فيصل ندا «العبقرى».. حكاية مسلسل كوميدى أضـحك الرئيس عبدالناصر

مفاجآت وأسرار فى مذكراته 2/ 2

فى مذكراته الممتعة "رحلتى.. مع الدراما ونجوم الفن"، يحكى الكاتب والسيناريست الكبير فيصل ندا أنه بعد إنشاء مسرح التليفزيون، ذهب إلى مؤسسه والأب الروحى للتجربة الفنان السيد بدير، ومعه معالجة مسرحية لقصة إحسان عبد القدوس "الطريق المسدود"، القصة نفسها التى كان السيد بدير سبق أن حولها لفيلم سينمائى كتب له السيناريو والحوار، وقام ببطولته فاتن حمامة وأحمد مظهر..

فوجئ السيد بدير بالمؤلف الشاب، واستغرب من جسارته وثقته بنفسه ، واختياره لهذه القصة بالذات وهو يعلم أن الفيلم السينمائى الذى كتبه عنها لم يحقق نجاحا يذكر.. وانصرف فيصل ندا وتعليقات المدير وعدم ترحيبه بالمعالجة تكاد تشى برفضها، لكن لم تكد تمر سوى 48 ساعة حتى استدعاه السيد بدير إلى مكتبه، مبديا إعجابه بالمعالجة المسرحية وحماسته للعرض، بل واستجاب لاقتراح المؤلف الشاب بإسناد بطولته للوجوه الواعدة من طلبة معهد الفنون المسرحية، وبالفعل تم اختيار زيزى مصطفى ويوسف شعبان وعزت العلايلى وتولى إخراجها نور الدمرداش.

 (1)

أكثر ما يلفت نظرك فى تجربة فيصل ندا، سواء التليفزيونية أو المسرحية أو السينمائية فيما بعد، أنه كان يبحث عن الصعب، عن الأفكار غير المسبوقة أو التى تبدو أحيانا مستحيلة، فالعرض المسرحى التالى اختار له قصة فتحى غانم "الرجل الذى فقد ظله" بتركيبتها الصعبة ومستوياتها المتعددة، وقرر من خلالها أن يكسر التقاليد المسرحية المستقرة، وساعده على تلك المغامرة المجنونة المخرج الشاب وقتها جلال الشرقاوى الذى كان رصيده المسرحى عبارة عن مسرحية واحدة هى "الأحياء المجاورة"..

وفى رحلة بحثه عن الصعب يعثر على "الساقية"، قصة عبدالمنعم الصاوى التى قرر أن يخوض بها تجربة المسلسلات الملحمية أو متعددة الأجزاء لأول مرة فى تاريخ الدراما التليفزيونية المصرية.. شكل جديد غير مسبوق.. حمل الجزء الأول من الخماسية اسم "الضحية"، أخرجه نور الدمرداش وشارك فى بطولته نجوم المسرح القومى حينها سميحة أيوب وملك الجمل وحمدى غيث مع وجوه جديدة قًدر لها أن تصير نجوما بعدها مثل صلاح السعدنى وزيزى مصطفى، وحقق المسلسل نجاحا استثنائيا، كانت مكافأة مؤلفه هى أن أجره قفز إلى 30 جنيها فى الحلقة، وهو أعلى أجر لمؤلفى التليفزيون يومها.

وفى رحلة البحث عن الصعب يجد فى طريقه "أشعة الموت"، المسلسل الإذاعى الذى كتبه أنيس منصور، وكان المطلوب منه أن يحوله إلى مسلسل تليفزيونى، فلما قرأ حلقاته اعتذر فلم يجد فيه ما يغريه، لكن أمام إلحاح حسن حلمى مدير التليفزيون وقتها وافق بشرط أن يُدخل عليه تعديلات جذرية،  وأن يقدمه وفق رؤية جديدة ومبتكرة، قادته فى النهاية إلى تقديم أول مسلسل تليفزيونى كوميدى حمل اسم "العبقرى" وقام ببطولته يوسف وهبى، فى اختيار بدا مدهشا وجديدا وغريبا.

