زينب والعرش.. قراءة درامية للعلاقة بين ثورة يوليـو والصحافة

نحن فى شهر يوليو 2024، نحتفل بذكرى مرور 72 عاماً على حركة الضباط الأحرار، فى ليلة من ليالى «يوليو» فى العام 1952،

وفى صباح «الأربعاء 23 يوليو» من ذلك العام الفارق فى تاريخ مصر، انتقل مركز التغيير والثقل السياسى من «الشارع والحزب» إلى مقر القيادة العامة للجيش، وتشكل ظرف سياسى جديد، ظهر فى المشهد الأول اللواء محمد نجيب، ثم اختفى مع «جماعة الإخوان»، لأنه صدق وعدهم له بالانحياز إليه ضد «عبدالناصر» وفى العام 1954 اختلف المشهد مرة ثانية، وقع جمال عبدالناصر اتفاقية «الجلاء» مع بريطانيا، وشهد العام نفسه إخراج عشرات من أساتذة الجامعة، خارج الجامعة، لأنهم دافعوا عن «الديمقراطية» وطالبوا بعودة «الجيش» إلى الثكنات، وأرغم خالد محيى الدين على السفر إلى سويسرا، وهو المطالب بالديمقراطية، وكان رئيسا للوزراء، وفى العام 1955 وقعت مصر صفقة الأسلحة التشيكية، لتسليح الجيش المصرى وتحديثه وتجهيزه للدفاع عن الوطن، وفى العام 1956 قرر عبدالناصر تأميم القناة، ووقع العدوان الثلاثى على بورسعيد، وخرج من الأزمة زعيماً عالمياً، وفى العام 1959 قرر إيداع «الشيوعيين» السجون والمعتقلات، واستطاع فى ليلة واحدة القبض على أربعة آلاف شيوعى، وكان الصدام بينه وبين الإخوان فى العام 1954 عندما حاولوا اغتياله، وفى العام 1960 قرر»هيكل» و«ناصر» إعادة «هندسة» الصحافة المصرية، لتكون على مقاس اللحظة السياسية الجديدة، وقيل الكثير عن «هيكل» الذى قضى على الصحافة ليكون هو الصحفى «الأوحد»، وفى روايته «زينب والعرش» التى أصدرها 1972 قال «فتحى غانم» كل شىء عن مجتمع الصحافة فى الفترة الفارقة فى تاريخ مصر المعاصر، وتحولت الرواية إلى مسلسل تليفزيونى «أذيع للمرة الأولى 1980» من إخراج «يحيى العلمى» وقام بالبطولة «محمود مرسى، حسن يوسف، صلاح قابيل، سهير رمزى» واستطاع المسلسل أن يقدم صورة للطبقة المتوسطة فى ظل قرارات ثورة يوليو، مثل انهيار من تبقى من الشركس وبقايا المماليك، وصعود الأعيان المصريين، وظهور نموذج الصحفى الانتهازى «عبدالهادى النجار» فى ظل الصراع الحزبى فى سنوات حكم «الملك فاروق»، وكاتب السيناريو هو «صلاح حافظ» بالتعاون مع كاتب الرواية «فتحى غانم» واستطاع المسلسل أن ينقل للشارع المصرى تفاصيل الصراع بين «دياب» و«النجار» أو الصراع بين «الضابط» و«الصحفى» وفى هذا المسلسل قدمت «سهير رمزى» أجمل أدوارها، وكذلك «حسن يوسف، كمال الشناوى، عبدالمنعم إبراهيم» وكانت موسيقى «عمار الشريعى» تعبيراً عن اللحظة وتصويرا لها بعمق وإحساس عميق بها، لحظة موت زمن «الإقطاع» ومولد زمن «الطبقة المتوسطة» فى أوائل خمسينات القرن الماضى.

إبراهيم حمدى يقتل الوزير الخائن.. «فى بيتنا رجل» مناضل!

