كان ليه"، وتخلل الرحلة عمل وخصام.. وبقيت الصداقة هي صمام الأمان لتلك الرحلة التي يتحدث عنها الشاعر مأمون الشناوى فيقول :

بدأت علاقتي بالموسيقار عبد الوهاب عندما كنت صحفيا صغيرا بمجلة "آخر ساعة" وكان هو المطرب المعروف، ففى يوم من الأيام فوجئت بأحد المخرجين يأتي إلى مكتبى، ويقول لي إن محمد عبد الوهاب عايزك!! فاندهشت وقلت له: عايزني في إيه؟.. وكان أيامها يعد لفيلم "يوم سعيد"، فخيل إلىّ أنه يريد أغاني للفيلم! وكنت في ذلك الوقت مازلت أكتب أغنيات لبنت الجيران، وأود لو تغنى بها مطرب حتى تسمعها!! ولكن أغاني فيلم "يوم سعيد"، اقتصرت على المؤلف محمد صادق، ثم بعدها أخذ منى الموسيقار عبد الوهاب أغنية "انت وعزولي و زمانی" و"حرام عليك" ، وأغنية "ردى عليا" التي نجحت نجاحا كبيرا، وأخذت أجرا عنها أربعة جنيهات، ثم استمر تعاملي مع عبد الوهاب حتى عام ٦٣ عندما اختلفت معه في جمعية المؤلفين والملحنين، عندما رفض هو وعبد الحليم حافظ أن يحصل كل من المؤلف والملحن على نسبة 4% من الطبع.. ولكن ما لبثت العاصفة أن مرت وتصافينا وأخذ منى أغنية "آه منك ياجارحني"، واستمرت علاقتنا بعدها صديقين .

 العلاقة بين شاعرنا مأمون الشناوي والسيدة أم كلثوم وفريد الأطرش بدأت بأغنية الربيع، التي غناها فريد.. كانت في البداية بين يدى أم كلثوم، فلماذا رفض مأمون الشناوى أن تغنيها سيدة الغناء العربي ؟

أم كلثوم طلبت بعض التعديلات في كلمات الأغنية، فأخذني حماس الشباب ورفضت، حتى جاءني فريد الأطرش وطلب منى الأغنية ليلحنها لكي يعرضها مرة أخرى على أم كلثوم، وبالفعل قام بتلحينها وقال لأم كلثوم: عندي لك لحن جميل، فعندما سمعته قالت له: هذه الأغنية سمعتها قبل ذلك وطلبت فيها تعديلات ولن أغنيها إلا إذا كان ما طلبت!! ولكنني رفضت للمرة الثانية.. فأخذها فريد الأطرش وكانت من أشهر أغنياته.

 ولكن كيف كان اللقاء الأول بين مأمون الشناوى وفريد الأطرش ؟

قابلت فريد الأطرش أول مرة عند "الميكانيكي"، ووقتها سلم علىّ وقال لي أنا عايزك تعمل لي أغنية لفيلم من إنتاجي، فسألته عن اسم الفيلم فقال لي "لسه مش عارف أسميه". وكانت أغنية "حبيب العمر" جاهزة عندى فأعطيتها له، وبالفعل سمى  الفيلم على اسم الاغنية.

.. وأعود بحديث الذكريات مع مأمون الشناوى مرة أخرى عن أم كلثوم فأساله:

 "أنساك" هل كانت السبب في ذوبان القطيعة بينك وبين أم كلثوم بعد الربيع ؟

لم تكن هناك قطيعة يوما بيني وبين أم كلثوم.. فلقد استمرت علاقتي بها بعد الربيع، وكانت دائما تحدثني في التليفون وتقول لي رأيها في الأغاني التي كتبتها لعبد الوهاب وفريد ونجاة الصغيرة، وأحيانا كثيرة كانت تقول لي "مش هاتعمل لي حاجة كويسة بقى.. وكنت أختلف معها حول موضوع التعديل، ويوما قلت لها اسمعي: انت لو دخلتِ معرض رسام وأعجبتك لوحة هل من المعقول أن تطلبي منه أن يغير في شكل اللوحة حتى تشتريها؟ فقالت: بالتأكيد لا، فقلت لها أنا أيضا رأيي في أغنياتي أنها مثل اللوحة لا أغير فيها بعد كتابتها .

