الصورة الشهيرة في وجدان المصريين للسيد بدير ليست ما ذكرته بل هذا الفتى الريفى عبد الموجود ابن كبير الرحيمة قبلى» الذي أدى دوره الفنان محمد التابعى أو محمد أحمد أبو شرابة،
هذا الفلاحالساذج القادم من الريف إلى المدينة ابن العمدة صاحب السلطة مشتبكاً مع أبناء المدينة طامعاً في غرام الفتيات المنتميات إلى طبقة الأرستقراط أو جميلات الطبقة الوسطى، وهو أقرب إلى شخصيات الحكايات الشعبية التى تحمل قدراً كبيراً من الطيبة والسذاجة وتمارس أفعالاً أقرب إلى الفطرة، لذلك وجد هوى في نفوس المصريين. والغريب أن الشخصية اشتهرت وذاع صيتها فى فيلم ابن ذوات 1953، ثم في فيلم بنت البلد 1954، وكلاهما من سيناريو وإخراج حسن الصيفى والقصة والحوار لزكى صالح واستيفان روستي ولم يكتبها السيد بدير الذي كتب وابتكر مئات الشخصيات واستمرت الشخصية فى أفلام أخرى مع التابعي وبدير في فيلم «لسانك حصانك» إخراج عباس كامل وسيناريو وحوار أبو السعود الإبياري.
ورغم براعته في الكتابة والإخراج إلا أنه واصل مسيرته كممثل والتي بدأت تلفت الأنظار في فيلم «السوق السوداء لكامل التلمساني عام 1945 في دور مصطفى الفران وترك أثرا لا ينساه الجمهور في أفلام عديدة منها سمارة الأسطى حسن. ليسهم في تقديم عشرات الأفلام السينمائية ما بين التأليف وكتابة السيناريو والحوار، والتي تنوعت ما بين الكوميدي والمأساوى والأفلام الاجتماعية، وتعاون أيضا مع عدد كبير من المخرجين فكل كاتب يتجه إلى نوع محدد من الكتابة السينمائية كأن يتخصص في الكوميديا أو أفلام التراجيديا أو السينما الواقعية، لكن بنظرة سريعة إلى بعض أفلام السيد بدير يصاب القارئ بالحيرة ويتساءل: كيف جمع بين كل هذه الاتجاهات بين بائعة الخبز رصيف نمرة خمسة جعلوني مجرما، ريا وسكينة، لك يوم يا ظالم، الأسطى حسن الوحش شاطئ الذكريات اعترافات زوجة شباب امرأة، إسماعيل يسن في البوليس القلب له أحكام سجن أبوزعبل الفتوة سواق نص الليل سر طاقية الإخفاء، بين السماء والأرض، طريق الدموع، رسالة من امرأة مجهولة عائلة زيزى خطيب ماما المليونيرة النشالة السلخانة؟ وهذه العناوين -التي هي على سبيل المثال - تجسد التنوع الهائل في الأفكار والأساليب الذي تمتع به مصنع المواهب أو السيد بدير، وتؤكد قدرته الفذة على التعامل مع شتى الاتجاهات وأساليب الكتابة السينمائية التي جعلته يجمع بين كل هذه الأفلام والملاحظ في هذه الأعمال تفرد السيد بدير بكتابة الحوار فدائما ما كان يسند إليه كتابة الحوار وأيضا تعاونه في عدد كبير من الأعمال مع نجيب محفوظ وصلاح أبوسيف الأول في كتابة السيناريو والثاني مخرجا وأيضا مشاركا في السيناريو. فقد كتب الحوار لفيلم «الفتوة» عن قصة لمحمود صبحي الذي شارك نجيب محفوظ في كتابة السيناريو أما الحوار فكان للسيد بدير وتكرر التعاون بين محفوظ وبدير مرة أخرى في فيلم «ريا وسكينة»، وسوف يستمر في أعمال أخرى مثل جعلوني مجرما وشباب امرأة عن قصة أمين يوسف غراب.
وفي اتجاه آخر يكتب حوار القلب له أحكام قصة وإخراج حلمى حليم وسيناريو على الزرقاني وكتب أيضا القصة والسيناريو والحوار الفيلم إسماعيل ياسين فى البوليس. والحوار النموذج الذي يجسد أسلوبه هو فيلم صاحب الجلالة» الذي أخرجه فطين عبد الوهاب والذي كتبه السيد بدير عن مسرحية الفرنسي ساشا جیتری».
