هزيمة الطبقة المتوسطة فى ثرثرة «محفوظ» فوق النيل

فى أحاديثه الصحفية يتكلم «نجيب محفوظ» عن روايته «ثرثرة فوق النيل» بحساب ودقة، ويربط بينها وبين الخوف الذى أحس به،

 لما نشرت حلقاتها مسلسلة على صفحات «الأهرام» وأحس «عبدالحكيم عامر» بالخطر من هذه الرؤية الناقدة التى توجهها الرواية لنظام الحكم، ويقول محفوظ إن قوة من الشرطة تحركت للقبض عليه، لولا أن «ثروت عكاشة» وزير الثقافة، أقنع عبدالناصر، بأن الرواية ليست ذات خطر على النظام، وينفى الأديب الكبيرـ مقولة «النبوءة» التى ربطت بين ما كتبه فى الرواية، وما جرى يوم «5 يونيو 1967» وهو نفسه الذى وصف «النكسة» بالكارثة، فكان يؤرخ بها فيقول «قبل وقوع الكارثة» أو «بعد وقوع الكارثة» ولا يستخدم كلمة «هزيمة» أو المسمى الهيكلى «نكسة» والهيكلى، نسبة إلى «هيكل» الرجل الوحيد الذى نجا ولم يصب بسوء، رغم أنه مهندس المرحلة كلها، منذ لقائه الأول بالضابط «جمال عبدالناصر» ذات ليلة فى بيت «محمد نجيب» حتى وفاة «الزعيم» فى 28 سبتمبر 1970، واستطاع القفز، فوق الأسلاك والأشواك، ويظل بجوار «السادات» حتى العام 1974، وهذه قدرات خاصة تمتع بها الكاتب الصحفى الذكى الراحل.

ويقول «نجيب محفوظ» إن «ثرثرة فوق النيل» لا تحمل أية نبوءة، لأنه كان صعباً على أى أحد أن يتنبأ بشىء، أو يتوقع أحداث المستقبل.

والحقيقة أننا لا نكذّب رائد الرواية العربية فى ما قاله، لكن من المهم أن نعلم أن «الذات الكاتبة» أو «القدرة الخاصة» التى يمتلكها الكاتب، تجعله يتوصل إلى رؤى وأفكار، تدهشه شخصياً، بعد أن يخرج من حالة الإبداع ويجلس ليقرأ ما كتبه، فتكون دهشته كبيرة، ويقول لنفسه «أنا كتبت الكلام ده إزاى؟» وهذا ما حدث مع محفوظ فى ثرثرة فوق النيل، اندهش من ربط الناس بين أحداث الرواية، ووقوع هزيمة «5 يونيو 1967»، والتفسير المقبول عندى، أن نجيب محفوظ المنتمى للطبقة المتوسطة، انتماء فكرياً، واقتصادياً وسياسياً، كان يعيش أزماتها، ويرى من خلال مواقعه الوظيفية «الانهيار والفساد» الذى ينخر فى دولاب الجهاز الإدارى للدولة، ويرى الهزيمة النفسية، المعبر عنها بالانهيار القيمى والأخلاقى، وشيوع «الخيانة الزوجية» والرشوة، وبيع الجسد، من خلال قربه من رموز هذه الطبقة، بكافة شرائحها، من مهندسين وموظفين ومحامين وصحفيين، وفنانين، وهذا كله امتصته «الذات الكاتبة» وخرج فى ثنايا هذه الرواية الفارقة فى مسيرته الإبداعية، وطاقم الفيلم، عبر عن هذه الرؤية المتشائمة، المستشرفة للخطر المقبل، واستطاع أن ينقل نبض «الطبقة المتوسطة» التى دعمتها ثورة يوليو 1952 واعتبرت نفسها معبرة عنها وعن رؤاها وتطلعاتها الاقتصادية والسياسية، وكان الخطر كامناً فى التصعيد غير المحسوب، فى الصراع مع الاستعمار العالمى «الرأسمالية العالمية»، فوقعت الهزيمة العسكرية، لكن الهزيمة الاجتماعية، كانت متحققة وقائمة، لكن كان لدى «السلطة» حالة إنكار، فهى التى فتحت شهية الطبقة المتوسطة للثروة، واختلقت برنامجا أسمته «الميثاق» وتركت اللصوص يسرقون المال العام، فكفر الناس بكل معنى نبيل، وشعروا بالغربة، وتملكتهم الأنانية، وأصبح فيلم «ثرثرة فوق النيل» شهادة على عصر ازدهرت فيه الطبقة المتوسطة وحكمت البلاد وهزمت فى مواجهتها العسكرية مع الرأسمالية العالمية منذ سبعة وخمسين عاماً.