فقالت أم كلثوم: "لكن هناك شيئا لا تعرفه.. وهو أن هناك بعض الألفاظ لا تخرج حلوة عندما أغنيها!! وأنا عندما أقترح عليك بعض التعديلات لا أطلب منك الأفضل.. بل أطلب الكلمات التي أعتقد أنني أغنيها وأنا واثقة منها ومقتنعة بها، وربما تكون كلماتك أحلى كثيرا، ولكن الكلمات التي أقتنع بها  تكون دائما أكثر تأثيرا على الجمهور".. ويصمت مأمون الشناوي قليلا ثم يقول مبتسما:

ـ أنا طبعا لم أقتنع بهذا الكلام وقتها وركبني الغرور حتى كان عام ١٩٥٩ فقلت لنفسي، وبعدين.. دى معنى أن تغني لي أم كلثوم معناها أنني حصلت على الدكتوراه. فلماذا أحرم نفسي من هذا الشرف لمجرد الغرور؟، فقلت أكتب لها أغنية، وفعلا كتبت الأغنية وكلمتها في التليفون وقلت لها: معايا حاجة علشانك، ومتهيألي إنها تعجبك، وأنا مستعد لأى تغيير!! فقالت: تعالى فورا... وكانت وقتها عند محمد فوزي في شركة مصر فون - صوت القاهرة حاليا - فقرأت لها كلمات الأغنية فإذا بها تقول لي.. كويسة جدا، فقلت لها: مش عايزة تغيير.. فقالت: لا.. هي حلوة كده!! وكانت البداية مع أغنية "أنساك"، ثم  "كل ليلة" و"بعيد عنك" و"دارت الأيام"، وقبل وفاتها بعام كنت قد كتبت لها أغنية "خلينا أصحاب"، وعجبتها جدا وقالت لي: سأغنيها، وبالفعل أعطيتها لرياض السنباطي يلحنها.. وفي مرضها الأخير ذهبت إليها مع السنباطي فوجدتها مريضة جدا... وبعدها قال السنباطي: مافيش فايدة... مش ممكن حاتغني!! واستأذنا ومشينا، ورحلت بعدها أم كلثوم بعام بعد معاناة طويلة مع المرض.. وظلت الأغنية حبيسة الأدراج إلى أن حضرت إلىّ ذات يوم ياسمين الخيام وفوجئت بأنها تطلب أغنية "خلينا أصحاب"، فقلت لها: لماذا هذه الأغنية بالذات فقالت: إن السيدة جيهان السادات قالت لها عنها!! فأعطيتها لها، وكان رياض السنباطي قد لحن جزءا منها ثم اختلف مع ياسمين الخيام.. وأخذها بعد ذلك حلمى بكر ...

بعد إيه !!

 بين عبد الحليم حافظ ومأمون الشناوي حكايات وحكايات، وعلى الرغم من أن عبد الحليم حافظ غنى لشاعرنا أكثر من ثماني عشرة أغنية إلا أن اللقاء بينهما انقطع بعد أغنية "بعد إيه"، وسألت شاعرنا ... ليه ؟!

 فقال مأمون الشناوى :

في الحقيقة لا أدرى لماذا انقطعت الصلة الفنية بيننا، رغم أن علاقتنا الودية لم تنقطع.. ولكن بعد اختلافنا في جمعية المؤلفين والملحنين عندما وقف ضدنا مع عبد الوهاب -كما ذكرت- ورغم أننا تصالحنا سنة ٦٩ على الطائرة عندما دعاني ملك المغرب مع محرم فؤاد وتقابلت مع عبد الحليم على الطائرة.. إلا أنني وجدت  نفسى غير قادر بعدها على التعامل معه فنيا.

لدرجة أننى كنت أعطى له مواعيد ولا أذهب إليه.. وفي يوم قابلته في شيراتون وكنت في الأسانسير مع عزيزة جلال، وكانت آخر مرة يغني فيها عبد الحليم.. وإذا به يقول لى مداعبا، أنا في انتظارك..