ومن أجمل المواقف التى يحكيها فيصل ندا أن يوسف وهبى وضعهم فى ورطة حين اعتذر عن عدم تصوير مشاهده فى أول يوم تصوير بعد حجز الاستوديو، وكاد المخرج سعيد عيادة يصاب بانهيار عصبى، لأن التليفزيون وقتها لم يكن يملك سوى استوديوهين للتصوير ، وحجز استوديو كان مسألة فى منتهى الصعوبة، لكن يوسف وهبى أصر على الاعتذار بدعوى ارتباطه بدعوة عشاء مع السفير الأمريكى، وبدهاء شديد ذهب فيصل ندا إلى يوسف بك فى فيلته وأخبره بأنه سيضطر إلى حذف مشاهده من الحلقة الأولى، وأدرك يوسف بك فداحة الثمن فاعتذر فورا عن عشاء السفير الأمريكى.

أما عن نجاح المسلسل فيكفى أن ننقل ما كتبه فيصل ندا بقلمه: "كان مسلسل "العبقرى" هو أول مسلسل كوميدى يُعرض فى رمضان، ونال نجاحا ساحقا حتى إن أنيس منصور كتب فى يومياته أنه فوجئ بالدكتور عبدالقادر حاتم وزير الإعلام يزف إليه نبأ أن الرئيس جمال عبدالناصر يُعجبه المسلسل ويُضحكه كثيرا ولا ينزل من منزله فى رمضان إلا بعد أن يرى الحلقة كاملة، كما أن مجلس قيادة الثورة كان لا يجتمع إلا بعد مشاهدة الحلقة".

وفى قلب تلك النجاحات جاءت نكسة 67 لتكون نكسة موازية لمسيرة فيصل ندا مع الدراما التليفزيونية، فقد حدث أن سيطر اليساريون والشيوعيون على أركان المؤسسات الإعلامية والثقافية، وأصبحت لهم الكلمة العليا والأخيرة، وحاولوا استمالة المؤلف الواعد ليسربوا أفكارهم من خلال أعماله الشعبية الناجحة، لكنه رفض وقرر أن يظل مستقلا لا ينتمى لحزب ولا أيديولوجية، فكان العقاب بمنعه من العمل فى التليفزيون، بل من دخول المبنى الذى كان أحد المساهمين الكبار فى نجاحه وتأثيره..!

 (2)

منعوه فى التليفزيون، إذن لتكن السينما هى الحل.. فالمبدع الحقيقى لا يعجزه شىء ما دام يملك الموهبة والإرادة، ولذلك كان دخوله إلى عالم السينما سريعا وواثقا، فبمجرد أن سمع منه صديقه الروائى إبراهيم الوردانى قصة فيلم "المساجين الثلاثة" تحمس لها وقدم صاحبها إلى صديقيه المنتج عباس حلمى والمخرج حسام الدين مصطفى، وبخبرة الجواهرجية أدركا أنهما أمام كنز لا يجوز التفريط فيه، وكان نجاح فيلمهم الأول "المساجين الثلاثة" الذى قام ببطولته رشدى أباظة نجم الشباك وقتها (1968) بداية انطلاق فيصل ندا كواحد من أبرز كتاب السينما فى تلك المرحلة، فقد كان قادرا على تطويع موهبته لمتطلبات السوق، ووجد فيه حسام الدين مصطفى ضالته، وشكّل معه ثنائيا لافتا خلال تلك السنوات، فقدم معه مجموعة كبيرة من الأفلام التى تغلب عليها الصبغة التجارية (موضة تلك المرحلة)، وأفرد فيصل ندا فى مذكراته صفحات مطولة للحديث عن ذلك الثنائى، خلاصتها ما صاغه بنص كلماته: "لقد أثمر التعاون بينى وبين المخرج حسام الدين مصطفى عن إثراء السينما المصرية ووجدان المواطن المصرى والعربى بقيم ومناقشة ملفات وقضايا مهمة ومؤثرة للقوى الناعمة المصرية والعربية، لافتين النظر لطرح الحلول لبعض القضايا المهمة من خلال 23 فيلما سينمائيا قدمناها مغلفة ببعض الأحداث والمواقف الجاذبة للجمهور، وكنا حريصين على تقديم جوانب إنسانية واجتماعية عند أبطال الفيلم".