أم كلثوم تغنى لعبدالناصر: إِبْقَ فأنت حبيـب الشعب

أم كلثوم كانت «الهرم الرابع» كما يقولون، وتعرضت لهجوم شديد من جانب من رأوا أنها حازت «وسام الكمال» من الملك فاروق، ولكن الثابت أيضاً أنها غنت أغنية رثاء للزعيم «سعد زغلول» فى العام 1927، ولما وقع الضباط الأحرار المقاتلون فى «فلسطين 1948» فى قبضة عصابات الصهيونية، وحوصروا فى «الفالوجا» تواصلت معهم وغنت لهم فى حفلها الشهرى ما طلبوه من أغانيها، ومع بدايات ثورة يوليو 1952 أفتى «سيد قطب» مفتى الإخوان وكان مستشاراً فى الإذاعة، فى «شهر العسل» القصير الذى جمع بين الثورة والإخوان، بضرورة منع أغنيات أم كلثوم، باعتبارها من مطربات العصر البائد، ومنعت بالفعل، وأعلنت أم كلثوم اعتزالها الغناء، وبلغ الخبر مسامع عبدالناصرـ عبر مصطفى أمين الصحفى المعروف فقرر على الفور إعادة أغانيها، وألغى القرار الذى صدر من الضابط المسئول عن الإذاعة، وبدأت «كوكب الشرق» صفحة جديدة، فأصبحت تغنى فى كل المناسبات القومية، وأصبحت صوت الثورة فى الأقطار العربية، ومن الأغنيات التى فرضتها الظروف أغنية «حبيب الشعب» التى كتبها الشاعر «صالح جودت» بناء على طلبها، ولحنها «رياض السنباطى» فى ثلاثة أيام، وأذيعت الأغنية فى اليوم الثانى عشر من شهر يونيو 1967، وهو الشهر الذى خسر فيه المصريون الأرض والولد، وفيه ضاع ما تبقى من فلسطين، وفيه صاغ «هيكل» الهزيمة واستعداده لتحمل كل النتائج، ومطالبته الشعب بقبول قرار اعتزاله العمل السياسى، لكن الشعب المصرى بتاريخه العريق ومخزونه الحضارى، خرج رغم الظلام الذى غمر «القاهرة» ورغم غارات طائرات العدو، ليرفض تنحى الرئيس، ويطالبه بالبقاء فى السلطة والعمل على إعادة بناء الجيش وتحرير «سيناء» التى احتلتها إسرائيل، وقالت كلمات الأغنية التى كتبها «صالح جودت» ترجمة لمشاعر الجماهير»قم واسمعها من أعماقى، فأنا الشعب، إبق فأنت السد الواقى لمنى الشعب، أنت الخير وأنت النور، أنت الناصر والمنصور، أنت الصبر على المقدور، قم للشعب وبدد يأسه، واذكر غده واطرح أمسه، قم وادفعنا بعد النكسة، وارفع هامة هذا الشعب، إبق فأنت حبيب الشعب.. دم للشعب» ولم تكتف أم كلثوم بالغناء فى مصر، بل طافت العواصم العربية وأحيت حفلات خصصت عوائدها لصالح إعادة بناء الجيش المصرى.