 إذا كان الموسيقار عبد الوهاب سببا في معرفتك بعبد الحليم حافظ، فقد كنت أول من تدخل للصلح بينهما في أول خلاف.. فكيف كانت البداية، ولماذا غضب عبد الوهاب على عبد الحليم حافظ ؟

- تعرفت على عبد الحليم شبانة.. بعد الثورة فى مكتب الموسيقار عبد الوهاب، الذى كان مكلفا بالغناء وقتها في حفل سلاح الفرسان.. وكان مفاجأة له، فلم يعد أى أغنية، فإذا بعبد الحليم حافظ يقول له: إيه رأيك لو تغنى "كل ده كان ليه"، وكنت قد كتبت هذه الأغنية لنجاة الصغيرة بناء على طلب من محمد عبد الوهاب ونسيتها لأنها غنتها فقط لمحطة إذاعة الشرق الأدنى..

وبدأ عبد الحليم حافظ يردد اللحن لعبد الوهاب حتى تذكرها، وبالفعل غناها في الحفلة، ومن هنا جاءت معرفتی بعبد الحليم، وكنت دائما أسأل عنه، حتى علمت أن عبد الوهاب غضبان عليه. وأعطى أوامر للشغالين بألا يسمحوا له بالدخول..

حتى جاء يوما وكنت في طريقي إلى مكتب عبد الوهاب، فقابلت عبد الحليم بطريق الصدفة.. وسألته عن سبب غضب عبد الوهاب عليه، فحكى لي"كان المفروض أن ينتج لى أول أفلامي "لحن الوفاء"، ولكنه ظل أكثر من عام ولم يفعل شيئا... فاضطررنا أنا والمخرج إبراهيم عمارة أن نعطيه لمارى كويني، فغضب مني الأستاذ عبد الوهاب ومنع دخولى مكتبه.. فقلت له تعالى معايا وفعلا ذهبنا إلى عبد الوهاب وقلت له: انتظر في حجرة السكرتارية، ثم دخلت على عبد الوهاب وقلت له: عبد الحليم جاء ليعتذر لك، فقال عبد الوهاب: لا أنا مش عايزه ولا عايز عربون الفيلم الذي أعطيته له فقلت له... كيف ذلك وأنت تقول إن صوته يعجبك واعتبر هذا الفيلم بروفة لعبد الحليم تختبره فيها لأفلامك القادمة، فسكت عبد الوهاب، وناديت عبد الحليم.. فقال له عبد الوهاب: انت مذنب.. تعرف كده؟! فرد عبد الحليم: لكن سيادتك عطلتني !!

فقلت لعبد الحليم: بوس راس الأستاذ، وفعلا فعل عبد الحليم، وكنت إلى هذا الوقت لم أتعامل مع عبد الحليم فنيا، رغم أن كمال الطويل كان قد طلب منى أن أكتب له أغنية على قد الشوق، التي قد بدأها ويريد أن أكملها ولكنني رفضت باعتبارها نوعا من الفولكلور الذي سبق وغناه عبد الحليم حافظ مثل "على حسب وداد قلبي"، إلى أن شعرت باهتمام عبد الوهاب بأن أكتب لعبد الحليم حافظ، فكانت "أنا لك على طول.. وإيه ذنبي إيه".. وسلسلة أخرى من الأغنيات كان آخرها أغنية بعد إيه !!

.. ومازال لحديث الذكريات بقية.

الحلقة الثانية

في الحلقة السابقة مع شاعرنا مأمون الشناوى تحدث عن أغنيات وأسماء ارتبطت بتاريخه الغنائي الطويل، وفي هذا الحوار يواصل مأمون الشناوي حديث الذكريات، فيتحدث عن شادية وفايزة أحمد وليلى مراد وأحمد عدوية، ولماذا أسقط بعض المطربين الكبار من تاريخه الفني؟!

