يا حمام بتنوح ليه؟.. رحيم مات !

الموسيقى الأهم بعد بليغ حمدى

منذ عشرة أيام فقط كنت معه.. سهرنا لأكثر من ثلاث ساعات.. استدعينا تفاصيل كثيرة من أيامنا الأولى ونحن نلهث فى شوارع القاهرة بحثا عن "هوية".. ضحك.. وغناء.. وعزف.. لكنه لم يخبرنى بأنه غاضب.. أو حزين.. أو مستاء.. كان يشعر بداخله بألم شديد بأن أحدا فى البلاد التى أحبها لا يعرف قيمة ما فعل.. وما قدم  للموسيقى المصرية فى 25 سنة مضت.

فجأة.. انفجر التايم لاين.. انفجرت مواقع التواصل تبكى حزنا على رحيل أحد أهم ملحنى مصر فى عهدها الحديث.. اكتشفوا فجأة أنه الأكثر تتويجا على منصات التكريم العالمية.. فجأة اكتشفوا أنه الوحيد الذى ينافس بليغ حمدى فى جمعية  المؤلفين والملحنين من حيث عدد مرات إذاعة ألحانه وموسيقاه.. اكتشفوا فجأة طيبة الفلاح الذى لم يفعل فى حياته القصيرة سوى أنه يغنى.. وأنه لم يكن يريد  من هذه الدنيا سوى أن نخبره بأننا نعرف ما يفعل وأننا نحبه.. مجرد كلمة كانت تكفى لكننا للأسف لم نقلها.

"باشعر ساعات أن الفضا خيمة

واشعر ساعات إن المدى قضبان

وساعات باحس إن البكا هيبة

تنزل مطر وتطهر الإنسان

باحلم يكونلى فى الغنا صاحب

باحلم يكونلى فى الوجود  عنوان"..

لم تكن كلمات إبراهيم عبدالفتاح التى كتبها لفيلم "حين ميسرة" ولحنها رحيم وغناها بنفسه سوى ترجمة لسيرة الرجل الذى عاش 25 سنة كاملة فى شوارع القاهرة يبحث عن "العنوان" .. تلك  هى القصة من أولها لنهايتها..

تعاونت مع محمد رحيم فى ثلاث أغنيات فقط طيلة هذه السنوات التى تزيد على العشرين.. لكننا التقينا كثيرا وتهاتفنا بالساعات وبشكل شبه أسبوعى.. لم يتغير لحظة.. دائما يتحدث عن "المزيكا".. عن جملة أعجبته.. عن نغمة يطاردها.. عن رد فعل لمعجب أعاد غناء أحد ألحانه فى نيجيريا أو باكستان أو كندا.

عرفته أول مرة مطلع عام 1998.. كنت قد كتبت عددا من الأغنيات وظهرت للناس.. وكان قد أصدر أغنيته الأولى "غلاوتك" مع عمرو دياب وأغنية أخرى لنوال الزغبى وثالثة لمحمد فؤاد.. كان يجلس مرحا يضحك مع طوب الأرض.. فيما يغازله الشاعر  الصديق أحمد مرزوق.. ولم تمض ساعات حتى صرنا أصدقاء.

بعدها بسنوات.. كنت  فى شقته فى أول الهرم أحاور والدته الشاعرة إكرام العاصى.. كنت أنظر بانبهار للأم التى تركت كل شىء وجاءت خلف طفلها الذى أدمن عشق الآلات، وقد صار شابا  تتخطفه شركات الإنتاج من أول أغنية.

وقتها كان فاروق الشرنوبى وسامى الحفناوى وصلاح الشرنوبى ومحمد ضياء وياسر عبدالرحمن فى عزهم، ومعهم رياض الهمشرى وحميد الشاعرى وآخرون من جيل أسبق ضم حلمى بكر ومحمد  على سليمان وجمال سلامة.. كان الولوج والمرور لشاب عمره 17 سنة ليس أمرا سهلا.. والمتميزون كثيرون.. لكن هؤلاء جميعا استقبلوا "موسيقى رحيم" بود.. واستغراب فى بعض الأحيان.

موسيقى رحيم  فى أغنياته  الأولى بها طفولة ودودة.. تخترق الآذن إلى القلب بسهولة مربكة.. إيقاعاته سهلة.. ومربكة فى الوقت ذاته.. لكنها لا تشبه أيا من هؤلاء الذين يتسيدون الساحة.. وهم أيضا من يعترف رحيم بأستاذيتهم وتفردهم.

كنت كلما التقيته يغنى لى من ألحان بليغ، لأنه  يعرف أننى أحبه.. ثم يفاجئنى بلحن لعبدالوهاب مثلا يشير لى إلى منطقة أجهلها.. ثم يعزف لحنا للرحابنة.. كان الجيتار هو الأقرب إليه دائما.. كان معنا فى الحجرة  مطرب جديد صغير السن.. كان المكتب  فى شارع الهرم أيضا..  أخبرنى بأنه يعد له  عددا من الألحان، وأنه يراهن أنه سينجح من أول غنوة وحدث.. أحدثكم عن أغنية "احلف بالله" وعن هيثم شاكر.

