فى ذكرى رحيلها.. صورة من بعيد للمتمــردة سناء جميل

فى اللغة سَنَت النار تسنو سناءً، أى علا ضُوؤها، والسنا «مقصورة» أى ضوء النار، وقد أسنى البرقُ إذ دخل سناه عليك بيتك، وسنا البرق أى سطع، وسنا فلان إلى معالى الأمور سناءً..

 وتقول العرب أيضاً السناء من المجد والشرف والرفعة. ودون شك كان زكى طليمات يعى جيداً الاسم الذى اختاره للفتاة الصغيرة التى كانت تدعى وقتذاك ثريا يوسف عطالله، اختار ليس فقط اسماً بل ولقباً، اختار ما يناسب صفات وإمكانيات هذه الممثلة الموهوبة، التى كانت حين تؤدى مثل ضوء البرق الذى يتسلل إلى بيتك وقلبك وعقلك. والسنا هو ضوء النار وليس النار، السنا هو ضوء البرق وليس البرق، وهكذا كانت سناء جميل 27 أبريل 1930 - 22 ديسمبر 2002.

1

ما يلفت النظر عند هذه الممثلة هو أسلوب الأداء الذى كان مختلفاً عن جيلها ودون شك كان نابعاً من خصوصية الشخصية عندها والذى ساهم فى تكوينه بشكل عام مجموعة من العناصر، هى الموهبة، الدراسة والتعليم، الخبرة الحياتية، الصدق والإخلاص للهدف، الوعى بقيمة الفن بشكل عام وخصوصاً فن التمثيل فقد مُنحت موهبة كبيرة وتعلمت جيداً فى المدارس الفرنسية ودرست هناك الأدب وأيضاً المسرح واشتركت فى فريق التمثيل وأصبحت رئيسة الفريق فى سن مبكرة، وفيما بعد درست المسرح فى معهد التمثيل.. فهى خليط من الفتاة الصعيدية التى تحمل فى وجدانها عادات وتقاليد الأسرة، مع الدراسة فى المدارس الفرنسية «المردديه» والدراسة فى معهد التمثيل، الذى تخرجت فيه 1954 جعل هذا منها صاحبة أسلوب متميز يشعر معه المشاهد أنها تؤدى أداءً طبيعياً كالماء والهواء فلا يشعر أنها تؤدى دوراً أى لا يشعر أنها تقوم بعملية تمثيل، وكما كانت العرب تقول حينما تستحسن شعراً تصفه بأن صاحبه يخفى سر الصنعة... ولنتأمل عدة أدوار أو قُل إنها محطات رئيسية فى مشوارها التمثيلى: -نفيسة - بداية ونهاية / حفيظة - الزوجة الثانية /- سمية - الرسالة / - لطيفة هانم - سواق الهانم /- أم سيد - اضحك الصورة تطلع حلوة / - المعلمة فاطمة المعداوى - الراية البيضا، أميمة القناوى / مونودراما الحصان، كلارا / زيارة السيدة العجوز. ليلاحظ المشاهد أنها منذ البداية قررت البعد عن أساليب التمثيل المبالغ فيها كما كان شائعاً فى تلك الفترة، واللجوء إلى أسلوب أكثر طبيعية واعتيادية.. لا يتجاوز فيه الممثل الشعور الذى يخامره.. حتى يتلاءم الفعل مع الكلمة.. والكلمة مع الفعل!

سناء جميل كانت تترجم الشخصية تنقلها من مجرد كلمات إلى أفعال إنسانية، فالشخصية.. ترجمة ينشأ واقعها.. أى تتجسد وتصبح شخصية من دم ولحم حين يتجاوز الممثل نص المؤلف من خلال الأداء وتعرف الجمهور عليه.. ولكن كيف يحدث هذا مع سناء.. فى حوار تليفزيونى قالت إن شخصية نفيسة فى فيلم بداية ونهاية عكس شخصيتى، ولابد أن نتوقف أمام هذه الجملة ليس فقط للمقارنة بين الشخصية التى كتبها نجيب محفوظ فى بداية ونهاية وبين شخصية سناء جميل، بل لمعرفة أسلوب وفكر هذه الممثلة فى دراسة أدوارها، فالممثل يرى شخصيته من وجهة نظر الشخصية ذاتها التى يؤديها، لأن الدراما لا تتناول الأفكار المجردة بل الأفكار التى يجسدها التفاعل الإنسانى.. وأن تمثل أن تفعل.. فلم تكن سناء جميل تعلّق الكلمات على كاريكتور جسمانى بل كانت على يقين من أن الشخصية وظيفة تخدم القيم والنوايا / المظهر المطلوب / والحدث، وفى كل أدوارها تتساءل ماذا تريده شخصيتى من هذه الشخصية، ماذا تريد سناء جميل من نفيسة، حفيظة، فاطمة المعداوى، لطيفة هانم وغيرهن.