 ولماذا ضننت على شادية رغم أنك كنت دائما من أشد المعجبين بصوتها؟

ويلاحقني الشاعر مأمون الشناوي قائلاً:

لم أضن عليها إطلاقا بأغنياتي، ولكن الشاعر فتحى قورة كان مختصا بها، وقد تفرغ للتأليف لها تماما.. فلم أهتم أنا بالموضوع حتى طلب منى أحد المخرجين، وكان وقتها يعد لفيلم بطولة شادية، أن أكتب لها أغنيتين، فكتبت أغنية "فات علينا الهوا "و"أحب وانحب"... بالإضافة إلى أن شادية أكثر أغنياتها كانت في الأفلام، وهذا النوع من الأغنيات يسبب لي إحراجا، لأننى أفضل الأغاني التي أكتبها من وحى تفكيرى وليس حسب السيناريو.. ورغم ذلك فالعلاقة بيني وبين الفنانة شادية قوية جدا، ولاشك أن اختفاءها عن الساحة الغنائية أثبت أنها الوحيدة التي تستطيع أن تغنى السهل المعجز، والدليل على ذلك أن الجيل الذي تلاها ليس فيه مغنية واحدة تركت أثرا فنيا في نفوس الناس مثلما فعلت شادية !!

قلبي سألني عليك

فايزة أحمد فتاة صغيرة تجلس في مدخل فندق "الجندول"، ويمر مأمون الشناوى يوميا ليراها أثناء ذهابه إلى صديقه الملحن رؤوف ذهني بمكتبه في نفس العمارة.. ويعلو صوت فايزة بالغناء ويلتفت شاعرنا ليرى الفتاة التي جذبته بصوتها.. وتمر الأيام ويفاجأ مأمون الشناوى بها بين ضيوف الحفل الذي أقامه الموسيقار كمال الطويل.. هكذا كان اللقاء الأول بين شاعرنا والمطربة فايزة أحمد التي كان لها نصيب الأسد من أغنيات شاعرنا.. وعن أول أغنية جمعت بينهما يقول مأمون الشناوى :

عندما رأيتها في الحفل تذكرتها... فسألت عنها وعرفت أنها صوت جديد جاء من سوريا بعد اتحادها مع مصر.. ولأن صوتها كان يعجبني جدا، فلم أتردد في أن أعطيها أغنية "قلبي سألني عليك" بعد أن طلب منى ذلك بليغ حمدى، ثم طلب منى بعد ذلك محمد عبد الوهاب أغنية "تهجرني بحكاية" وأغنية "بصراحة" ثم استمر التعامل بيننا إلى أن توفاها الله.

يا أعز من عيني !

وعلى "شاطئ الغرام" كان اللقاء بين شاعرنا والمطربة الكبيرة ليلى مراد.. وغنت ليلى مراد "يا أعز من عيني".. وعلى الرغم من أن التعامل بينهما بدأ متاخرا وعلى يد المخرج أحمد بدرخان.. إلا أن دفتر ذكريات مأمون الشناوى ملىء بالأغنيات التي شدت بها ليلى مراد ومنها "اسال عليا" و"جواب حبيبي"... إلى أن بدأت ليلى مراد تتوقف عن الغناء.. وعن توقف ليلى مراد عن الغناء يقول شاعرنا :

لقد سمعتها قريبا تغنى.. ووجدت أن صوتها مازال جميلا.. فقلت لها: لازم تغنى فقالت ليلى: أنا متفرجة.

اوصفوا لي الحب

كانت نجاة الصغيرة مازالت صبية صغيرة يصطحبها أخوها - أحمد عفت - معه إلى منزل مأمون الشناوى، إلى أن اكتشفها الموسيقار محمود الشريف فاتفقنا على أن نعطيها أغنية "اوصفوا لي الحب"، فكانت أول أغنية بدأت بها نجاة الصغيرة حياتها الفنية بعيدا عن تقليد أم كلثوم.. هكذا تحدث مأمون الشناوى عن بداية نجاة الصغيرة التي غنت فيما بعد أشهر أغانيها "كلمني عن بكره"، "حبك حياتي"، "استناني"  !

غنى للدنيا

سأقتلها إذا غنت!

