الإرادة والموهبة والطبقة، ثلاث مفردات رسمت حياة الفنان الكبير «زكى رستم»، كانت إرادته صلبة فتمكن من هجر سراى العائلة الغنية التى تمتلك الأطيان والسلطة السياسية فى العصر الملكى،
وكانت موهبته كبيرة فدعمت مغامرته ومنحته الحضور فى وجدان الملايين من عشاق تمثيله السينمائى والمسرحى، وكانت الطبقة التى ينتمى إليها قاسية، فجعلته يدفع ثمن الموهبة وثمن التمرد على قانونها الذى يفرّق بين الناس ويضع الممثل فى أدنى السلّم الاجتماعى ويعتبره «المتسوّل والشحاذ» ورغم انضمام «زكى رستم» إلى «البلاتوه» وهجره «السراى» ظل وحيداً، ليس له علاقة بالبلاتوه غير الوقوف أمام الكاميرا لبضع ساعات وتأدية المشاهد المكتوبة فى السيناريو، فلم يكن له أصدقاء من الفنانين غير عبدالوارث عسر وسليمان نجيب، وكان يعيش وحيداً فى شقة له فى عمارة يعقوبيان فى وسط القاهرة، وكان له خادم يعد له طعامه، وله «كلب» يصحبه فى جولات صباحية، ثم يعود إلى الشقة ليقرأ الكتب، فليس له زوجة والوحدة التى فرضها على نفسه، أشبعها بالزيارات التى يقوم بها إلى ملجأ للأيتام فى حى الزمالك، وكان ينفق على عدد منهم ما يكسبه من التمثيل، وهو نفسه الرياضى الذى حاز المركز الثانى على مستوى المملكة المصرية فى رفع الأثقال، ووالده كان من قيادات «الحزب الوطنى» وكان مقرباً من الزعيمين مصطفى كامل ومحمد فريد، والحزب الوطنى كان صارماً فى السياسة، لايعترف بالاحتلال ولايهادن، وربما هذا التوجه السياسى لوالد الفنان زكى رستم، يوضح لنا سر القوة والوضوح الذى شكّل ملمحاً مهماً من ملامح شخصية هذا الفنان العبقرى، الذى اعتبرته مجلة «بارى ماتش» واحداً من أعظم عشرة ممثلين على مستوى العالم، وبلغت مشاركاته السينمائية مائتين وأربعين فيلماً، لانعرف منها غير خمسة وخمسين فيلماً، وهذا العدد الكبير من الأفلام، جاء بعد عمله فترة طويلة فى الفرق المسرحية التى كانت تعمل فى عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين ،فكان عضواً فى فرقة «جورج أبيض» و»الفرقة القومية» التى كان يشرف عليها الشاعر خليل مطران، ومن أجل الفن غادر «زكى رستم» مجتمع الباشوات، ولم ينخرط فى مجتمع الفنانين، وعاش بشروطه، حتى غادر الدنيا فى «15فبراير 1972» وبقيت أفلامه: أين عمرى، نهر الحب، الحرام، عائشة، موعد مع إبليس، وغيرها شاهدة على موهبته الفذّة وعبقريته وعشقه الصادق للفن.
عائشة.. فيلم روائى قدم الدليل على أن الحب أقوى مـن المجتمع
فيلم «عائشة» من تأليف وإخراج «جمال مدكور» وهو من الأفلام التى ظهرت فيها قدرات «زكى رستم» التشخيصية، المعتمدة على إعادة إنتاج خبرات منقولة من مجتمع غير مجتمع نشأته الأولى، فهو من مواليد «حى الحلمية» الحى الذى تسكنه الطبقة الغنية، ولم يعش يوماً فى حى «القلعة» أو «الخليفة» الشعبى الذى تسكنه الطبقة الفقيرة، ورغم هذا التناقض، استطاع ـ رستم ـ أن يقنعنا بشخصية «مدبولى» وهو رجل يعيش على بيع ورق اليانصيب وسرقة فلوس الغافلين، وله ثلاثة أطفال يجبرهم على الطواف فى الشوارع لجمع المال بالسرقة وبيع الورق، ومن الوجهة التمثيلية، احتوت شخصية «مدبولى» على كل ما فى شخصية اللص الصغير من حقارة وحب للمال واعتباره الهدف الأكبر الذى من أجله يقتل ويسرق ويكذب، واحتوت المشاهد على مواقف فرضت على الفنان زكى رستم بذل مجهود كبير لإقناع الجمهور بالشخصية، وتمثل هذا المجهود فى جانب حركى وجانب نفسى وجانب الكتلة، فالجانب الحركى الذى تمثل فى طريقة المشى، وفتح «المطواة» والوقوف على الناصية لبيع ورق «البخت» كان ـ زكى رستم ـ موفقاً فيه، وكذلك الجانب النفسى، والجانب الخاص بتوظيف كتلة جسده، وما عليه من ملابس، وما تفرضه الشخصية من استعراض القوة وإصدار الأصوات بطريقة معينة بهدف إرهاب الخصوم، وفى الفيلم أيضاً ظهرت قدرة ـ زكى رستم ـ على الانتقال من حال إلى حال، فى أقل من الثانية، فهو كان فى الملهى الليلى يصفق ويغنى ويداعب الراقصة، ودخل ولده الطفل وهمس فى أذنه بخبر، فتحوّل الفرح إلى حزن وذهول، وكانت الكاميرا فى اللقطة المقربة «كلوز» هى التى منحت المشاهد فرصة الانبهار بقدرات هذا الممثل، الذى كان من رموز مدرسة الاندماج الكامل، أما قصة الفيلم فهى قصة مناسبة لزمنها، فيها روح ثورة 23 يوليو التى قامت على شعار طرحه الرئيس «جمال عبد الناصر» هو «تذويب الفوارق بين الطبقات» بطريقة سلمية، وهذا الشعار له ممثل فى الفيلم «دكتور سامى» وهو ابن الطبقة المتوسطة الذى درس الطب وأصبح من أطباء الجراحة فى قصر العينى، وله أخت جميلة «زهرة العلا» تدرس فى القسم الثانوى ومعها «عائشة» ابنة «المعلم مدبولى» وبالطبع لم يكن «مدبولى» اللص البلطجى هو من أرسل ابنته إلى المدرسة الثانوية، بل هو «يحيى بك» صاحب القلب الرحيم ـ الفنان عبد العزيز أحمد ـ الذى ماتت زوجته وابنته فى حادث ورأى «عائشة» وهى تسرح فى الشوارع ومعها ورق اليانصيب، ورأى فيها صورة من ابنته التى ماتت وتركت فى قلبه الجرح العميق، واتفق «يحيى بك» الغنى على استضافة «عائشة» فى بيته، ووافق والدها «المعلم مدبولى» مقابل راتب شهرى يتسلمه من الرجل الطيب «يحيى بك» ومضت الأحداث، حتى انكشف أمر «عائشة» فهى تقول للناس إن «يحيى بك» هو والدها، والطباخ الذى يعمل فى بيت زميلتها «شقيقة دكتور ممدوح» عرف السر، وأخبر «الهانم الكبيرة والدة دكتور ممدوح» ولما قرر «ممدوح» الزواج من «عائشة» رفضت الهانم، خوفاً من كلام الناس، وخوفاً على اسم العائلة، وحفاظاً على التقاليد الموروثة، ولكن الحب الذى نما فى قلب دكتور ممدوح، والتعلق الذى أبداه بالفتاة الجميلة «عائشة» جعل «الوالدة» توافق على الزواج، وانتصر الحب على قوانين المجتمع فى النهاية.
عزت العلايلى.. رسم صورة «عبد الله النديم» فى أذهان الجماهير
منذ شهور توفى دكتور «محمود عزت العلايلى» وكان يعمل طبيب أسنان، ويكتب فى الصحف مقالات مهتمة بالشأن العام، وكان شديد الشبه بوالده الفنان الراحل، ولكن من المعلومات المتاحة عرفت أن «عزت العلايلى» المولود فى «باب الشعرية» بمدينة القاهرة، تولى مسئولية تربية إخوته الأربعة بعد وفاة والده، وهذا ما جعل ظهوره الفنى يتأخر، لأنه وجد فى التليفزيون فرصة عمل فى قسم الإعداد وقضى سنوات يعمل فى هذا القسم حتى يضمن الدخل الثابت الذى يمكنه من توفير ما يحتاجه إخوته من مصاريف، وهذا موقف نبيل منه، ورغم حصوله على بكالوريوس الفنون المسرحية، تعطّل عمله فى المسرح والسينما، لأنه كان يقوم بعمل إنسانى، ومن يدقق فى الأدوار التى قدمها الفنان «عزت العلايلى» سوف يجد فيها اتساقاً مع القيم والمُثل العليا التى كان يؤمن بها، ومن أشهر هذه الأدوار «عبدالله النديم» فى مسلسل «النديم» الذى كتبه الراحل يسرى الجندى، كان «عزت العلايلى» ماهراً فى رسم صورة صحفى الثورة العرابية المناضل الوطنى وأصبح «العلايلى» و»النديم» يمثلان الفن والتاريخ، أو بطريقة أخرى يمكن القول إن «النديم» أصبح فى أذهان الجماهير مجسداً فى صورة عزت العلايلى الذى رحل عن الدنيا فى «5 فبراير 2021» وعاش فى قلوب الناس.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...