كذلك يتوقف عند تجربته مع مخرج الروائع حسن الإمام بداية من فيلم "الحلوة عزيزة" بطولة نجمة زمانها هند رستم.. ومن أطرف ما يذكره فيصل ندا عن حسن الإمام أنه رفض ترشيحه للوجه الجديد محمود ياسين لبطولة فيلمهما "الحب الحرام" وأصر على ترشيح شكرى سرحان ، وراهن على مائه جنيه بأن محمود ياسين يفتقد مقومات "الجان" ولن يصبح نجم شباك، وخسر حسن الإمام الرهان لكنه لم يدفع المائة جنيه، بل أصبح محمود ياسين هو بطل أفلامه الجديد..

وكان محمود ياسين هو بطل "الوفاء العظيم" الذى كتبه فيصل ندا وكان من أوائل الأفلام التى قُدمت عن نصر أكتوبر المجيد.

أصبح اسم فيصل ندا وقتها ماركة مسجلة.. كان مطلوبا ومرغوبا من شركات الإنتاج، وعبرت شهرته الحدود وطلبه النجم السورى دريد لحام ليكتب له مسلسلا من إنتاج التليفزيون السورى، وسافر فيصل إلى دمشق وتم الاتفاق على كل الترتيبات والتفاصيل بما فيها الأجر الضخم الذى طلبه، ولم يتبق سوى توقيع العقد مع مدير التليفزيون السورى، واستقبله المدير بحفاوة وقبل توقيع العقد همس له المدير بطلب ظن أنه عاديا وعابرا لكن فيصل ندا أحس عندما سمعه بأنه كمن لدغته حية، وقرر أن يرفض بلا تفكير متنازلا عن الأجر الضخم والتجربة المغرية.. كان الطلب "إننا نتبع حزب البعث الذى يحكم سوريا ولا بد أن يشمل المسلسل بعضا من أفكاره"!..ويعلق فيصل ندا : "الحقيقة أننى صدمت من ذلك الطلب، وبالطبع تم الرفض والاعتذار من جانبى عن عدم التعاون، فقد رفضت سابقا التعاون مع الشيوعيين بالتليفزيون المصرى، وجاء الوقت الذى أرفض فيه التعاون مع حزب البعث لأنه ضد أفكارى ومبادئى".

لم يبالغ فيصل ندا عندما يصف نفسه بأنه أصبح الكاتب الأوحد للسينما المصرية فى السنوات الأولى من السبعينات، فقد كان الأغزر إنتاجا وانتشارا، وتعاون فى تلك الفترة مع كل نجوم السينما من نجوم ونجمات ومخرجين ومنتجين، بل كان المخرجون يلجأون إليه لتصليح سيناريوهات غيره كما حدث مثلا فى فيلم "نساء الليل"، فقد أعاد كتابته على طريقته وأضاف إليه شخصيات ومواقف وأحداثا كانت سببا فى نجاحه الجماهيرى الساحق حينها.

وشهدت أفلام فيصل ندا بدايات عدد كبير من الممثلين الذين أصبحوا نجوما بعدها، بينهم مثلا عادل إمام الذى شارك فى عدد من الأفلام الكوميدية التى كتبها فيصل ندا آنذاك ومنها "أزواج طائشون " مع سعيد صالح وسمير غانم وصفاء أبو السعود و"مغامرون حول العالم" مع لبلبة وسمير غانم.

وبينهم عادل أدهم الذى رأى فيه فيصل ندا موهبة خاصة فى شخصية الشرير الأنيق، فصنع له ملامح تلك الشخصية التى لمع وأبدع فيها، منذ أن قدمه فى فيلم "هى والشياطين"، وتوالت وتعمقت فى أفلام أخرى جمعتهما مثل "الأشرار" و"لقاء مع الماضى" و"لعنة الزمن".