 وماحدش قتلك انت ليه ؟

هكذا كان مأمون الشناوى يرد على المطرب محمد فوزى عندما كان يتحدث عن أخته "هدى سلطان".. وكان محمد فوزی مجرد صديق لشاعرنا مأمون الشناوى إلى أن طلب محمد فوزى من شاعرنا أغنية "غنى للدنيا" لتكون أول حلقة من سلسلة أغنيات غناها محمد فوزى لمأمون الشناوى .

ويحكى الشاعر عن علاقته بالفنان محمد فوزي فيقول:

كنا صديقين حميمين، لدرجة أنه كان يغلق علىّ مكتبه عندما أزوره لكى أكتب له أغنية.

من الربيع إلى السلاملك

 قلت للشاعر الكبير مأمون الشناوى: دفتر ذكرياتك ملىء بأسماء كبار نجوم الطرب في العالم العربي.. ولكنني أشم عدوية في كلماتك .. فكيف كانت هذه النقلة؟

ويفاجئني الشاعر مأمون الشناوي قائلا :

ليس هناك نقلة غريبة، ويكفى أن تعلمى أن عدوية أنقذ شركة صوت الحب من الإفلاس. فعندما كنت المستشار الأول للشركة سمعت صوت عدوية عندما كان يغني في أحد الكازينوهات، فأعجبني صوته وطلبت منه أن يتصل بي.. وفعلا جاء عدوية إلى الشركة التي كانت في ذلك الوقت تمر بحالة مادية سيئة وطلب أن نسجل له أغنية "السح الدح إمبو" في باريس، ولا تتخيلي المبيعات التي حققتها هذه الأغنية للشركة، لدرجة أن شركة في باريس أرسلت خطابا إلى أحمد عدوية تطلب منه هذه الأغنية، إلى أن طلب منى أصحاب الشركة أن أكتب لعدوية فكتبت له "السلاملك" و "سيب وأنا أسيب" وشجعني على ذلك أن الموسيقار عبد الوهاب كان دائما يقول عن صوته إنه يدخل القلب.. كما أنه تعامل مع كبار الملحنين مثل كمال الطويل وبليغ حمدی.

يادنيا

ولم يكتفِ الشاعر مأمون الشناوي بهذه الثروة من الأصوات.. فأخذ يبحث عن أصوات جديدة تتغنى بكلماته.. وكان هانی شاکر ووليد توفيق من الأصوات الشابة التي قدمها مأمون الشناوى للجمهور.. وعن ذلك يقول :

كنت دائم البحث عن صوت جديد. وإذا بي أسمع صوتا بالإذاعة يغني للموجى.. فاتصلت به وسألته عن هذا الصوت فقال لي إن اسمه هاني شاكر ...

وأن خالته هي جمالات زايد.. فاتصلت بها وعرفت هاني شاكر واتفقت مع الموجى أن يعد له لحنا لأغنية "يادنيا".. وبعض الأغنيات الأخرى .

ثم توقفت، إلى أن ذهب لعبد الوهاب لكى يلحن له فطلب منه أن يأتي بكلماتي.. ولكنني اعتذرت له.. أما وليد توفيق فقد اكتشفته في أحد الكازينوهات، وأعجبني صوته وحركته على المسرح، فقلت له سيكون لك مستقبل.. وطلب منى أغنية فأعطيته أغنية وحيدة اسمها "أدوب في دباديبه"، كما عرفته بمجموعة من الملحنين ومنهم الموجى وكمال الطويل.

وقبل أن أغلق دفتر ذكريات شاعرنا مأمون الشناوى قلت له :

 ولكن هناك أسماء كبيرة سقطت من تاريخك الفنى مثل محمد قنديل وعادل مأمون فلماذا؟

نعم أعترف بذلك.. ولكنهم سقطوا سهوا.. فيبدو أنني كنت مشغولا بأم كلثوم وعبد الوهاب، وعبد الحليم وفريد، في الوقت الذي لمعت فيه أسماء أخرى.. وصحيح هناك أسماء طالما طلبت منى أغنيات، ولكنني لست بتاكسي أجرة! .

الحوار الأخير

 وبعد أربع سنوات من تاريخ نشر هذه المذكرات أرادت المجلة أن تؤرخ أيضا لتاريخ هذا الشاعر، فنشرنا له حوارا آخر نادرا أجراه على صفحاتها قبل رحيله عن عالمنا بـ9 أيام، أجرت الحوار الزميلة الكاتبة الصحفية "وفاء عوض" في العدد رقم 3092 الصادر بتاريخ 18 يونيو 1994.