وهو نموذج لحبكة الفودفيل التي برع فيها السيد بدير ممثلاً وكاتبا ومخرجا أيضا. والمتتبع لأعماله لا بد أن يلاحظ تأثره الكبير بصيغة الفودفيل هذا الأسلوب الذي يقوم في بنائه على الحبكة البسيطة والسهلة والمواقف الملتبسة التي تثير الضحك وتكون من عوامل التشويق والإثارة من خلال شخصيات تحمل مواصفات خاصة تحدث لهم أو يجدون أنفسهم في مواقف غريبة تؤدى إلى نتائج مثيرة، حوادث أقرب إلى حكايات ألف ليلة وليلة، أقرب إلى منطق الليالي أو اللامنطق في الأحداث ومبرراتها الدرامية وهذا لم يقتصر فقط على الكتابة بل انحيازه لهذا الأسلوب أيضا في الإخراج و «فيلم سكر هانم» نموذجا، وقد كتب السيناريو والحوار له أبو السعود الإبياري.
والد الشهيدين
عاش السيد بدير حياة مثيرة ليس فقط بين الاستوديوهات والمسارحبل في حياته الشخصية، فقد أنجب من زوجته الثانية الفنانة شريفة فاضل ابنه «سيد» الطيار الذي استشهد في حرب أكتوبر 1973. وكان لهذا الحادث أثر كبير في حياته فيما بعد، وبسبب الشهيد كانت أغنية «أنا أم البطل» التي غنتها والدته شريفة فاضل وكتبتها الشاعرة نبيلة قنديل ولحنها الموسيقار على إسماعيل
ابنی حبیبی یا نور عيني.. بيضربوا بيك المثل / كل الحبايب بتهنيني
طبعا ما أنا أم البطل / يا مصر ولدى الحر.. اتربى وشبع من خيرك / اتقوى من عظمة شمسك.. اتعلم على إيد أحرارك / اتسلح بإيمانه واسمك /شد الرحال.. شق الرمال.. هز الجبال. عدى المحال / زرع العلم.. طرح الأمل.. وبقيت أنا.. أم البطل».
الأغنية التي ذاع صيتها وحفظها المصريون وارتبطت دائما بذكرى نصر أكتوبر. وكان القدر رحيما بالسيد بدير ولم يشاهد مأساة الابن الثاني سعيد، حيث حكى لى ابنه سامى بدير عن الشهيد الثانى سعيد السيد بدير والذى كان من العلماء في مجال حرب الكواكب، وقام بالتدريس في ألمانيا في جامعة دوسلدورف بالإضافة إلى تفرغه لأبحاثه في تلك الفترة. وتلقى عرضا من وكالة ناسا للعمل فيها ولكنه رفض لسببين الأول أنه كان مصمما على أن يعود بعلمه إلى مصر، والثاني شروط العمل في ناسا التي تتطلب أن يكون ملكا لهم يعيش في مكان لا يراه أحد. وبعد هذا الرفض يحكى سامى بدير عن المضايقات التي تعرض لها سعيد حيث قذفوا كرة من النار في شرفته، وحاولوا الاعتداء عليه في الشارع كأن تحاول سيارة أن تصدمه. ولم يجد إلا هذه الحيلة: فأثناء توجهه إلى الجامعة وفى نفس الموعد ذهب إلى المطار وحصل على بطاقة سفر إلى القاهرة، وحاولوا إنزاله من الطائرة ولكن الطيار المصرى رفض، ووصل سعيد بدير إلى القاهرة. وطلب مقابلة الرئيس مبارك الذي كان يعرف العائلة جيدا فقد درس للشهيد سيد السيد بدير فى القوات الجوية. وتم تحديد موعد يوم خميس وكان سعيد في الإسكندرية في شقة أحد إخوته سامح بدير، وقبل الموعد بيومين فارق الحياة يوم الثلاثاء في عملية اغتيال محكمة.
وحكى سامى أنهم التقوا بعد رحيله بصحفية أجنبية في مصر وأكدت لهم فعل الاغتيال. وكانت وفاته عام 1989 بعد رحيل والده بثلاثة أعوام.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...
مشاهد مسرحية وأغان مصرية
الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...
أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...