صلاح السعدنى.. فنان التزم بثوابت الثقافة الوطنية المصرية

رحل منذ أيام الفنان الكبير «صلاح السعدنى» وهو النجم التليفزيونى والسينمائى والإذاعى المعروف والمحبوب من جماهير الدراما،

 وجماهير السياسة أيضاً، رغم أنه لم يكن عضواً فى حزب، لكنه كان من محبى «الناصرية» ومؤيدى الزعيم الراحل «جمال عبدالناصر»، ومن يتأمل الأعمال الفنية التى قدمها الفنان الراحل، سوف يجدها معبرة عن ثوابت الثقافة الوطنية المصرية، وهذه الثوابت من أهمها، العروبة والانتماء للثقافة العربية بمكوناتها، والدفاع عن حقوق الشعوب العربية فى مواجهة الاستعمار، والانتماء للقارة الأفريقية، والانحياز المطلق لقيمة العدل، واحترام قيمة العمل المنتج للحضارة، وهذه القيم والثوابت، كانت الدليل الذى التزم به الفنان الراحل، منذ ظهوره الأول على شاشة التليفزيون فى ستينات القرن الماضى، حتى ابتعاده عن الكاميرات فى السنوات العشر التى سبقت رحيله، فهو المدافع عن التراث والأصالة وقيمة الإبداع المصرى، فى مسلسل «أرابيسك» وهو المعادى للفهلوة والنصب والسرقة، لأن شخصية «حسن أرابيسك» كانت تحمل سمات «ابن البلد» المؤمن بوطنه والمعتز بقيمة عمله وفنه ومهنته، وهذه الشخصية قدمها صلاح السعدنى بروح المثقف الذى يدافع عن منظومة القيم الأساسية للطبقات الكادحة، وكان نقيضه فى المسلسل هو «المنتصر بالله»، صهره «الفهلوى»، وهذه الشخصية هى صانعة «نجومية» الفنان الراحل، بالتكامل مع شخصية «سليمان غانم» العمدة الشرس، فى «ليالى الحلمية»، وكثيرون من الذين أعجبهم تجسيد الفنان الراحل لشخصية «سليمان غانم» اهتموا بما أضفاه عليها من عبارات و«لزمات» أو «إفيهات»، وهذا كله من دلائل فهم الفنان الكبير للشخصية، بحكم مولده فى مجتمع الفلاحين فى «المنوفية» وحياته قريباً من الفلاحين فى «الجيزة» ونشأته فى كنف شقيقه الكاتب الصحفى الراحل «محمود السعدنى»، لكن الأهم والأخطر فى هذه الشخصية، هو البعد النفسى، فالأثرياء من طبقة الفلاحين، امتلكوا الأرض الزراعية، وصعدوا إلى قلب المشهد السياسى مع الثورة العرابية، ومع تكوين مجلس شورى القوانين فى عهد الخديو إسماعيل، وكان لهم حزبان كبيران «الوفد» و«الأحرار الدستوريون» لكنهم ظلوا «فلاحين» يعشقون امتلاك الأطيان، ويعادون «الحضر» أو «البرجوازية المدينية» وهذا هو مصدر العداء الذى كان بين «سليمان غانم» الفلاح الثرى و«سليم البدرى» صاحب المصنع، ابن المدينة المتطلع للجانب الآخر من البحر المتوسط، الأوروبى الهوى، وهذا هو ما أبدع «أسامة أنور عكاشة» فى تقديمه، وأبدع «صلاح السعدنى ويحيى الفخرانى» فى رسمه وتجسيده على الشاشة، فالطبقة البرجوازية المصرية لها جذران، جذر «فلاحى» قديم، وجذر «صناعى» حديث خلقه مشروع محمد على، الذى أنشأ المصانع لخدمة الجيش، ونتجت عنها طبقة عاملة واسعة وطبقة صناعيين، أنشأوا صناعة الغزل والنسج وغيرها، ورمزهم المشهور «طلعت حرب» مؤسس الصناعات الوطنية بعد ثورة 1919 ومنشئ «بنك مصر»، وموهبة «صلاح السعدنى» وقدرته على دخول القلوب مكنته من البقاء على عرش الدراما التليفزيونية لعشرات السنوات، فكان واحداً من الكبار «عادل إمام ونور الشريف وسعيد صالح ومحمود عبدالعزيز وأحمد زكى» وكلهم من أبناء المشروع «الناصرى» الوطنى وكانوا أوفياء له فى كل أعمالهم، رحم الله صلاح السعدنى، ورحم معلمه وأبيه الروحى محمود السعدنى.

صلاح جاهين قتلته كلمات أغنية من تأليفه غنتـها أم كلثوم

فى أبريل 1986 توفى إلى رحمة الله الشاعر الفنان الكبير متعدد المواهب «صلاح جاهين» وهو الذى اعترف بأنه شاعر بالحزن «وتطور الحزن ليصبح شعوراً بالخجل والندم وزاد ليصبح اكتئاباً ويصبح صلاح مريضاً ًبه»، وشعوره بالحزن أصابه فى يوم الاثنين الموافق 5 يونيو 1967، وهو اليوم التالى لإطلاق أغنية «راجعين بقوة السلاح، راجعين نحرر الحما، راجعين، كما رجع الصباح، من بعد ليلة مظلمة» وكانت ضمن حملة غنائية قامت بها فرق الفنانين المصريين فى الأسابيع التى شهدت التصعيد العسكرى والسياسى بين «مصر» و«إسرائيل» وانتهى التصعيد بتدمير سلاح الطيران المصرى، وانسحاب القوات المسلحة البرية من سيناء واستيلاء إسرائيل على أطهر أرض مصرية، واستشهاد الآلاف من الجنود والضباط، وارتباك النظام السياسى الحاكم، وفى التاسع والعاشر من يونيو، خرج الشعب ليعلن الصمود والإصرار على المعركة، ورفض تنحى «عبدالناصر» عن السلطة، وكل هذه الأحداث، ضاعفت من هزيمة وانكسار «صلاح جاهين»، ترجمان «ثورة يوليو» الذى تغنى «عبدالحليم وأم كلثوم» بأغنياته الوطنية، بل إن النشيد الوطنى للجمهورية العربية المتحدة، كان من تأليفه، وهو النشيد الذى يقول مطلعه «والله زمان يا سلاحى، اشتقت لك فى كفاحى، انطق قول أنا صاحى، يا حرب والله زمان» وظل تلاميذ المدارس يرددونه قبل دخول الفصول، كل صباح، وظلت الفرق الموسيقية العربية والأوروبية والأفريقية والآسيوية تعزف لحنه كلما زار «عبدالناصر» هذه البلاد، وفجأة، انتهى كل شىء، وجرى الانتقام الشخصى من الشاعر الكبير، لدرجة أنه لم يستطع نشر «كاريكاتير» يعلن فيه عن فرحه بديوان شعر لولده «بهاء جاهين» وحذف «الرقيب» الكاريكاتير من «الأهرام»، ولم يستطع الشاعر الكبيرـ أن ينتزع موافقة من وزارة الثقافة على تقديم مسرحية من تأليفه على مسرح من مسارح الوزارة، وبعد التنكيل، والتهميش، كتب صديقه «نجيب محفوظ» روايته «قشتمر» وفيها شخصية الشاعر النبيل الجريح الذى خانه الجميع، وعاش «صلاح جاهين» الشاعر رغم أنف الحاقدين والكارهين.