 2

لعبت الأقدار دوراً كبيراً فى حياة ثريا يوسف عطالله أو سناء جميل، حيث عاشت حياة أبوابها مفتوحة على الحلم، تعاند القدر الذى قرر أن ينال منها ولم يستطع، لتعيش حياة لا يمكن وصفها بالمأساوية ولكن القاسية منذ خروجها من ملوى مع الأسرة بعد إلغاء المحاكم المختلطة عام 1936 حيث كان الأب يعمل محامياً فى هذه المحاكم، وكان عمرها ست سنوات وفى سن الحادية عشرة التحقت بمدرسة داخلية «المردديه» بعد رحيل الأب والأم فى شهر واحد وفقاً لما روته.. وهناك كانت فرصة لممارسة التمثيل مع فرقة المدرسة وسرعان ما أصبحت رئيساً للفريق.. ويبدو من هذه المحطات أنها كانت تعرف ماذا تريد، تعرف طريقها.. وذكرت مرة أن الإنسان لا يعرف فقط ماذا يريد بل يشعر به.. وشعرت سناء جميل بميل نحو التمثيل فالتحقت بالمعهد بمساعدة شاب كان من جيرانها مطلع الخمسينات ولأن فى أعماقها ثمة جرأة وتحدياً ورغبة فى تحقيق الهدف لم تكترث بالعواقب التى وقفت فى طريقها، فحكاية دخول المعهد حفلت بالعديد من العقبات بدأت بحفظ مقطع شعرى بالعربية الفصحى من مسرحية مجنون ليلى لأحمد شوقى، بواسطة طالبة لا تجيد القراءة باللغة العربية أصلاً، فقط تجيد الفرنسية! فكتب لها جارها واسمه صلاح سيد أحمد الحروف بالفرنسية «أدركت أن السهم يا قيس واحد وأن كلانا للهوى هدفان» وأعجبت اللجنة بالأداء وهى لا تعرف أن الطالبة تقرأ بالفرنسية، وراح زكى طليمات يثنى عليها بعد الامتحان وطلب أن تقرأ قطعة ثانية ولأنها لم تتدرب عليها صارحته بالحقيقة فتفهم الموقف وساعدها فى تعلم العربية.. وليس هذا فقط بل كان المعهد يطلب موافقة ولى الأمر فلم تجد أمام رغبتها الجامحة فى التمثيل إلا تزوير توقيع ولى الأمر، الذى كان سوف يرفض.

 3

وحين كون العميد زكى طليمات فرقة المسرح الحديث ضم الطالبة الموهوبة مع أخريات مثل سميحة أيوب وفى يناير 1952 كانت لحظة فارقة فى حياة ثريا يوسف عطالله حين علم الأخ بالتحاق الأخت بمهنة التمثيل فخيرها بين البقاء فى البيت أو التخلى عن هذا الرغبة، وتقول «لم يكن يتخيل أننى سأغادر البيت على الفور بعد أن وجه لها صفعة كانت الأولى فى حياتها، وكان شتاء والمدينة تحترق وهى بلا مأوى وليس لديها نقود فمشت من غمرة حتى ميدان التحرير فلم تجد ملجأ إلا بيت زميلها سعيد أبوبكر الذى استقبلها بترحاب هو زوجته... ثم ألحقها زكى طليمات ببيت للطالبات، لتعيش سناء جميل حقية قاسية من حياتها كانت بمثابة معهد آخر ولكن لم يكن عميده زكى طليمات بل يد الزمن، الأقدار وقسوة الحياة التى تعلمت منها.. حكت كثيراً عن ستة جنيهات من المعهد ومثلها من المسرح الحديث وكان من المفترض أن تعيش وتأكل وتلبس وتسكن منها.. حكت كثيراً عن قرش صاغ عيش وقرشين جبنة.. طعامها اليومى.. فقد أكسبتها هذه التجربة ليس فقط الخبرة ودرس الألم، بل وانعكس هذا على أدائها الذى كان أقرب إلى الشعر، الشعر بمعناه العميق كفكرة، وقالت فيما بعد أنا أتذوق وأحب الشعر وأيضاً أفكر بالشعر... وكانت أيضاً تؤدى كما يكتب الشاعر قصيدته. لقد تركت فيها هذه الفترة جرأة وتحدياً ورغبة فى تحقيق الهدف.. تجسد بوضوح فى نظراتها التى يبدو فيها التحدى واضحاً.