القضية 68.. محاولة سينمائية لإصلاح الاتحاد الاشتراكى

كان الزمان، زمان الأحزاب الشيوعية والاشتراكية، فقد انتصر الحزب الشيوعى السوفييتى على النازية فى الحرب العالمية الثانية، واستطاع الحزب الشيوعى الصينى، قيادة حرب التحرير وبناء «الصين الشعبية» واختارت «يوغوسلافيا» صيغة للحزب الحاكم فيها، فجمعت فيه بين الرؤى الاشتراكية والرؤى الرأسمالية، وفى العام 1962 قرر «عبدالناصر» والجناح الذى يمثله فى السلطة أن يغير التحالف السياسى ويبتكر «الميثاق» وهو العقد الاجتماعى الذى نص على أهمية التوجه والحل الاشتراكى، وتحدث عن تحالف العمال والفلاحين والرأسمالية الوطنية والمثقفين الثوريين والجنود، وفتح باب النقاش حول هذا الميثاق، وقام ما يسمى «الاتحاد الاشتراكى» وهو هيكل تنظيمى، اجتمعت فيه كل العناصر الانتهازية، التى احترفت الأكل على كافة الموائد، وهذا باعتراف عبدالناصرـ الذى قرر تأسيس تنظيم داخل هذا الاتحاد، أطلق عليه اسم «طليعة الاشتراكيين» واختصره المشتغلون بالعمل السياسى إلى «التنظيم الطليعى» ووقعت «هزيمة 5 يونيو» وتبين للجميع أن الاتحاد الاشتراكى، تجمع مستفيدين، يضم الذين يبحثون عن المكاسب، وجاء فيلم «القضية 68» ليكون محاولة سينمائية، لنقد الأوضاع السياسية السائدة، بهدف تحقيق الإصلاح بعد وقوع «النكسة»، وكان البيت الذى فيه مقر لجنة خدمة أهالى الحى بالاتحاد الاشتراكى، هو الرمز الذى استخدمه مؤلف القصة «لطفى الخولى» ومخرج الفيلم «صلاح أبوسيف»، فهو «النظام السياسى» المصاب بالانقسام أو «الشرخ» وهذا الشرخ، كان يزداد اتساعاً كل يوم، وكان الانتهازيون «داخل الاتحاد الاشتراكى» يبررون وجود الشرخ، ولكن عند لحظة معينة، انهار المنزل على من فيه، وماتوا، وهذا ما حدث فى «فبراير 1968» خرج الشباب رافضين الأحكام الهزيلة التى أصدرتها المحكمة العسكرية، ضد القادة المتهمين بالمسئولية عن «الهزيمة» وكان العالم كله يشهد غضب الشباب «فبراير 1968» وتأزم الموقف، ولم يجد عبدالناصر وسيلة غير امتصاص غضب الشعب، بإصدار بيان «30 مارس» الذى تعهد فيه بتحقيق الديمقراطية ومنح الجماهير الدور القيادى، ولم يتحقق شىء من هذه الوعود لأن «حرب الاستنزاف» طغت على كافة القضايا والأهداف الأخرى.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

روايات نجيب محفوظ فى الإذاعة والتليفزيون.. فرحة لكل الناس
الشعب المصرى يودّع كوكب الشرق بالدّموع فى يوم 3 فبراير 1976
رفلة
فيلم
نجيب
محفوظ
أم كلثوم تعود من جديد على قناة النيل للدراما.. شكراً يا أستاذة أنعام
نجيب

المزيد من فن

رسائل تنشر لأول مـــرة بين عبد الحليم حافظ وحلمى رفلة

فى ذكرى رحيل العندليب الأسمر 3-3

الأبنودى الشاعر الكبير.. رحل الجسد وبقى الإبداع فــى قلوب الناس

رحل عن الدنيا فى يوم 21 أبريل 2015، وحزن عليه الناس الذين أحبوه، لكن هناك فئة أخرى حقدت عليه وحسدته...

«Me & Roboco».. فيلم الفانتازيا والكوميديا

حول عالم تمتلك فيه معظم العائلات روبوتات خادمات لطيفة، يتمنى بوندو، وهو طفل عادى فى المرحلة الابتدائية، أن يحصل على...

الفنان محمد إبراهيم يسرى: والدى دخل المستشفى على قدميه وخرج محمولاً

11 سنة مرت على وفاة الفنان إبراهيم يسرى، الذى كتب له القدر أن يرحل فى يوم ميلاده ذاته (20 أبريل)،...