ولعب فيصل ندا دورا مهما فى اكتشاف محمود عبدالعزيز، فقد تنبأ بموهبة هذا الشاب السكندرى الوسيم منذ أن قابله لأول مرة عام 1974 حين كان يؤدى دورا صغيرا فى فيلم "غابة من السيقان" ، وربطتهما صداقة طويلة كان محمود خلالها يناديه "يا خال"، وأقنعه الخال فيصل بأن يغير جلده ويجسد دور شرير فى مسلسله "الإنسان والمجهول"، ولفت إليه الدور الأنظار وانطلق بعدها ليصبح واحدا من نجوم الشباك سينمائيا وتليفزيونيا.

 (3)

لكن يظل المسرح هو العشق الكبير لفيصل ندا، وتظل "المتزوجون" هى أيقونة تلك التجربة بما حققته من نجاحات استثنائية جعلتها واحدة من أشهر المسرحيات الكوميدية فى الوجدان المصرى، ولا تزال "إفيهاتها" متداولة على الألسنة فى حياة المصريين اليومية.

وفى مذكرات فيصل ندا ستكتشف أنه استوحى فكرتها من تجربة زواجه الشخصية، وستضحك حين يحكى لك كيف صارحوه بأن تلك الزوجة الجميلة الرقيقة بنت الناس التى أحبها واختارها زوجة لا علاقة لها بالمطبخ وشغل البيت.. وستعرف أن اسم "لينا" الذى اختاره للبطلة هو فى الحقيقة اسم ابنته، وأنه تعمد أن يطلقه على البطلة حتى ينتشر ويصبح على كل الألسنة..وستعرف أن أول بطلة للعرض كانت هويدا ابنة المطربة صباح ثم جاءت شيرين محلها وكانت وش السعد عليها.

ومع سمير غانم وجورج سيدهم يتكرر النجاح فى "أهلا يا دكتور" ، ويستمر عرضها هى الأخرى كسابقتها 5 سنوات متواصلة.. وهو نجاح أغرى فيصل ندا بأن يكون أول مؤلف فى العالم العربى يملك مسرحا يحمل اسمه، فكانت تجربته مع مسرح هدى شعراوى الذى وضع فيه تحويشة العمر وما كاد حلمه يتحقق حتى فوجئ بمؤامرة لانتزاع المسرح منه، ودخل فى نزاع قضائى استمر 17 عاما حتى أنصفه القضاء وأعاد إليه حقه المسلوب.

كل ما قلته وما حكيته عن مذكرات فيصل ندا لا يوفيها حقها، فكل صفحة فيها تحمل مفاجأة أو حكاية أو سرا، لذلك أنصحك بأن تقرأها كاملة، فحتى هذه اللحظة لم أحدثك عن الجزء الممتع من المذكرات التى يحكى فيها ذكرياته مع النجوم الذين عرفهم واقترب منهم وربطته بهم علاقة فنية وإنسانية خاصة، بداية من رشدى أباظة ومحمود عبد العزيز ومحمود ياسين وعادل إمام ومحمود مرسى ونور الشريف والمهندس والفخرانى والفيشاوى والسعدنى وأحمد زكى وصولا إلى جيل أشرف عبد الباقى وصابرين.

ولم أحدثك عن قصص الزعماء الذين عرفهم وبينهم الزعيم الفلسطينى ياسر عرفات الذى التقاه فيصل ندا فى بغداد وفوجئ بالزعيم المهيب يخلع وشاحه ويهديه لفيصل ندا إعجابا بمسلسله "غريب يا ولدى" الذى كان أول عمل درامى تليفزيونى يتناول مأساة الشعب الفلسطينى وتهجيره من أرضه، وكتب أبوعمار بقلمه إهداء على شاله لفيصل ندا..

هذه ليست مذكرات فيصل ندا، بل هى تاريخ للفن وذاكرة وطن.

 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

السيد بدير
مسلسلات تليفزيونية وإذاعية عاشت فى وجــدان الجماهير

المزيد من فن

احتفاء فنى وصدام سياسى غزة تخطف الأضواء فى «برلين»

شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...

شهر رمضان.. مناسبة دينية ذات طابع قومى

مشاهد مسرحية وأغان مصرية

القاهرة الكبرى تستعيد رموز الثقافة المصرية فى ليالى رمضان

الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...

عندما اكتشفت وردة أنها بوسطجى الغرام بين الأبنودى ونهال كمال

أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...


مقالات

سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م