كان رحيم وقتها يستطيع أن يعطى ذلك اللحن لعشرات من النجوم الكبار.. لكن متعة تجريب موسيقاه بأصوات جديدة كانت تمتعه.. تشعره بشىء   يفوق متعته بنجاح ألحانه بأصوات الكبار.. رغم تميزها وخصوصيتها..

صنع بدايات تامر حسنى فى "انا شكلى هاحبك ولا إيه"، وشيرين فى "صبرى قليل"، وقلب الترابيزة وقدم لنا روبى بصوت محدود لا يستطيع أداء جملة كاملة على بعضها مع عبدالعزيز عمار وعدد من الشعراء، ليفجر بركان روبى فى "ليه بيدارى كده".

وقتها هاجم الكثيرون روبى.. وكنت أمازحه بما يقال فيضحك ويضيف "بعد شوية هيغنوها وهينسوا الشتيمة"، وهذا ما حدث فعلا.. ثم كانت خطوته الأهم من وجهة نظرى مع عمرو دياب فى "حبيبى ولا على باله".. لم يغنى عمرو قبلها بهذا الشكل.. جملة شرقية كان يبحث عنها  ليؤكد أنه "مطرب".. وفى نفس الوقت سهلة وبسيطة تصل للجمهور بتنويعاته.. ويستطيع أى مطرب قادر أن يغنيها أيضا.. انتقل رحيم بهذا اللحن إلى "الشاطئ الآخر" أوروبا وأمريكا.. وحصل على أول جائزة كبرى فى حياته..  أمير موناكو بنفسه سلم الجائزة لعمرو دياب ومحسن جابر.. كانت أول مرة نسمع فيها عن "الميوزيك أوورد".

بعدها توافدت أصوات كثيرة  على مكتب رحيم الذى انتقل إلى موقع جديد على ترعة المريوطية.. هنا كان الكثيرون ورحيم هو الشخص نفسه الذى أعرفه.. لم تتغير الموسيقى هى حبه  الأول والأخير.. كان قد قدم مع محمد محيى أحد أحب الألحان إلى قلبى "ليه يفكرونى عينيك" .. وبعدها عشرات الألحان لنانسى عجرم وإليسا وفضل شاكر.. والأخير يمثل لى نغمة مختلفة عن كل ما سبق.. هو مطرب ابن "الجملة الشرقية تماما".. لكن رحيم أراد  أن يبتعد به إلى عالم مختلف تماما.

"امبارح بالليل

وأنا سهران الليل

كنت باكلم صورتك وحدى.. وجايب سيرتك

ويّا نجوم  الليل..

كنت لوحدك جنبى.. وحاضن قلبك قلبى

زى زمان بالليل.. زى زمان بالليل".

من يستمع إلى فضل شاكر وهو يهمس فى هذه الأغنية يدرك أن الرجل الذى وضع هذه الموسيقى ألقى بنسائم الياسمين فى بحر بعيد، ليصلنا هامسا دون أن نراه.. هذه هى الموسيقى التى يصنعها هذا الرجل.. مثل  الماء.. تحتاجه فى كل ثانية لكنك لا تشعر بوجوده إلا إذا غاب  عنك.. هل  يستطيع أحدنا أن يستغنى عن الماء؟!

موسيقى رحيم غير مستفزة على  الإطلاق. ليست صاخبة أبدا.. إلا إذا أراد أن يشعرك بأنه يستطيع أن يكون صاخبا.. عندما جاءته أوراق مسلسل "مملكة الجبل" تقرر  أن يغنى  المسلسل "أحمد سعد" وما  أدراك من هو "أحمد سعد".. والكلمات كتبها الأبنودى بلهجته الصعيدية لدراما صعيدية، فماذا يفعل رحيم؟!

"الليل طويل البال

ولا يعبر حد

يقرطف الموال

ويدارى لون الورد"..

وكأنه مولود فى شارع محمد على.. وكأنه عاش فى الصعيد مائة عام.. عندما استمعت  إلى التتر هاتفته.. قلت له "أنا باشك فيك.. انت مش من كفر الشيخ أبدا".. ضحك وقال لى "الخال ودانى الصعيد ومش محتاج أكثر من إنى أسمعه وهوه بيتكلم".

كان من  الطبيعى أن يمارس التمرد والتفرد ذاتهما مع الشاعر الجميل أحمد مرزوق، وهو يصنع لأصالة واحدة من أجمل أغنياتها ويقوم بتوزيعها بنفسه..

"ماشيين بين الناس                    

 بالنية والتساهيل

ياما دوقونى الناس أحزان            

كتير وقليل

وأول ما جانى العشق فرحنى      

علمنى أقول مواويل

ويا دنيا نفسى ارتاح ..

فى قلبى جراح تطول  النيل".

هل كان قلب رحيم مجروحا إلى هذا الحد؟!.. يكذب من يقول إنه كان يعرف.. لم يحدث أن تحدث فى يوم من  الأيام عن مرضه.. المقربون منه فقط  كانوا  يعرفون أن ثمة الآما بالقلب تطارده منذ سنوات.. لكنه كالعادة لا يمل ولا يكل من العمل.. حتى فاجأته "ذبحة قلبية" حادة.. وقتها فقط ذهب إلى المستشفى.

حكى لى ذات مرة أنه كثيرا ما كان يخشى  فكرة إجراء رنين مغناطيسى.. وأنه فى كل مرة كان يحجز فيها موعدا لإجراء الكشف يهرب.. وعرف الخال عبدالرحمن الأبنودى بذلك الأمر.. فقام من نفسه فحجز موعدا فى "المركز  الطبى  العالمى" على طريق  الإسماعيلية وذهب رحيم مضطرا هذه المرة لأنه كان يشعر بآلام حادة بالفعل.. كانت هذه هى المرة الأولى التى يصرح فيها بأنه متعب.. وذهب رحيم  ليجد الخال فى الانتظار رغم أنه كان يمر بأزمة صحية حادة.. واستقر رحيم لكن  الخال قال: "عارفك.. جيت اطمئن إنك مش هتهرب زى كل مرة".

"قلبى ما يشبهنيش               

فعلا ما يشبهنيش

أوقات بيعرفنى                     

ساعات مايعرفنيش

وأقوله يا قلبى  

 مالك         

 يقولى.. ما فيش".

عندما أسمعنى رحيم تلك الكلمات فى الهاتف بعد  أن أملاها له الخال.. لم أغلق.. ولم يمنحنى فرصة للتفكير.. كان مغرما بالفكرة.. وبتمرد قلب الخال عليه.. لكننى  شعرت بأنه يريد أن يخبرنى بأنه هو أيضا صاحب قلب متمرد.

كنا قد أنجزنا أغنية "والله لك شوقة" وقرر أن يغنيها ويقوم بتصويرها.. اتصل بى ضاحكا كعادته.. "باقولك.. هنروح لمحسن جابر بكرة الصبح.. نديله الغنوة.. اعمل التنازل وعدى عليا نروح سوا"..

كانت فكرة طرح ألبوم خاص به كمطرب تطارده منذ سنوات.. وفى كل مرة يصنع فيها لحنا يخصه بكلمات يشعر بأنها له فقط.. يقوم بتسجيلها ثم لا يرضى عنها لأى سبب.. يريد أن يغنيها مرة أخرى.. هناك هاجس ما يطارده فى اللحن يريد أن يقبض عليه.. حدث هذا فى أغنية "والله لك شوقه" وقد سجلناها مرتين ولم يسترح إلا عندما أخبره مهندس الصوت ياسر أنور بأنها "مكتملة" و"نادرة" و"جديدة"

"شباكى قال للقلة ميلى

ميلى بشفافيك وزمزميلى

قلب اللى صايم ورطبيلى

وابقى اندهيلى.. وقت السحور".

صام رحيم عن الغناء كثيرا.. ليجرب تمرده وتفرده فى حناجر أخرى.. أنغام.. محمد حماقى.. بهاء سلطان.. حكيم.. محمد منير.. وعندما وجد أن  قلبه يطاوعه بعد شهور من الألم ودخول المستشفى.. قرر أن تكون تلك هى  اللحظة المناسبة لإطلاق مجموعة أغنياته.. فكانت "بنت اللذينة" وكان يستعد لإطلاق باقى المجموعة فى الأيام القليلة المقبلة..

"بارسم كل صورك ع الكراريس

بخط العصافير.. ولون الأحاسيس

انت فى كل حاجة بره المقاييس

يا قمر سهران.. على نور فوانيس".

بره المقاييس فعلا انت يا رحيم.. كانت الساعة قد وصلت إلى الثانية والنصف بعد منتصف الليل  وفضل ابنى يوصله إلى سيارته ليجرى للحاق بموعد جديد  مع أصدقاء ينتظرونه فى  الاستوديو لتكملة اتفاق على عمل جديد.. سبعة أيام  مضت وصحوت على الفاجعة.. "رحيم مات".

 	محمد العسيري

محمد العسيري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

رسائل تنشر لأول مـــرة بين عبد الحليم حافظ وحلمى رفلة

فى ذكرى رحيل العندليب الأسمر 3-3

الأبنودى الشاعر الكبير.. رحل الجسد وبقى الإبداع فــى قلوب الناس

رحل عن الدنيا فى يوم 21 أبريل 2015، وحزن عليه الناس الذين أحبوه، لكن هناك فئة أخرى حقدت عليه وحسدته...

«Me & Roboco».. فيلم الفانتازيا والكوميديا

حول عالم تمتلك فيه معظم العائلات روبوتات خادمات لطيفة، يتمنى بوندو، وهو طفل عادى فى المرحلة الابتدائية، أن يحصل على...

الفنان محمد إبراهيم يسرى: والدى دخل المستشفى على قدميه وخرج محمولاً

11 سنة مرت على وفاة الفنان إبراهيم يسرى، الذى كتب له القدر أن يرحل فى يوم ميلاده ذاته (20 أبريل)،...