4-

كان أول أدوارها مع زكى طليمات فى مسرحية الحجاج بن يوسف الثقفى وكانت تؤدى دوراً باللغة الفصحى، امرأة محاربة اسمها غزالة زوجة محارب وتوالت أعمالها مع زميلاتها وزملائها فى معهد التمثيل ومنهم زهرة العلا، سميحة أيوب، ملك الجمل، عمر الحريرى وعدلى كاسب، وشاركت فى مجموعة من المسرحيات العالمية، منها طبيب رغم أنفه لموليير وأدت دور الخادمة المشاكسة، بالإضافة إلى أعمال برنارد شو وشكسبير، وقالت: شعرت بنفسى مع نعمان عاشور فى مسرحية «الناس اللى فوق» ولكن أول عمل لاقى نجاحاً جماهيرياً وذاع صيته «الأحياء المجاورة» لأنيس منصور وفى هذا العرض وبينما كانت تراجع فى شباك التذاكر بعض البطاقات لأصحابها شاهدت أخاها يطلب بطاقة وحين عرضت عليه أن تدعوه وعرفها، عاد دون أن يشاهد العرض لكنها قالت فيما بعد كنت ألمح بعضاً من أهلى فى الصالة...!

قدمت ما يقرب من 50 مسرحية منها «زهرة الصبار» مع ماجدة وعبدالرحمن أبوزهرة وجمال إسماعيل من إخراج كمال يس، ومسرحية «زيارة السيدة العجوز» لدورينمات مع جميل راتب من إخراج محمد صبحى.. دور كلارا أو كلير الذى يناسب شخصيتها بقوة. وأيضاً مونودراما الحصان لكرم النجار من إخراج أحمد زكى والتى عُرضت عام 1983 على مسرح الطليعة، ومثلت مصر فى مهرجان قرطاج المسرحى عام 1983، وقُدمت فى افتتاح المهرجان على المسرح الوطنى، وقُدمت أيضاً فى افتتاح مسرح المنصور بالعراق 1984، واستمر عرضها 25 ليلة متصلة، والمسرحية تناقش فكرة الاستسلام للطموح الفردى دون المجتمعى والتى قد تؤدى فى النهاية إلى الشعور العميق بالعزلة والوحدة، وتجسد بقوة مساوئ قيم الانفتاح وتحولات المجتمع المصرى فى السبعينات، وفى هذه المونودراما بدأت أفكار التغيير الاجتماعى التى تصور المظاهر القبيحة للمدينة الحديثة، تبدو واضحة من خلال ما جاء على لسان البطلة «كيف يرقى مجتمع يمتطى كل واحد فيه حصاناً ويتركه جامحاً على هواه؟»..

 5

لكن البداية الحقيقية التى عُرفت من خلالها سناء جميل نفسها وتذوقت طعم النجاح كانت هدية مزدوجة من نجيب محفوظ وصلاح أبوسيف من خلال شخصية نفيسة فى بداية ونهاية عام 1959، ثم الزوجة الثانية مع نفس المخرج عن قصة أحمد رشدى صالح، وتوالت أعمالها السينمائية مع فيلم حكمتك يارب، والرسالة والمجهول للمخرج أشرف فهمى، ثم أفلامها مع أحمد زكى «سواق الهانم - اضحك الصورة تطلع حلوة» لتظل شخصية «نفيسة» نقطة الانطلاق لسناء جميل والتى اكتشفت من خلالها ماذا تريد هذه الفتاة المقبلة من الصعيد إلى الثقافة الفرنكفونية ثم معهد التمثيل، ماذا تريد من هذا الفن، فن التمثيل.

Katen Doe

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

فيلم
صلاح أبوسيف.. الأب الروحى للواقعية الجديدة فى الســــينما المصرية

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص