عاطف بشاى.. تأملات فـى حيـاة الساخـر الأخيـر

احتفال خاص بأربعين صاحب «يا رجال العالم اتحدوا» اعتبر الكتابة رسالته الوحيدة..فظل يكتب حتى مات سر عشقه لأحمد رجب.. ولماذا تخصص فى عالمه وشخصياته؟

الذين يعرفون عاطف بشاى يدركون فداحة خسارتنا الإنسانية والفنية برحيله، وهى خسارة مضاعفة فى هذا التوقيت بالذات، فقد كنا فى مسيس الحاجة إليه وإلى عقله وحكمته واستنارته وثقافته ومثابرته وقدرته على بث الوعى والتفاؤل، فى وقت يتعرض فيه وعى الأمة إلى ضربات موجعة، ويتراجع فيه التفاؤل بدرجات مخيفة، وكان هو يعطينا دائما النموذج على الصبر والجسارة، وعلى أن الثقافة رسالة، المعركة فيها طويلة لكنها تستحق التضحية والثمن المدفوع.

ولذلك لم أندهش عندما تلقيت اتصالا منه عبر السيدة الفاضلة "مارى عزيز" زوجته ورفيقة عمره، كان خارجا للتو من غرفة العناية المركزة بالمستشفى، كان صوته واهنا ولكنه مفعم بالأمل وبالحلم وبالتفكير فى المستقبل، لا يخفى سعادته باستلامه لغلاف كتابه الجديد "حكاياتى فى دفتر الفن" الذى يرصد فيه مشواره الطويل، وأبديت إعجابى بالغلاف وتشوقى لقراءة الكتاب ولحضور حفل التوقيع، وسمعت ضحكته التى لم يستطع المرض أن يطفئها عندما قلت له إن علاجه فى الكتابة، فهى الدواء المضمون القادر على أن يخرجه من المرض ويعيده للحياة.

كنت أقصد ما أقول، فعاطف بشاى رجل لم يُخلق إلا للكتابة، هى حياته قبل أن تكون مهنته، طوال الوقت هو على ذمة الكتابة والإبداع، تجده مشغولا بمسلسل جديد، أو مقال جديد، أو بقراءة كتاب جديد، القراءة والكتابة هى العمل الوحيد الذى يدمنه ويتقنه طوال ساعات الليل والنهار، لا يكل ولا يمل، حتى المرض لم يمنعه من كتابة مقالاته الأسبوعية، كان عذره مقبولا لو أراد الاعتذار، لكنه أصر على كتابة عموده الأسبوعى، وصدر المقال قبل ساعات من رحيله، وكان يتمنى لو احتضن كتابه الجديد بعد خروجه من المطبعة، لكن وافاه الأجل قبل أن يسعد بهذه اللحظة وبحفل التوقيع الذى تمناه فى صحبة الأصدقاء والأحباب.

(1)

كنت أستغرب من قدرته الدائمة على العمل، رغم كم الإحباطات المحيطة بالعمل العام وبمناخ الإبداع، لكنه دائما فى حالة من التفاؤل، تشعر أنه رجل لا يعرف الإحباط ولا اليأس.. بل لا يُصدر لك إلا الطاقة الإيجابية مهما كان مهموما وموجوعا، لا تغادره ابتسامته ولا يتنازل عن تفاؤله.

لم أعرف مبدعا كعاطف بشاى يحتفى بصدق بكل عمل جديد يمثل إضافة حقيقية، بل يسعى إلى صاحبه ويبدى إعجابه وحماسه، ويكتب عنه تشجيعا وتقديرا، بنفس صافية لا تعرف الحقد ولا الغل ولا الحسد.

إنه مستعد دائما للمساعدة، لا يقول "لا" لمن يقصده، حتى لو تعطل وبذل جهدا فوق طاقته، وبلا مقابل.. أذكر أننى طلبت منه كتابة مقدمة لكتابى عن الساخر العظيم أحمد رجب، لم يتردد لحظة فى الموافقة، وتفرغ لأيام يكتب فى المقدمة، واستغل ابنته العزيزة نجلاء لكى تكتبها على الكمبيوتر، وكان حريصا على أن تصلنى فى الموعد المحدد لطباعة الكتاب، وكانت المقدمة إضافة حقيقية بحكم أنه ـ أى عاطف بشاى ـ كان أكثر كتاب السيناريو الذين ارتبطوا بأحمد رجب وحولوا قصصه وإبداعه إلى دراما منحتها الانتشار والذيوع.

ومازلت أذكر حالة المحبة الصافية التى كتب بها عن أحمد رجب وعن علاقته به وبأعماله.. وأذكر ما كشفه من كواليس هذه العلاقة والأعمال، ولذلك أتصور أنها مقدمة تحتاج إلى تجديد الاهتمام بها وبما فيها، وأنقل من سطورها:

أما بداية علاقتى بأحمد رجب فقد كان لقائى به هبة من هبات السماء.. حيث امتزجت عبقرية المفارقة عنده بروح السخرية الكامنة فى نفسى التواقة إلى كشف عورات المجتمع، ونزع أقنعة زائفة، ومسلمات تسكن حدقات عيوننا وتصبغ حاضرنا بماض كنا نتوق إلى تجاوز تخلفه وجموده.. ومن هذا الائتلاف بين عبقرية المفارقة عنده، والشوق عندى إلى تعرية قبح واقع مهترئ نعيشه وأحاول أن أعبر عن ملامح الملهاة فى أعماقه.. كتبت السيناريو والحوار لقصص نشرها فى مراحل زمنية مختلفة فكانت أفلام "فوزية البرجوازية" و"الوزير جاى" و"صاحب العمارة" و"المجنون" و"محاكمة على بابا" ومسلسلى "الحب وسنينه" و"ناس.. وناس".. فيما يؤسس لنوع مبتكر أو مدرسة فنية جديدة فى الكوميديا يمكن تسميته بالكوميديا الكاريكاتيرية أو "الكاريكاتير الدرامى".. وقد حرصت أن أتناول هذه الأعمال التى كتبها فى إطار الممازحة أو التنكيت أو السخرية اللاذعة بالتعمق فى رسم الشخصيات بأبعادها النفسية والاجتماعية.. يتضح ذلك من خلال فيلم "فوزية البرجوازية" القائمة فكرته على تشاحن أصحاب الاتجاهات السياسية المتنافرة.. وتضارب انتماءاتهم الأيديولوجية المختلفة ما بين يمين ويسار.. واستخدامهم جميع أنواع التراشق اللفظى فى مصطلحات سياسية غامضة وملتبسة وغير دارجة بين الناس.. ولكنها شائعة بين المثقفين المتحذلقين مثل: "برجوازى متعفن.. يمينى رجعى.. رأسمالى راديكالى.. يسارى ديماجوجى.. إلخ".. وقد أثار الفيلم جدلاً كبيراً عند أنصار المعسكرين وقتها ونجح نجاحاً كبيراً فى جذب المشاهدين إلى منطقة درامية جديدة عما هو مألوف من موضوعات قديمة وأفكار مكررة.. والمدهش أن الفيلم وهو إنتاج الثمانينيات عكس واقعاً عاشه الشارع المصرى والمتصل بالانقسامات المذهبية والسياسية بين الناس بعد ثورتى (25) يناير و(30) يونيو..

وتناقش قصة "الوزير جاى" ـ ومن ثم الفيلم ـ فساد الإدارة متمثلاً فى مصلحة حكومية تدار بالبيروقراطية والتدليس والانحرافات السلوكية والمالية ولا يفكر مديرها ليلاً نهاراً إلا فى الترقية لدرجة وكيل وزارة، ويضطر إلى الاستعانة بمجموعة من الكومبارس ليمثلوا النقص فى عدد الموظفين الغائبين حينما يعلم بزيارة الوزير المفاجئة.. ثم ينكشف أمره فى النهاية ويحول إلى التحقيق هو وموظفوه من أعوانه الفاسدين..

وفى قصة "محاكمة على بابا" التى يعالج موضوعها مشكلة أسرة فيها الزوج والزوجة منفصلان ولهما ثلاثة أولاد ذكور ترعاهم الأم التى تستنجد بالأب بين الحين والآخر لتواجهه بمشاكلهم وتطلب منه مساعدتها فى حلها.. يركز "أحمد رجب" على مشكلة الابن الأصغر الذى يواجه معلمته بالحضانة برفضه أن يكون "على بابا" تلك الشخصية التراثية ـ كما أوضحت لهم المعلمة ـ رجلاً يتمتع بالطيبة والأمانة.. حيث استطاع أن يصل إلى المغارة التى يخبئ فيها اللصوص ما سرقوه من مجوهرات.. بل إن الطفل يرى أن "على بابا" لص أثيم لأنه استولى فى النهاية على ما سرقه اللصوص ولم يسلمها إلى قسم البوليس بل نعم بها هو وخادمته أو عشيقته "مرجانة".. ويصر على موقفه فتطرده المعلمة طالبة منه أن لا يعود إلا ومعه ولى أمره.. يذهب الأب إلى الحضانة مصطحباً ابنه ويتهم المعلمة بضيق الأفق لإصرارها على اعتبار "على بابا" شخصية فاضلة تعتبر قدوة ورمزاً أخلاقياً عظيماً ينبغى أن يقتدى به الأطفال.. وتحتد عليه صائحة أنها هى التى تعلم الأطفال وليس العكس.. وعليه أن يبحث لابنه عن حضانة أخرى يلحقه بها.. تخشى الأم أن يتحول ابنها إلى شخصية سيكوباتية بسبب هذا الموقف فتتفق مع الأب أن يصحبه إلى قسم البوليس بعد الاتفاق مع الضابط على ادعاء الموافقة أنه سيقوم بالقبض على "على بابا".. الضابط فى نفاد صبر لا ينتظر حتى يفهم حقيقة الأمر.. ويتصور أن الأب مجنون يهذى فيأمر بحجزه تمهيداً إلى تحويله إلى مستشفى الأمراض العقلية.. وفى مشهد أخير والشرطى يقتاد الأب إلى محبسه يصرخ منهاراً ذاهلاً محتجاً: أنا مش مجنون.. حاكموا على بابا.. على بابا هو المسئول.

إنها المسلمات اللعينة والمعتقدات الثابتة والأفكار الراسخة منذ أزمنة لا تقبل المغاير المختلف.. وتقدس السائد والمألوف.. وتحمى الأصولية المتحجرة وتحتفى بالأوراق الصفراء.. والموروثات العتيقة التى تعادى الحرية والتطور.. وتفزع من الاباحة وتسعى لاعتقال العقل الباحث عن الحقيقة باحتكار كتابة التاريخ.. فلا يأتيهم الباطل أبداً على الرغم أن القاعدة الفقهية تؤكد أن الأصل فى الأشياء الاباحة والتنوع والتعدد واحترام الرأى الآخر..و.. سيظل هذه الساخر العظيم حاضراً فى الزمن.. رابضاً فى الذاكرة.

 (2)

كان عاطف بشاى متسع الموهبة، بل يمكن أن تقول إنه مؤسسة مواهب اجتمعت فى رجل، ففى الدراما التليفزيونية تجده حاضرا وبقوة فى أعمال جعلته بين كتاب الصف الأول، وما زالت تعيش فى وجدان الناس، بل تزداد بريقا وروعة، خاصة تلك التى صبغها بحسه الكوميدى الكاريكاتيرى الساخر، وفى القلب منها "يا رجال العالم اتحدوا"، ثم تلك الأيقونات فى تاريخ الدراما التليفزيونية: لا، اللقاء الثانى، حضرة المحترم، لعبة كل بيت، تاجر السعادة، دموع صاحبة الجلالة، الحب وسنينه.

وفى السينما تجده حاضرا رغم قلة أعماله ورغم أنه لم يحصل على فرصته كاملة ليثبت جدارته وموهبته، لكنه مع ذلك ترك علامات على شاشة السينما، ومن ينسى: الملائكة لا تسكن الأرض، إلى من يهمه الأمر، ونسيت أنى امرأة.

وفى الكتابة النقدية والتنويرية فإن مقالاته تفوق الحصر وتجربته تستحق أن نقف أمامها طويلا، بما فيها من تنوع وتدفق وعمق وبساطة، تجعل منها شهادة مبدع ومفكر على زمن صاخب وحافل بالمتناقضات والتقلبات..

أما دوره كأستاذ ومعلم لفن السيناريو، فقد مارسه بسخاء، وأنفق فيه عمرا، وترك فيه بصمة، وما زال تلاميذه فى معهد السينما والمعاهد الخاصة يذكرون معلم الأجيال الذى أعطاهم من علمه وخبرته.. وروحه.

وأما عن دوره الإنسانى فهو يحتاج إلى مجلدات لنحكى عن هذا الملاك، صافى القلب، نقى السريرة، عذب الروح، الذى ينثر المحبة أينما ذهب بقلبه الذهب، ولذلك ستجد الحكايات والذكريات حاضرة فى قلوب كل الذين عرفوه وأسعدهم زمانهم بالاقتراب من الملاك الذى سكن الأرض.. ولذلك أتصور أن أصدقاء ومحبى عاطف بشاى سيتدفقون لحضور الاحتفال بأربعين رحيله الذى يقام فى الحادية عشرة من صباح اليوم (السبت 12 أكتوبر) فى قاعة العذراء مريم بكنيسة مار مرقص كليوباترا بمصر الجديدة.

وسيجتمعون كذلك فى حفل التوقيع لكتابه الذى لم يمهله القدر ليحضره بنفسه، لكن روحه سوف ترفرف وتحوط المحبين كما اعتاد أن يفعل دائما فى حياته.

 (3)

فى شتاء العام 2018 نشرت وثيقة للناقد الأدبى الشهير أنور المعداوى يطعن فيها فى أنوثة أديبة الشرق مى زيادة، وهى تهمة كانت صادمة لعشاق مى التى رسخ فى الوجدان الثقافى أنها كانت متفجرة الأنوثة، وتنافس مثقفو عصرها على قلبها، وكتب كامل الشناوى كتابا كاملا عن "الذين أحبوا مى"..

وعقب نشر المقال تلقيت اتصالا طويلا من عاطف بشاى، ظل لساعة يحدثنى عن مى حديث العارف بسيرتها وأسرارها، ودافع عنها وفنّد رأى المعداوى بطريقة علمية مدججة بالبراهين والأدلة، وطلبت منه أن يكتب رأيه فى مقال، وبالفعل فعل ونشرته بقلمه، ومازلت أذكر حديثه المتدفق عن مى زيادة ورؤيته لحياتها وشخصيتها، ولذلك أتصور حد اليقين أن المسلسل التليفزيونى الذى كتبه عن مى وموجود فى أدراجه منذ سنين جدير بأن يخرج للنور.. إنه أفضل تكريم لاسم سيناريست مبدع، أوقف عمره على الكتابة ولم ينل ما يستحق من تكريم..

لروحك السلام والمحبة يا صديقنا العزيز..

 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

هما مير أفشار: رحيل ملكة الشعر الغنائي في إيران

فقدت الساحة الموسيقية في إيران، واحدةً من رواد الشعر الغنائي، وعلمًا من أعلامه البارزين في زمن تألق الفنون الإيرانية خلال...

19 % زيادة فى أرباح «الإنتاج الإعلامى» خلال الربع الأول من العام المالى 2026

أعلن مجلس إدارة مدينة الإنتاج الإعلامى برئاسة عبدالفتاح الجبالى، الإثنين الماضى، القوائم المالية المستقلة والمجمعة عن نشاط الشركة فى نهاية...

خالد النبوى يحضر «طاهر المصرى» الشهر المقبل

أجل صناع مسلسل «طاهر المصرى» تحضيرات العمل إلى الشهر المقبل، تمهيداً لبدء التصوير.

ياسر جلال: أتمنى عودة الاحتفال بـ«بعيد الفن»

أسعى لتغيير صورة الفنان