الشيخ سيد مكاوى آخر عنقود الشيوخ الملحنين

فى أبريل 1997 رحل الملحن والمطرب الشيخ سيد مكاوى، آخر عنقود الشيوخ الملحنين، وهو آخر «شيخ» غنت له أم كلثوم، أغنية «يا مسهّرنى» وفيها الطرب التقليدى الذى عرفه جمهورها مع ألحان الشيخ زكريا أحمد والشيخ أوالعلا محمد، وقصة «الشيوخ» مع الموسيقى، ارتبطت بمرحلة الإحياء التى تزعمها الشيخ محمد المسلوب، فى زمن الخديو إسماعيل، والشيخ سلامة حجازى، ثم الشيخ سيد درويش والشيخ إسماعيل سكر والشيخ على محمود، وهذه المدرسة استمدت وجودها من إحياء التراث الموسيقى العربى الأندلسى، وعرفت الموسيقى التركية، وربطت هذا الميراث بالقرآن الكريم، بتلاوته مجوّداً، على مقامات موسيقية، ومن التجويد، لمع نجوم التواشيح والإنشاد، فأصبح الشيخ الأزهرى، يحفظ القرآن، ويجوده، ويضع الألحان، ويغنى فى ليالى رمضان، ولا يرى فى ذلك عيباً ولا حراماً، وأحب الناس أصوات الشيوخ «على محمود ومحمد رفعت ومصطفى إسماعيل ومحمد صديق المنشاوى وطه الفشنى والطبلاوى» وظلت هذه المدرسة المصرية الأزهرية قائمة، حتى خرج من قلبها شيخان، شيخ اعتمدته الإذاعة مطرباً وملحناً «سيد مكاوى» وشيخ ثائر، تمرد على «كلمات الحب» ليلحن كلمات رافضة للهزيمة العسكرية والسياسية فى «5 يونيو»، الأول هو «سيد مكاوى» والثانى «إمام عيسى»، والاثنان يلتقيان فى بيت «درويش الحريرى» الشيخ الذى تعلم منه كل الشيوخ، ولكن «سيد مكاوى» ظهر مع «ثورة يوليو» وظل معها حتى سافر «السادات» فى رحلته إلى «إسرائيل» فغنى له سعيداً مؤيداً «كان قلبى معاك طول ما انت هناك»، وكان فى الوقت ذاته، الشيخ إمام يلحن أغنية تهاجم «السادات» كتبها الفوضوى المتمرد الشاعر أحمد فؤاد نجم، ولكن سيد مكاوى قدم لنا ألحان «الليلة الكبيرة» وقدم لنا «المسحراتى» وقدم لنا مقدمات المسلسلات الإذاعية التى كتبها «نجيب محفوظ»، ورغم أنه ظل محافظاً على قربه من «النظام السياسى» فى عهود عبدالناصر والسادات ومبارك، عاش فى وجدان الناس بما قدمه من ألحان فريدة، وكذلك عاش الشيخ إمام عيسى، بألحانه الثورية، وما زالت مدرسة الشيوخ المصريين تقاوم محاولات المحو وتعلن عن قدرتها على البقاء والمقاومة بما لها من جذور ضاربة فى القدم، وبما لها من ارتباط بالشعب المصرى فى القرى والمدن، خاصة مدينة القاهرة العريقة.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

سيد
عسر
الشاعر الكبير «الأبنودى» مازال حيّاً يا كارهى ثقـــافة الفلاحين!
شكوكو

المزيد من فن

احتفاء فنى وصدام سياسى غزة تخطف الأضواء فى «برلين»

شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...

شهر رمضان.. مناسبة دينية ذات طابع قومى

مشاهد مسرحية وأغان مصرية

القاهرة الكبرى تستعيد رموز الثقافة المصرية فى ليالى رمضان

الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...

عندما اكتشفت وردة أنها بوسطجى الغرام بين الأبنودى ونهال كمال

أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...


مقالات

كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م
الصيام وتأثيره العميق على الدماغ
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:00 م
مقياس النيل
  • الجمعة، 06 مارس 2026 09:00 ص