فى بداية تسعينيات القرن الماضى استمعت لفضل شاكر لأول مرة.. كان فى القاهرة يبحث عن جواز مرور إلى قلب العالم.. مسحورا بسيدة الشرق التى أنجبت بليغ حمدى ملحنه المفضل وعبدالوهاب والموجى وكمال الطويل وزكريا أحمد.
صوت فضل مثله تماما.. صوت خجول.. لكنه واثق من قدرته على التحكم فى حنجرته تماما والتلاعب بها حيثما ذهب اللحن.. نحن أمام سلطان جديد للطرب لا يشبه جورج وسوف، لكنه يحبه ويغنى له كثيرا.
كان صلاح الشرنوبى وقتها نجما فى ليالى الطرب.. قدم تجربته المدهشة لوردة، وأعاد الأغنية الطربية وإيقاع المقسوم البلدى إلى الواجهة.. وارتفعت مبيعات النجوم الذين حملوا أنغامه.. وكان هناك آخرون يلعبون فى الدائرة نفسها.. خالد الأمير ومحمد سلطان وحلمى بكر وفاروق الشرنوبى وسامى الحفناوى.. ومن الجيل الجديد "وليد سعد" الذى بدأ حياته مطربا.
ويبدو أن فضل وقتها كان يعرف وجهة صلاح الشرنوبى ووليد سعد.
واستمرت علاقتى بصوت فضل من وقتها.. ذلك المدعو "فضل عبدالرحمن شمندر" القادم من المخيمات الفلسطينية حاملا الجنسية اللبنانية وقلبا عربيا طيبا تبكيه نغمة حادة وتعيده إلى الابتسام فى ثانية.. فضل الذى يصغرنى بعامين.. وفد إلى العالم فيما كان العرب منقسمين بعد هزيمة يوليو.. والفصائل تتناحر.. وإسرائيل تكبر.. والتكفيريون يذهبون إلى أفغانستان ثم يعودون.. والغناء مستمر.
ومع كامب ديفيد تغيرت أحوال كثيرة.. لكن ظل عقل الصبى ذى الخمسة عشر ربيعا والذى عرف الطريق إلى حفلات الأعراس واستوديوهات الغناء يتذكر أوجاعه الأولى فى دار أيتام قضى بها سبعة أعوام رغم وجود والديه على قيد الحياة.. الموجوع.. الخجول.. الحزين.. الطيب.. المتهم بارتكاب أفعال خارجة عن القانون.. والمطارد لسنوات.. والمتهم بالسقوط فى بئر "أحمد الأسير".. والمتورط فى صراعات الشيعة والسنة.. عاد.
هذا الأسبوع عاد بفيلم وثائقى يحكى قصة حياته، ويكشف سر غيابه طيلة السنوات الماضية، فى سلسلة درامية وثائقية تخللتها لقاءات معه ومع أصدقاء أيامه الأولى وبعض أفراد أسرته وأغنياته التى عشقناها وإحداها تحمل اسم الفيلم "يا غايب".
شاكر لم يكتف بالفيلم الوثائقى.. لكنه حصل على عضوية نقابة الموسيقيين فى سوريا فى ظل حكم "الشرع".. وفى الوقت نفسه أطلق أول أغنيتين من ألبومه الجديد الذى يضم خمس أغنيات فقط جميعها كتبتها ولحنتها اليمنية "جمانة جمال".. رغم أنها شاعرة تكتب بالفصحى.. لكنها كتبت خمس أغنيات لشاكر بلهجات عربية مختلفة أولاها اللبنانية "هوى الجنوب"، وثانيتها التى صدرت مطلع الأسبوع باللهجة المصرية "أحلى رسمة".
من يعرف شاكر جيدا يدرك أنه لا يهتم كثيرا بلغة الشعر.. تجذبه الألحان كثيرا.. لكنه لا يتوقف عند "المعانى" التى يغنيها.. ويخلط كثيرا بين لغة خطاب الرجل والأنثى.. وهو الأمر الذى يكشف جانبا من شخصيته "المنقادة" بلا عقل.
فضل شاكر لا يزال فى مرحلة التوهة.. رغم أنه حقق بأغنيتيه الجديدتين ملايين المشاهدات فى أيام قليلة.. وهو الأمر الذى يعنى أن الساحة تنتظره.. فقط عليه أن يفكر.. أن يعثر على من يدير تلك الحنجرة المدهشة بما يلائمها، ويخرج بها من كلاسيكيتها، وتقليدية ونمطية ما تقدمه، وهو ما سارت عليه "جمانة جمال" سواء فى موسيقاها.. أو كلمات أغنيتيها العاديتين..
"إلا وأنا معاك
باحس بروحى طايرة
ما مفيش ولا دمعة حايرة
وبالاقينى معاك
باحس بصدق الكلمة
دمعة حنين وبسمة
ما تعديش أى نسمة
إلا وأنا معاك"..
قليل من الموسيقى.. من المشاعر العذبة.. من الرومانسية المجهدة.. ربما تجدونه فى أغنيات فضل الجديدة.. إنما فضل نفسه فهو لا يزال يبحث عن نفسه وروحه وأغنيته.
توهة بهاء سلطان
بعد خمس سنوات من ميلاد فضل شاكر جاء إلى الدنيا مطرب آخر لا يقل عنه أهمية وتميزا.. اسمه بهاء سلطان..
بهاء.. ابن حدائق القبة التى لا هى حى شعبى خالص.. ولا هى مدينة حديثة للأغنياء فقط..
أخذ من مكان مولده بعض ملامحه.. طيابة أهل الشعبى.. والتزام طبقته "المتوسطة" ولحظة ميلاده فى عام "الضباب".
نشأة بهاء البسيطة منحته فرصة التعليم المصرى المجانى حتى الثانوية العامة.. ومنحته فرصة مجانية أخرى لدراسة الموسيقى فى كلية التربية الموسيقية.
جذور بهاء الشعبية لم تكون وحدها هى سر "تكوينه".. والده المصرى تزوج من "بحرينية".. ومنحت تلك الزيجة بعدا عربيا لبهاء وثقافة أخرى أبعدته إلى حد ما عن "الاختلاط والذوبان الكامل" فى روح مصر.
التزامه الأسرى منحه فرصة سماع القرآن وتجويده.. واقترب به من عالم المبتهلين وبخاصة العبقرى محمد عمران.. سلطان الإنشاد والتلاوة.. بهاء صوته خليط من كل ذلك.. ومنحه نصر محروس ومصطفى كامل لحظة البداية ضمن كوكتيل صدر فى نهاية تسعينيات القرن الماضى.. بأغنيته "احلف" التى نجحت وقتها نجاحا مبهرا.
ولأنه لا يملك كفاءة الاختيار تاه طويلا وسلم نفسه للآخرين.. فنجح مرات وفشل كثيرا.. لكنه وللأسف.. تاه مثلما تاه شاكر عقب وقوعه فى أزمة نفسية إثر تعرض أسرته لهزة عنيفة بعد وفاة شقيقه الأكبر ومن بعده والده.. وهذا ما أبعده لسنوات.
بعد زواجه من السيدة جيرمين وكرم الله له بأربعة أبناء.. عاد بهاء.. ولكن قضية احتكار صوته عطلته كثيرا.. قبل أن يغادر شركة منتجه الأول وصانع نجوميته نصر محروس.
عاد بهاء.. لكنه لم يجد نفسه.. بعد أن قدم خلال الفترة الأخيرة ما يزيد على ثلاثين أغنية "سينجل" وبعض الأغنيات الدرامية فى السينما والتليفزيون آخرها "أنا غلطان" و"صاحبى"، والأخيرة كانت فى مسلسل "ولاد الشمس".
هذا الأسبوع.. قدم بهاء ألبومه الجديد "رسينى".. من خمس أغنيات.. "مينى ألبوم" شارك فى صناعتها عزيز الشافعى ومدين وأيمن بهجت قمر وخالد تاج الدين وتامر حسين.
أغنيات بهاء الجديدة لم تحقق ما توقعه جمهوره الذى وجد أنها عادية.. رغم محاولات الشافعى اللحنية واختلاف أيمن قمر وخالد تاج الدين.
بهاء.. صوت مصرى أقرب إلى كمنجة عبده داغر الذى يعشقه بهاء.. وروح وأداء الفذ محمد عمران.. ويمكنك أن تقول بأنه الصوت الرجالى الوحيد فى مصر حاليا لكنه لا يعرف ماذا يغنى.. أو كيف يغنى.. ولمن.. وفى أى توقيت..
"بطريقة مش مناسبة
ما تليقش با اللى بينا
مشيت وفاجأتنى
لا منك لسه جنبى
ولا منك سيبتنى"..
يحاول تامر حسين هنا اقتناص معنى جديد للحظة فراق معتادة.. لكنها تليق على أنثى.. وليس رجلا.. ليس مهما.. فبهاء نفسه مثله تماما مثل فضل شاكر يطربه النغم.. ويبعده عن محاولة فهم ما يغنيه.
"ميدالية مفاتيح" أغنيته المغايرة فى الألبوم.. أغنية حاول أيمن بهجت قمر أن يكون فيها مختلفا عما هو سائد.. لكنها ليست أغنية بهاء.. ولا تلك المفردات مفرداته.. وهذا ما حاول خالد تاج أن يقدمه له فى أغنية "الطيبين" وهى الصورة الأقرب لبهاء وشكله وحالته..
"الطيبين بقوا معجزات
عشان كده
ما بقتش ليك والحب مات
أرجع لمين.. وأرجع لإيه
ما انا مش هاعيش لسد خانات".
أغنية درامية بامتياز حاولت استغلال قدرات بهاء الصوتية ما بين القرار والجواب.. وهى الأقرب فى تصورى لصوته.. لكن جمهوره لم يستقبلها أيضا بما يليق بها وبه.
نحن أمام "حالتين" تلخصان توهة صوتين من أجمل الأصوات الموجودة فى عالم الغناء العربى حاليا.. تلك التوهة التى أعتبرها أمرا عاديا فى ظل غياب أى معايير لهذه الصناعة المهمة.. صناعة الموسيقى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...