رحلوا قبله وما زالت أغنياتهـم على لسانه.. وستظل
كالعادة.. فجأة، أعلن الجميع أنهم حزانى على فراق مبدع مصرى.. اختلفوا عليه وحوله عشرات السنوات.. وظل الرجل ما يزيد على نصف قرن فى الواجهة.. غاب منذ ارتكب أحدهم حماقة كبرى أودت بنصف "قلب الرجل وعقله"، وظل باقى جسده يقاوم، لكن بقيت أغنياته شاهدة على تحولات مصر الكبرى من النكسة إلى الانتصار.. من العداء الكامل لآل صهيون إلى الاستسلام والصلح والسلام.. أو ما اعتبرناه بفعل السياسة سلاما.
رفضه المثقفون والساسة والكتبة والرقابة لسنوات، واستقبلته السينما والحارة وأشرطة الكاسيت.. وفى كل ذلك كان حوله رجال آمنوا به وبموهبته "الفذة" المتمردة، واعتبروه "فلتة" عصره.. سايروه فى بعض الأحيان، وساروا معه فى أحيان أخرى، واستفادوا جميعا من تفرده.
هو "المرحلة" الأهم فى تاريخ الغناء الشعبى، بعد انكسار رشدى وأفول نجم عبدالمطلب، ومرض قنديل، وتوهة محمد العزبى.. هو المرحلة الفاصلة بين تاريخين للغناء الشعبى.. قبله "نضج" لم يصله أحد ممن أتوا فيما بعد.. وبعده غناء لا علاقة له بالشعب، وإن نعتوه به استسهالا وأنانية وتعاليا على الشعب وأغنياته فى أغلب الأحيان.
يحتاج عدوية إلى قراءات عدة من مداخل مختلفة، أولها أولئك الرجال الذين ساندوه وآمنوا به ومنحوه بعضا من روحهم.. فمنحهم "البقاء" إلى جواره وعبر حنجرته لسنوات أبعد.
مأمون.. أول الرجال المحترمين
عندما نادت "طيرة الفن" على عدوية.. لم يكن سوى مجرد طفل بائس لأسرة متوسطة الحال يعيش فى إحدى قرى المنيا بصعيد مصر.. كان ترتيبه الثالث عشر بين إخوته.. ولم يكن حال الأسرة يسمح لأن يذهب أحدهم خلف "الموالدية".. فطردوه من المنزل ومن المنيا بحالها.. جاء إلى شارع محمد على ليعمل فى مقهى.. ويتابع "أهل الفن".. ذهب خلفهم فى الأفراح "يشيل العدة" ويسهر معهم.. تعلم العزف على آلة "المزهر"، وسحبه الإيقاع إلى عالم الليل.. لم يكن يدرك أنه وسط "الآلاتية" سيكون له دور.. صوته العذب كان يلفت أنظار الجميع.. لكن متى سينطلق؟.. أحمد المرسى، وهذا هو اسمه الحقيقى، لم يكن يعرف.. حتى عندما حانت الفرصة وغاب المطرب - مطرب الفرقة - عن الفرح وحل بديلا له.. لم يكن يعرف أنه سيغنى مرة أخرى.. لكنها كانت البداية لأهم "مشروع" غنائى فى سبعينات وثمانينات القرن الماضى.
فى ذلك الوقت.. كان الشاعر الكبير مأمون الشناوى صاحب الروائع لأم كلثوم وحليم ونجاة هو المستشار الفنى لشركة صوت الحب، والصديق الأقرب لصاحبها عاطف منتصر.. الذى كان قد منح الفرصة لكثيرين للتجريب والعمل بعيدا عن سكة "حليم" و"أم كلثوم".
وسمع "الشناوى" عدوية.. وقرر المجازفة به وبأغنيته الغريبة "السح الدح امبو".
لم تكن أغنية جديدة.. كان قد أطلقها "الريس بيرة" منذ سنوات طويلة ويعرفها مطربو الأفراح ويغنونها.. وغناها شكوكو أيضا.. ومن الذين غنوها "عدوية نفسه" الذى لم يجد غيرها حينما ذهب لمنتصر والشناوى.. وأطلقاها فى منتصف عام 1969 وقبل وفاة عبدالناصر بقليل فى اسطوانة.. أغنية وحيدة لا تؤنسها أغان أخرى.. وكانت العاصفة.
حصل عدوية على عشرة جنيهات كاملة نظير غناء "السح الدح امبو".. ثم طلب عشرة أخرى حينما نجحت.. وقد حصل عليها بالفعل.
الريس بيرة، واسمه الحقيقى خليل محمد.. هو الذى أنقذ عدوية من مهنة "القهاوى"، وهو الذى منحه أولى أغنياته كما منحه عشرات الأغنيات التى أحدثت صدى مهولا عند إطلاقها.. ومنحه مأمون الشناوى فرصة الظهور عبر الكاسيت، كما كتب له أيضا
"سيب وانا أسيب"..
"الحب دنيا حلوة
ما هى كورة مدورة
بتلف علينا لفة
ما هى دنيا صغيرة
والقرب نصيب
والبعد نصيب
والأمر خطير والحب كبير
وتقولى سيب.. طب سيب وأنا أسيب".
أبو عتمان.. حلاق المحلة المظلوم
أحد أهم الذين صاغوا تجربة عدوية هو الشاعر حسن أبو عتمان.. كان موظفا فى شركة غزل المحلة يكتب اللافتات لأنه كان "خطاطا بارعا".. لكنه بعد عشر سنوات من العمل ترك "الغزل والنسيج" وقرر افتتاح محل حلاقة.. وبرع فى مهنته الجديدة.. لكن حبه للشعر أغراه بإغلاق المحل والذهاب إلى القاهرة حيث شارع محمد على، ليلتقى بمحمد رشدى ويقدم له أولى أغنياته "عرباوى" من ألحان حلمى بكر، وأتبعها بـ"حسن المغنواتى".. ورغم نجاح عرباوى فإن شهرته الكبيرة جاءت مع عدوية.. حيث كتب له "زحمة يا دنيا زحمة" التى لحنها هانى شنودة، مثلما كتب له "سلامتها أم حسن" و"كركشنجى دبح كبشه" وعشرات الأغنيات الساحرة والساخرة فى آن.. وأشهرها بالطبع "بنت السلطان" و"عيلة تايهة يا ولاد الحلال" و"يا اختى اسملتين".. و"ستو" والأخيرة إحدى عجائب التجنيس اللغوى وهندسة الحروف قبل أن يتحدث الحداثيون عن "الجناس التام والناقص" وتداعى الحروف..
"ستو بسبستلو
بسبوسة بالسمن والسكر
والعسل
عسل وكسّل يا حوسة
عاطل ونايم فى العسل".
ولم تكن أغنيات أبو عتمان لتدرك النجاح لولا ألحان محمد عصفور، وهو عازف الأكورديون الذى حاز ما يقرب من ثلثى تجربة أحمد عدوية، وأقرب من لحن له إلى الشارع المصرى وشعبياته التى تختلف عن شعبيات الموجى وبليغ حمدى ومنير مراد.
من الملحنين الكبار الذين آمنوا بصوت عدوية كان بليغ حمدى.. وقد لحن له أربع أغنيات هى الأجمل فى تاريخه.. "القمر مسافر" وهى من كلمات بليغ نفسه.. و"غريب يا واد يا بنج" و"يا اختى اسم الله.. اسملتين" و"الأونا" ومثلما فعل بليغ فعل سيد مكاوى، الذى أحب صوت عدوية ومنحه من طربياته "سيب وأنا أسيب" التى كتبها مأمون الشناوى.
ولم يكن الأسطى الكبير صلاح جاهين بعيدا، فقد كتب له "قلق" مثلما كتب له الأبنودى "يا حب بحرى البلد".
كثيرون فى حياة أحمد عدوية أسهموا فى صناعة الاسم والتجربة التى ستظل فى حاجة إلى دراسة حقيقية.. وأسهمت السينما وبخاصة بألحان حسن أبوالسعود والمواويل المرتجلة فى منح عدوية "نجاحا إضافيا" وذاكرة لا يمكن محوها.
خمس سنوات وخمسون.. هى عمر تلك التجربة.. وإن كانت قد توقفت فعليا عقب الحادث الذى تعرض له.. خمسون سنة من الغناء الشعبى المختلف حوله وعليه.. لكنه فى النهاية نهاية لعصر من الغناء الحقيقى المعبر عن تحولات اجتماعية مهمة فى عمر بلادنا.
بعد عدوية.. لم يعد هناك سوى تلميذه حكيم.. الذى استطاع بمهارة الابتعاد عن شكل أستاذه.. وبعد حكيم، ذهب الشعبيون إلى عالم آخر.. اختفى الغناء وبقى "الشعب" يلهو ويعبث فى مواجهة تحولات لا يمكن التعبير عنها
"زحمة
وانا رايح له
وأنا وسط الزحام
عايز يسمع وأقوله
ما بيوصلش الكلام
بينى وبينه معاد
وهيروح المعاد
زحمة ومعطلانى..
وان رحت وما لقيتوش
اخاف أروحله تانى فى ميعادى ما القاهوش
كتير الناس كتير.. وأنا عايز أركب وأطير"..
ذهب عدوية فى موعده.. طار.. وبقى الغناء الشعبى يبحث له عن صاحب فى هذا المولد الكبير.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شهدت الدورة الثامنة والتسعون من جوائز الأوسكار ليلة سينمائية حافلة بالإنجازات واللحظات اللافتة فى مسرح دولبي فى هوليوود،
10 سنوات قضاها «زكى» فى كتابة السيناريو.. وكان يفترض تنفيذ الفيلم بـ«منحة فرنسية» «شاهين»: رشحتك مدير مواقع التصوير بـ«المهاجر».. ومستنى...
لا يحتاج الشيخ محمد صديق المنشاوى تقديماً، هو من أصحاب المدارس فى التلاوة، رغم انتساب مدرسة المنشاوية لوالده الشيخ صديق،...
بعد سنوات من الغياب، عاد الفنان الكبير محمد صبحى ليطل على جمهوره في موسم رمضان 2026 من خلال المسلسل الإذاعى...