الاغتيال السياسى، حل فرضته ظروف مصر السياسية، وكانت عملية اغتيال «بطرس غالى» فى العام 1910 نفذها الشاب إبراهيم الوردانى نتيجة لحادث «دنشواى» الذى قتل فيه الفلاحون ضابطاً إنجليزياً، حاول إحراق جرن القمح، وأصاب زوجة مأذون قرية «دنشواى» بالمنوفية، بطلق نارى، وقرر»كرومر» المعتمد البريطانى إرهاب الشعب المصرى، فعقد محكمة مؤلفة من فرقة قضاة خونة، وأعدم أربعة فلاحين، وجلد منهم عشرة، وسجن آخرين، وشهدت سنوات العشرينات حادث مقتل «السردار» البريطانى، وترتب عليه إخراج الجيش المصرى من السودان، وكان المتهمون ينتمون لحزب الوفد حسب الزعم البريطانى ووقعت قبلها محاولات لاغتيال «السلطان حسين كامل» بسبب خضوعه التام لسلطة المندوب السامى البريطانى، وفى الأربعينات اتسعت دائرة الاغتيالات فشملت «النقراشى باشا، أحمد ماهر، أمين عثمان» واختار الكاتب «إحسان عبدالقدوس» قصة اغتيال «أمين عثمان» وهو وزير مالية فى حكومة الوفد من العام 1942 حتى 1944» وهو رئيس جمعية الصداقة المصرية البريطانية، والتصريح الذى تسبب فى قتله كان يصف فيه العلاقة بين مصر وبريطانيا بالزواج الكاثوليكى، أبدىّ ولا طلاق فيه، وهذا التصريح، أشعل نار الوطنية فى قلوب مجموعة من الشبان الرافضين وجود الاحتلال البريطانى على أرض مصر، فقرروا قتله، ومن الذين اتهموا بقتله «حسين توفيق» و«محمد إبراهيم كامل» و«أنورالسادات» ولكن فيلم «فى بيتنا رجل» احتوى خبرات منقولة عن مناضلين آخرين، غير المناضل «إبراهيم حمدى» الذى قام بدوره الفنان «عمر الشريف»، مثل «دكتور شريف حتاتة» فهو مناضل فى تلك الفترة، واستطاع الهروب من «قصر العينى» بذات الحيلة التى استخدمها «إبراهيم» والذى نستطيع قوله هنا إن «هنرى بركات» مخرج الفيلم، اختار فريق تمثيل، بارع، وكان موفقا فى تسكين الأدوار، فمنح كل ممثل الدور المناسب له، ومن أهم الأدوار فى هذا الفيلم فى وجهة نظرى دور «حسين رياض» و«توفيق الدقن» و«زهرة العلا» وبعدهم يأتى «عمر الشريف» و«عبدالخالق صالح» الضابط فى القسم المخصوص ومعيار التفوق هنا، قدرة الفنان الممثل على التقمص والإقناع، أى قدرته على فهم الشخصية، وإقناع المشاهد بها إقناعا تاما، حتى إن المشاهد ينسى «شخص الممثل» ويعايش «الشخصية الدرامية» من أول لقطة حتى آخر لقطة، ومن الجميل فى سيناريو الفيلم تقديمه مشهد حادثة كوبرى عباس، وهى حادثة قتل فيها عشرات الطلاب، وغرق العشرات، بعد قيام «جهاز الأمن» بفتح الكوبرى للحيلولة دون وصول المظاهرة إلى ميدان «الإسماعيلية» التحرير حالياً، وأصبح يوم قتل هؤلاء الطلبة، يوم الطالب المصرى «21 فبرايرـ 1946» ولقى استشهاد الطلبة، تعاطفا من كل أحرار العالم، وكان رئيس الحكومة فى تلك الفترة هو «محمود فهمى النقراشى» أحد ثوار ثورة 1919 وهو نفسه قتل على أيدى «التنظيم الخاص» التابع لجماعة «الإخوان» فى ديسمبر 1948.

الزوجة الثانية.. صورة لمجتمع الفلاحين فى ظل حكم الإقطاع

انتهت ثورة يوليو، وأصبحت فى ذمة التاريخ، لكن إنجازاتها فى القطاع الفلاحى، مازالت آثاره باقية، فهى نقلت الفلاحين من حالة القهر والظلم إلى حالة أفضل، جعلت الفلاحين سادة، لا يخضعون للباشا، أو «ناظر العزبة» ومن أولاد الفلاحين من بلغ مرتبة الوزير، ورئيس الوزراء، وهذا قبل 23 يوليو كان نوعا من الخيال، فالفلاح كان مملوكا لصاحب الأرض، وجاءت ثورة يوليو ورأت ثورة «بهوت» فى الدقهلية، حيث سبق الفلاحون الضباط وكل شرائح المجتمع فى التصدى لحكم الإقطاع، وكان هيكل الكاتب الصحفى المقرب من «عبدالناصر» كتب عن تمرد الفلاحين فى «بهوت» وكان هذا التمرد بداية الرفض الشعبى للمنظومة كلها، الملك والأحزاب، والإقطاع، وهذا ما جعل «الضباط الأحرار» يلقون التأييد الشعبى منذ إذاعة البيان الأول فى صباح «23 يوليو 1952» واستطاعت «سينما الفلاحين» أن ترصد هذا التحول الكبير فى حياة «الفلاح المصرى» وفيلم «الزوجة الثانية» المأخوذ عن قصة «أحمد رشدى صالح» وأخرجه «صلاح أبوسيف» تناول مجتمع الفلاحين فى ظل الإقطاع، فقدم صورة «العمدة عتمان» الحاكم بأمره، المتحكم فى جموع الفلاحين الفقراء، بالاعتماد على منظومة فاسدة تضم رجال الدين والخفراء والمأمور والدجالين والكتبة والصرافين الذين يتولون عملية تكبيل الفلاحين بالقروض وسرقة عرقهم بالأوراق الرسمية والأختام المزورة، وقدم صورة «الفلاحين» الرافضين هذا الظلم، لكنه الرفض السلبى، وعلى رأس هذا الفريق الفلاحى المقاوم، تأتى «فاطمة» الفنانة سعاد حسنى وقدم الثقافة الشعبية للفلاح، مثل الأغانى والرقصات وطقوس الزفاف، وكان زمن إنتاج الفيلم «1967» مهمّاً فى تذكير الناس، بمنجزات «ثورة يوليو» بعد أن وقعت «هزيمة 5 يونيو» وكأن الفيلم كان دعوة للوحدة الوطنية والتمسك بمنجزات الثورة رغم الهزيمة الثقيلة المرة.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

سعاد

المزيد من فن

هما مير أفشار: رحيل ملكة الشعر الغنائي في إيران

فقدت الساحة الموسيقية في إيران، واحدةً من رواد الشعر الغنائي، وعلمًا من أعلامه البارزين في زمن تألق الفنون الإيرانية خلال...

19 % زيادة فى أرباح «الإنتاج الإعلامى» خلال الربع الأول من العام المالى 2026

أعلن مجلس إدارة مدينة الإنتاج الإعلامى برئاسة عبدالفتاح الجبالى، الإثنين الماضى، القوائم المالية المستقلة والمجمعة عن نشاط الشركة فى نهاية...

خالد النبوى يحضر «طاهر المصرى» الشهر المقبل

أجل صناع مسلسل «طاهر المصرى» تحضيرات العمل إلى الشهر المقبل، تمهيداً لبدء التصوير.

ياسر جلال: أتمنى عودة الاحتفال بـ«بعيد الفن»

أسعى لتغيير صورة الفنان