وإلى نص الحوار..

عندما سألت الشاعر الكبير مأمون الشناوى عن الأغنية التى كتبها ويعتبرها علامة بارزة فى مشواره الفنى فاجأنى قائلا: لسه ما عملتهاش!! وأخذت أردد له "أنساك والربيع ودارت الأيام وأول همسة" وغيرهم من أغنيات مازالت تعيش فى وجداننا..

قال مأمون الشناوى: كلها محطات فى حياتى، كلها عبرت عن مواقف عشتها.. عن حب انفعلت به.. كلها ذكرياتى الجميلة مع هذا الزمن وهؤلاء الفنانين الكبار الذين رحلوا عن حياتنا أم كلثوم، عبدالوهاب، فريد الأطرش، أسمهان.. وكلها أغنيات مازال يعيش على ذكراها معى كبار المطربين.. ثم صمت الشاعر الكبير مأمون الشناوى قليلا ليقول بحزم: ولكن أبدا لم أكتب حتى الآن الأغنية التى تتحدثين عنها!!

 ورحت ألح فى السؤال.. ولماذا ومتى ستكتبها؟

جاءنى صوته حزينا متواضعا أرهقته السنون: لأننى غير راض عن ما كتبت كل الرضا.. أشعر أن هناك أشياء لم أقلها.. أشعر أن هناك أغنية لم أكتبها.

إذن فلتكتبها!

تتحدثين عن أشياء لابد وأن أحسها أولا.. كل ما أكتبه.. مقاطع لم تكتمل وحتى إذا أكملتها من سيغنيها.. رحلوا خلاص.. ورحلت معهم الأشياء الجميلة.

ولكن أغنياتك مازالت حية و"الربيع" تلك الملكة المتوجة مازالت تعتلى عرش الحب والجمال والربيع..

بين "الربيع" التى غناها فريد الأطرش و"أنساك".. ألم يكن هناك تعامل بينك وبين أم كلثوم وهى فترة ليست قليلة؟

أنا كنت دائما على صلة بها.. بعد كل حفلة أتصل بها وأقول لها رأيى فى أغنيتها، لكن فى هذه الفترة سنة 1950 عرضت عليها أغنية "أول همسة" ورفضتها أيضا.. وكانت أيضا من نصيب فريد الأطرش ثم عرضت عليها أغنية "كلمنى عن بكره" سنة 1956 لكن كان من رأيها وقتها أن الأغانى الرومانسية غير مناسبة فى هذه الفترة لما نمر به من ظروف حرب، وطلبت منى أغنية وطنية- فأخذت الأغنية وذهبت بها إلى كمال الطويل وبالفعل لحنها لنجاة الصغيرة.. وبعد أن غنتها قابلت أم كلثوم وسألتنى:

فين الأغنية اللى كنت كتبتها لى؟ قلت لها: راحت خلاص! فردت عليا وقالت هو انت كده كل حاجة بتروح منك! وبعد ذلك أخذت منى أغنية "أنساك" ولم تطلب أى تعديل وكان ذلك  سنة 1960.

 لكن تفتكر "الربيع" كتبتها لمين؟

كتبتها لبنت الجيران.. قالت لى ح أقابلك فى الربيع ولم تقابلنى فكتبت لها.

 وماذا فعلت حبيبتك عندما سمعت الأغنية؟

"اتجوزتنى" قالت لى: الأغنية دى خلتنى أحبك، وبالفعل أغنية "الربيع" كان لها معزة خاصة عندها، وكانت تجمع كل الاسطوانات التى سجلها فريد الأطرش فى الحفلات المختلفة.. لكنها كانت تحب أن تسمع الاسطوانة الأولى التى غناها فريد فى شم  النسيم سنة 1944.. ودلوقت وبعد وفاة "الحاجة" لما باسمع الأغنية دى بابكى قوى لأنى لسه باحب الحاجة ولسه باحس بكلمات الأغنية وبتفكرنى بحبى الأول.

 لكن يا عم مأمون انت قلت لى إن كل أغنية كنت بتكتبها كان لها فى حياتك قصة حب.. هذه القصص ألم تكن تغضب "الحاجة" الله يرحمها؟

علشان الشاعر يكتب لازم يعيش قصة حب أو يتوهم أنه يحب، وهذا الحب أو هذا الوهم هو الذى يخلق الانفعال وبالتالى يكتب الشاعر قصيدة صادقة تصل إلى الناس بسرعة ويحسون بها..

 طيب و"الحاجة" موقفها إيه؟

كنت بقول لها ده كلام أغانى.. لكن هى كانت بتحس أنها مكتوبة لحد تانى.. وتقول لى مافيش شك إنك كاتبها لحد غيرى!

 وما هى أحب أغنية إلى قلبك؟

أنا أحب أغنية "بعيد عنك" أكثر من أغنية "الربيع"، وقتها كنت "بحب واحدة" أو "متوهم" إنى بحبها لكنها كانت بتبعدنى عنها فكتبت أقول:

بعيد عنك حياتى عذاب

ما تبعدنيش بعيد عنك

وأعطيتها لأم كلثوم!

 طيب والواحدة دى مين؟ مطربة أم ممثلة؟

لا مش ح أقول.. يمكن تكون فنانة!

 وما هى الأغنية التى يسمعها شاعرنا الكبير مأمون الشناوى ويتمنى لو كان كتبها بنفسه؟

أغنية "من بعيد يا حبيبى بسلم" التى كتبها الشاعر بيرم التونسى وغنتها ليلى مراد.. الأغنية دى بحبها جدا وممكن أسمعها فى أى وقت وكنت أتمنى أنى أكتبها لكن فكرتها لم تكن عندى!!

 كيف كنت تتعامل مع اللحن؟

كنت أعيشه مع  الأغنية.. نجلس معا ونشوف إذا كان ممكن يحدث تعديل أو إضافة!

 يعنى ممكن تعدل من أجل الملحن ولا تعدل من أجل أم كلثوم!

كما قلت لك إن هذا كان زمان وأنا صغير.. وكان ممكن يحدث التعديل مع فريد الأطرش فقط.. لكن بعد ذلك طلبت منى أم كلثوم تعديل كلمة فى أغنية "كل ليلة وكل يوم".. كان من رأيها أن تقول "ابعت لى قولى" انت فين لو تقدر بدلا من "اكتب لى قولى".

ثم فوجئت بها فى الحفلة تغنى مرة ابعت لى ومرة اكتب لى.. فقلت لها: شايفة الناس سقفوا ازاى؟.. فقالت لى: انت مش فاهم حاجة.. الناس بتسقف علشان فاهمين إن أنا "بألف وأنا واقفة على المسرح".

 وما هى الأغنية التى كلما سمعتها تضحك لأنها تفكرك بمناسبة أو حب؟

أغنية "ودارت الأيام" كتبتها سنة 1970.. كان وقتها لى حبيبة واتخاصمنا وأقسمت ألا أكلمها مرة أخرى.. ولكن بمجرد أن رأيتها نسيت القسم وكلمتها.. فذهبت إلى البيت وكتبت ودارت الأيام، وذهبت بها إلى محمد عبدالوهاب، وبعد أن قرأها قال لى: دى بتاعة أم كلثوم.. كلمها فى التليفون وقول لها عليها.. وبالفعل طلبتها وأبلغتها ما قاله عبدالوهاب وسمعت الأغنية على التليفون وقالت لى طيب خليه يلحنها وكانت أول مرة تغنيها سنة 1970.

وتقدرى تقولى إن "دارت الأيام" هى جزء منى وطالعة من قلبى لناس بحبهم، وكمان أغنية "بتخاصمنى حبه وتصالحنى حبه" التى غنتها عزيزة جلال هى أغنية بحبها وغالية علىّ قوى لأنها آخر أغنية عملتها.

 يعنى ما كتبتش بعدها حاجة؟

لا..  كتبت.. بس كلها خواطر ومقاطع لم تكتمل بعد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Katen Doe

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

وداع

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص