العرض المسرحى "بألف جنيه" الذي قدمه المخرج ماير مجدى على مسرح الحياة يطرح رؤية إنسانية للذكاء الاصطناعي ليس هجاء أو مديحاً بل رؤية تمتدح الإنسان وقدرته على الحياة،
في عرض اعتمد على بنية قوامها الصورة والحوار ما بين الشاشة وخشبة المسرح، من خلال امرأة قررت أن تدخل عالم الذكاء الاصطناعي، أحدث صيحة في عالم التكنولوجيا، حيث برمجت نفسها ودخلت ما أطلقت عليه عالمها الجديد حتى تستهدف الشخصيات التائهة والمغيبة وإلغاء إرادتهم وجعلهم يعتمدون على شخصيات ذكية اصطناعياً، شخصيات بلا روح كما قدمت نفسها ومشروعها للجمهور عبر الشاشة، ثم تقرأ من كتاب حول هذا الفكرة وتبدأ بنفسها قائلة «لا بد أن أنتزع روحى من داخلى وأضع خوارزميات فى هذه الشريحة»، وتلغى عقلها، وهو ما سوف يؤهلها لتأدية مهمتها أو تحقيق أهدافها.
وسوف تستخدم المرأة ثلاث شخصيات تم تحويلهم إلى كائنات تعمل بالذكاء الاصطناعي على الرغم من الجزء الإنساني الذي ما زال باقيا في داخلهم وسوف يؤدون أدوارهم فى العرض كائنات تجمع بين الإنسان والروبوت، ومن خلال هذه الشركة أو المعرض كما تسميه تنتظر الشخصيات التائهة التي تبحث عن حلول لمشاكل الحياة وتبيع أو تؤجر لهم شخصية من شخصياتها المعدلة والتي تمت برمجتها وفقا للذكاء الاصطناعى، ليحل لهم مشاكلهم بعد أن يتم برمجة المشترى الذى يبتلع كبسولة، وتضع ساعة في يده متصلة بالبرنامج الذي استعانت به عبر جهاز الكمبيوتر، في فضاء مسرحى يجسد هذا العالم وتشى مفرداته بطغيان التكنولوجيا وسيطرتها على الإنسان المعاصر.
في المنتصف فاترين دائرى لعرض الشخصيات حيث تقف الشخصيات الثلاث كل في خانة مستقلة على هيئة تماثيل، وإلى يسار المسرح فضاء المرأة التي تمسك بخيوط الشخصيات وأطراف الحكاية وإلى اليمين فضاء الشخصية التي تستعين بهذا المعرض لحل مشاكلها، وثمة إضاءة تتناثر في هذا الفضاء توحى بسيطرة الآلة وعالم التكنولوجيا على الإنسان المعاصر، وبين الحين والحين تتدلى شاشة في المنتصف تظهر من خلالها المرأة في بداية العرض، حيث يتم المزج بين الواقعي والافتراضي للدلالة على سيطرة هذا الواقع الاصطناعي على الواقع المعاش، ففى البداية ثمة حوار بين الشاشة والصالة حيث تحيل الشاشات في المسرح بشكل عام المشاهد إلى عالم مواز، فهذه المادة السينمائية التي يتم استخدامها عبر الشاشة ليس فقط مجرد محاولة لخلق مكان آخر للأحداث أو إيحاء بوجود عالم مواز للحدث الذي تدور وقائعه على خشبة المسرح، فما تعرضه المرأة يجسد التفاعل بينها وبين وسائط التكنولوجيا ويعيد تشكيل التصورات عن الشخصيات الواقفة على خشبة المسرح الحي الذي سوف يشاهدها الجمهور بمن فيهم المرأة، حيث يتم تجسيد الفكرة عبر الشاشة في دلالة على أهمية ومحورية عالم التكنولوجيا الذي يمثل البنية العميقة للعرض، ليستقبل هذا العالم المصطنع الشاب يوسف الذي جاء مهموما حزينا يائساً، قاصداً هذا المعرض لحل مشاكله، وتبدأ التجربة على الشاب كفار، تجرب فيه المرأة مشروعها التكنولوجي وأفكارها التي تعتمد على الذكاء الاصطناعى من خلال مشاهد تجمع بين الكوميدي والمأساوى في دلالة على سخرية العرض من هذه الفكرة.
ويتعامل الشاب مع النماذج الثلاثة، النموذج الأول الذي يخبره أن الحل فى المظاهر، فمن المفترض حتى يشعر بالسعادة أن يرتدى أحدث صيحات الموضة، ويستخدم أحدث وأغلى جهاز موبايل وأيضا نوع فاخر من الساعات، وفي خلال أيام تضيع مدخراته دون أن يحقق الهدف، فيعيد هذا الكائن /الروبوت وهو ما زال في قمة غضبه ويأسه، وتقترحالمرأة أن يستبدله بكائن آخر، فيقترح عليه الروبوت الجديد أن يكون الحل فى الفنون والإبداع ولكن هذا الروبوت لا يقدم له إبداعا حقيقيا، فلا يقترح سوى النساء والرجال، وخرق أعراف المجتمع، يقدم له أفكارا مزيفة فيضج منه ويعيده للمعرض، وهنا المبلغ تقترح أن يترك أخاه الأصغر مع الروبوتات الرقص، والدعوة إلى اختراق العادات والتقاليد بين الحل الأخير أن يستبدله بفتاة / روبوت ولكن السعر أغلى ليس ألف جنيه، بل خمسة آلاف، ولأنه لا يملك الأخرى حتى يدفع.. في دلالة على قسوة وتجرد هذه المرأة من إنسانيتها.. الفتاة / الروبوت خالية من المشاعر أيضا، مزيفة لا تمنحه سوى مزيد من الثرثرة الفارغة، وهنا يثور الشاب على هذه الأوهام ويعيدها إلى معرض الكائنات المصطنعة غاضبا وقد سيطر عليه اليأس، ويناجى نفسه في رحلة بحثه عن اللغز المفقود حتى تصبح حياته كاملة، حين قرر الذهاب إلى معرض البشر الذين يعيشون بالذكاء الاصطناعي فلم يجد إلا الوهم وبعد أن جربهم جميعاً يقول: ربما لا أحتاج أن أكون شخصا آخر، أحتاج أن أكون نفسى وأن أعود إلى طبيعتي، ثم يغمض عينيه وبدلا من الشاشة المحدودة يمتلئ فضاء المسرحأو قل يتحول إلى شاشة سينمائية مع صور تجسد عظمة الحياة الإنسانية وقيمتها مع مونولوج يناجي الخالق يتردد في فضاء الحكاية أنت تعطى الكل أنت تطعم الكل، أنت تذكر الكل دون أن تنسى أحدا..... وهكذا».. وتتلاشى الإضاءة.
في هذا العرض نحن أمام رؤية معاصرة لقضايا الإنسان وصورة حية لضحايا التكنولوجيا أو قل أزمة الوعي في التعامل مع منتجات العصر التي يتعامل بها السواد الأعظم من الناس مع التكنولوجيا والتي لا يعرفون أنها محدودة وأنها من صنع الإنسان.. لم يستخدم المخرج المسرحى ماير مجدى الذي كتب أيضا هذا النص الذكاء الاصطناعي في إنتاج عرض كما فعل آخرون، وأقصد استعان بخاصية شات جي بی تي لتكتب له شخصيات وأحداثا، كما حاول بعض المخرجين، لكنه ناقش هذه الظاهرة من خلال شخصیات حية تحولت إلى مجرد آلات وسواء مفردات الديكور التي صممها عبدالله محروس أو الإضاءة والأداء التمثيلى لم تنفصل هذه العناصر عن الفكرة التي وضعها المخرج، فجاء الأداء في أحيان كثيرة أقرب إلى أسلوب البيوميكانيك، حيث الأداء الذي يغلب عليه الطابع الآلى والذي يخلو من الشعور ويجسد الفكرة ويدل بقوة على رؤية المخرج.
المرأة التي خاطبت الجمهور من خلال الشاشة «سهر ناصر» في دور ميرى كانت تؤدى بصرامة وحزم مثل آلة تحفظ كل شيء، أداء يخلو من المشاعر الإنسانية ونجحت في تجسيد هذه الحالة الشخصيات أو الروبوت الثلاثة دينا بدر الدين، محمد شعبان، أحمد الطيب تنوع الأداء لديهم بين المشاعر الإنسانية وتجسيد صورة التماثيل مع السكرتيرة ريم نجم الدين التي كانت أكثر إنسانية ولم تندمج معهم إلا قليلا، كانت ثائرة وغاضبة على هذه الفكرة وتعمل معهم من أجل أكل العيش كما ذكرت، ووحده يوسف إسلام السيد الشاب الضحية، أدى خارج هذا السياق واحتفظ بالطابع البشرى، فهو الشخصية الوحيدة التي تسعى للتمسك بالحياة الطبيعية، فجاء دوره ليحث على التمسك بالعقل والإرادة الإنسانية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...