كان عام 2013 محوريا فى تاريخ المصريين.. فإما الاستمرار مع «الإخوان» إلى ما لا نهاية أو الخلاص الأبدى من هذه الجماعة. بدأ العام والرئيس محمد مرسى مع مكتب الإرشاد يتربعون على عرش مصر، وانتهى وهم فى السجن، مع حل الجماعة واعتمادها إرهابية.. مصائر درامية لم يكتبها مسرحى من قبل.
وشهدت بداية عام 2013 قمة هزليات الرئيس، التى استمرت حتى عزله فى مشاهد مسرحية مختلفة، وسوف أعرض بعضها، والتى كانت أهم من العروض المسرحية التى تم تقديمها على خشبات المسارح فى تلك الأيام.. ما حدث طوال العام مجموعة من الظواهر المسرحية، بل مصر كلها كانت فى حالة مسرحة، ولذلك جاءت العروض المسرحية بعيدة تماماً عن أحداث الثورة، فقد توقف المسرحيون عن استنساخ وقائع ميدان التحرير، بعدما سئموا منها على مدى عامين، وظنى أن الظواهر المسرحية التى كان يشاهدها الجمهور فى شتى أنحاء مصر، فى الشوارع، والميادين، وحتى قصر الرئاسة، كانت أقوى من العروض التى يمكن أن يشاهدها على خشبة المسرح.. ولنقرأ بعض المشاهد من مسرح الحياة فى عام 2013.
المشهد الأول
الرئيس يعلن حالة الطوارئ فى مدن القناة على خلفية ضحايا اشتباكات سجن بورسعيد، فيقيم الأهالى دوريا لكرة القدم فى ساعات الحظر ويستمر اللعب طوال الليل سخرية من الرئيس وقراراته.. وتنقل الفضائيات وقائع هذه المباريات إمعاناً فى السخرية، والشعب المصرى أمام الشاشات يشاهد ويسخر!
المشهد الثانى
فى الذكرى الثانية للخامس والعشرين من يناير (25 يناير 2013) جسدت الصورة التى شاهدها من شارك فى التظاهرات أو حتى من اكتفى بمشاهدة التليفزيون الانقلاب الذى حدث فى حياة المصريين، وكيف سيختلف مسرحهم.. وأيضاً أنهم لن يسمحوا بتزييف حياتهم على خشبة المسرح..
وسأصف بعض الأفعال التى ارتجلها المصريون فى الشارع فى تلك الفترة، فكانت من أجمل مشاهد مسرح الشارع رغم قسوتها، وأكدت أن هذا الجمهور يحتاج مسرحاً لا يكذب ولا يتجمل كما كان على مدى السنوات السابقة.
فيمكن أن تشاهد فى ميدان التحرير مجموعة من الشباب يحملون نعشاً وقد كتبوا عليه: «المرحومة دولة القانون».. يحمل النعش عدد قليل من المتظاهرين يسيرون به دون أن يتكلموا، ومفردات المشهد الصامت تعبر وبقوة عن انهيار دولة القانون.
أو أحدهم يعرض فى الميدان صوراً متتالية لمحاولة اقتحام أقسام شرطة ومؤسسات حكومية، وتبدو على الشاشة مشاهد مسرحية تجريبية، حيث اختلف المصريون بعد أن تكلست أجسادهم وعقولهم.. فهذا الأداء الجسدى لم يمارسه هذا الشعب منذ زمن طويل.
وفى المسيرات التى كانت تجوب الميادين والشوارع من يتأمل أزياء الثوار يفكر جيداً فى عمل قراءة فى هذا الزى المسرحى خاصة لمن يرتدون الأقنعة، والكمامات، فقد خلقت الثورة ملابس خاصة بها.. خلقت الثورة فضاءً مسرحياً فى كل الميادين التى تحولت إلى مشاهد درامية يقدمها الثوار.. تحولت إلى مسرح شارع.. ففى ميدان التحرير على سبيل المثال يحمل المتظاهرون لافتات تطرح أفكارهم ويطوفون بها الميدان ويلتف حولهم الجمهور ويدور حوار بين المتفرجين وحامل اللوحة.
وفى تلك الفترة كان الألتراس حين يخرج إلى الميادين والشوارع يقدم أغانيه الخاصة بملابسه المتميزة وأداء جسدى غير معهود من خلال التصفيق والهتاف، أو حتى فى صراعه مع الشرطة.. ليظهر وليد جديد على الساحة (البلاك بلوك) ويمنح للفعل الثورى حالة مسرحية تكاد تكون متكاملة من خلال الملابس السوداء والأقنعة والأناشيد والاستعراضات.
أما المشهد بكامله من بورسعيد فهو نموذج للمأساة، فبعد النطق بالحكم انفجرت المدينة، المحكمة أحالت أوراق 21 متهماً لفضيلة المفتي، فلقى أكثر من 35 مصرعهم؟ وفى الجنازة ثلاثة.. مأساة وعبث فى آن.. ومن لقوا مصرعهم منهم من كان فى حاله عائداً إلى بيته، ومنهم أطفال، والمشهد الفظيع هو إطلاق الرصاص على المشيعين، فتسقط الجثث على الأرض وتتعرى من أكفانها ويموت من كان مشيعاً.. وظنى أنها مشاهد تفوقت على كل المآسي.. وفى أثناء الجنازة يطرد ضباط الشرطة وزير الداخلية.. وفى السويس يختبئ الجنود فى العمارات السكنية.
ما ذكرته مجرد شذرات من مشاهد عرض مستمر طوال اليوم، ودون شك هذه الأفعال والصور كان من المفترض أن تغير مسار المسرح المصرى إذا تأملها المسرحيون جيداً.. وأذكر أننى كتبت هذه المشاهد فى نهاية شهر يناير 2013.
المشهد الثالث
مرت الشهور الأخرى فى حزن وكآبة على المصريين وهم يشاهدون الجماعة وهى تحاول أخونة مصر وتمكين مكتب الإرشاد من مقاليد السلطة، ولم يكسر هذا الحزن سوى خطابات الرئيس الهزلية، حين يطل على الشعب بأقواله وأفعاله فيكون مادة جيدة للسخرية سواء فى الواقع المعيش أو العالم الافتراضى.. وكانت مأساة هزلية! وانتهت تلك الفترة فى أول يونيو بمشهد فاق كل أساليب العبث حين تمت إذاعة مناقشة أزمة سد النهضة على الهواء مباشرة دون علم البعض من المشاركين، وبالطبع قالوا ما قالوا وكانت الفضيحة عالمية!
المشهد الرابع
فى نهاية يونيو كان الشعب قد بدأ الزحف على الميادين فى الوقت الذى اعتصم فيه المثقفون فى وزارة الثقافة لمنع الوزير الإخوانى من دخول الوزارة وقدموا عروضاً للباليه والأغانى فى الشارع، وكانت حملة تمرد قد جمعت 22 مليون توقيع لعزل مرسى، وظن الرئيس ومكتب الإرشاد كما ظن مبارك والحزب الوطنى أن الأمر مجرد زوبعة وسوف تمر، وخرجت الملايين، وأمهل الجيش الرئيس ثلاثة أيام للتنحى ولم يفعل، فعزله.. وتوالت الأحداث وظل المصريون فى الشوارع وخرجت الملايين مرة أخرى فى 26 يوليو لتفويض وزير الدفاع وقتذاك لمحاربة الإرهاب.. وخرجت هذه الملايين إلى الشوارع لتقرير مصيرها وعزل الرئيس بعد أن خلعت سلفه منذ عامين.. وقد تغيرت دون شك، وأصبح وعيها مختلفاً عما كان.. ولم يفهم أحد.
المشهد الخامس
دراما الإخوان فى رابعة والنهضة والتى بدأت بمشاهد هزلية وانتهت بكارثة صنعها الإخوان حين رفضوا الخروج الآمن.. بدأوا بإذاعة هزلياتهم على الهواء مباشرة من خلال سيارة التليفزيون المصرى المسروقة، إذ أصبح الجميع خطباء أمام العالم، يؤدون أدوار الزعماء والقادة والمصلحين.. وشاهد الجميع أعضاء مكتب الإرشاد فى أدوار مختلفة وصلت إلى إقامة الأفران وعمل كحك العيد.. وانتهاء بالقتلى الذين وصلت أعدادهم إلى 421 قتيلاً.. وكانت حالة الطوارئ قد أعلنت واستمرت ثلاثة أشهر بعد الانفلات الأمنى وتهديد الإخوان بحرق مصر، واحترقت الكنائس، وتعطلت حركة السكة الحديد تماماً.. والتزم الناس منازلهم منذ السادسة مساء وتم تطبيق حظر التجوال كما يجب.
المشهد السادس
بعد فض اعتصامى رابعة والنهضة تفرق شمل أعضاء مكتب الإرشاد وأبدعوا فى التخفى والتمسرح، وتفوقوا على نجوم التمثيل، فالمرشد هرب مرتدياً النقاب قبل أن يتم القبض عليه، ووجدوا البلتاجى حليق الشارب متنكراً فى جلباب أبيض، وصفوت حجازى فى «نيولوك» مختلف تماماً، وكانت الشرطة كلما أمسكت بأحدهم ظل مادة للتندر والسخرية زمنا طويلاً وانتهى العام بدستور جديد.
المسرح الغائب
المشاهد السابقة أقرب إلى لمحة سريعة عن أحداث 2013 الذى كان مصيرياً فى حياة البلاد، وما أقصده من هذه المشاهد والمشاهد السابقة لوقائع سنوات الثورة، أن ما حدث جعلنا أمام مجموعة من الظواهر المسرحية التى كانت تحدث فى صور وأشكال مختلفة فى الواقع «الشوارع والميادين» سواء على المسرح السياسى أو الاجتماعي، فسياسياً لم تشهد مصر فترة حراك سياسى منذ يوليو 1952 وحتى يناير 2011 كما حدث فى السنوات الأربع من 2011 وحتى 2014، وللأسف أن هذا الحراك السياسى والاجتماعى لم ينعكس على المسرح، ولم يتأثر المسرحيون إلا بالشكل، وكأن الثورة ظاهرة عابرة، فقدموا ما يعرفه الناس، وفى أحيان كثيرة أقل مما يعرفون، فلم يطرح مسرح السنوات التى تعاقبت على الثورة أسئلة اللحظة الراهنة، أسئلة المأزق الذى عاشه المصريون بصور ومراحل متعددة فى السنوات الثلاث السابقة، بل قام برصدها وإعادة تقديمها فى صورة مشوهة دون شك.. لم يطرح هذا المسرح أسئلة المستقبل، السؤال الذى شغل المصريين منذ 25 يناير 2011 وحتى 30 يونيو 2013، فإذا ذهب الناس إلى المسرح وجدوا شيئاً باهتاً أو مسخاً مشوهاً، وبالتالى كان المسرحيون يعرضون هذه الأعمال لأنفسهم.
لم يستفد المسرحيون من رد فعل الجماهير، ولا من اللحظة التاريخية النادرة فى حياة المصريين، إذ فجرت الثورة والأحداث اليومية المتلاحقة الطاقات الحبيسة والمكبوتة لدى عموم الشعب، طاقات الروح والعقل والجسد فى صور متعددة جسدت ظواهر مسرحية تفوقت على ما كان يعرض على خشبات المسارح، حيث تحررت الأجساد من القيود التى كانت تكبلها واكتشف المصريون أنواعاً وأشكالاً جديدة من حركة الجسد ورد فعله فى أيام الثورة فى الكر والفر والاحتجاج والاعتصام والتحدي، وكلها أفعال كان يفتقدها قبل الثورة، تحرر العقل وأصبح أكثر وعياً، أو قُل استرد وعيه المفقود منذ سنوات طويلة، وطرد روح الخوف التى بنى سياجاً حولها بفعل الاستبداد اليومى الذى عاشه.. وظنى أن هذه هى النتيجة الأعظم للثورة التى حررت المصريين، من قيود وأغلال عقود من الخوف.. كل هذا لم يلتفت إليه المسرحيون! لم يستفد المسرحيون من محاكمة رئيسين، محاكمة مرسى التى شاهدها الجمهور على الهواء مباشرة فى 2013 ومحاكمة سلفه مبارك التى شاهدها من قبل.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...