هالة محمود السعدنى: عمى كان النسخة «الكاجوال» من الأب

أكدت أنها محظوظة لأنها إبنة أخيه

حينما أخبرتها أننا بصدد عمل ملف كبير عن عمدة الدراما المصرية (صلاح السعدنى) تكريماً لمشواره الفنى الكبير وعطائه الإنسانى العظيم، خصت الإعلامية الكبيرة هالة محمود السعدنى مجلة الإذاعة والتليفزيون بخطاب «بخط اليد» وجهته لعمها، وهذا نصه..

صديقى صلاح

أول صديق فى حياتى وحبيبى اللى كان دائما ضهر وسند من وأنا طفلة... كنا بنعانى فى الدراسة وإحنا عيال من صعوبة الدروس اللى كتير منها أكبر من سننا بس فى وجود عمى صلاح ابتديت أحب كل صعب لأن عم صلاح بيعرف بأسلوبه السهل والبسيط يخليك مش بس تفهم لا وتحب كمان وتستمتع بطريقة سرده وحكيه اللى اتعلمه من معلمه الأول والأخ الكبير والدى محمود الله يرحمه.

والغريبة إنى ما كنتش فاهمة وأنا صغيرة يعنى إيه عم أو أخو بابا.. كنت فاكرة إنه فيه نسختين فى البيت للأب، الأب محمود السعدنى وده المسئول والكبير بتاع البيت ناظر المدرسة بمعنى أوضح.

والأب الكاجوال صاحبنا اللى بينزل لمستوى ذكائنا ومستوى هزارنا وده عم صلاح وحتى لما كبرت وفهمت يعنى إيه عمى فضلت فكرة الأب هى الفكرة الأوضح والأصدق بالنسبة لى.

دايما كنت بقول إن أكبر حظ سعيد لى فى الدنيا إنى بنتمى لبابا محمود السعدنى وعمى صلاح وهفضل سعيدة وشاكرة ربنا إنى جزء منهم......... ربنا يرحمهم ويسعدهم فى الجنة.

إلى اللقاء يا صاحبى

هالة السعدنى

لم تكتف هالة السعدنى بكل ما كتبته فى هذا الخطاب بخط اليد مشيرة إلى أن والدها السعدنى الكبير وعمها صلاح كانا من ثقافة وتاريخ وروح مصر لذا أسعدها زمانها أن تكون لو جزءًا صغيراً من هذا الكيان الكبير، كما أن صلاح السعدنى لم يكن «عم» بالمعنى التقليدى بل كان بمثابة الأخ والصديق الأول والسند الدائم.

من حكايات الطفولة التى لم تنسها هالة السعدنى هى أنه فى مرة شقيقتها الصغرى أمل كانت تقريبا فى الصف الثالث الابتدائى وقالت له يا عمو صلاح يعنى ايه «كاساتى مكاسى فى الكسوح» ضحك ثم قال إيه ده؟.... قالت له المكتوب كده فى الكتاب قالها هاتى الكتاب يا أمل..

وقال: يعنى كميتان متساويتان من الكحول

وقالت هالة: أيضاً لا أنسى حينما كان يأتى لبيتنا ومعه كل من عمو عادل إمام وعمو سعيد صالح ومعهم شخص آخر لا أذكر أسمه الآن وكان يرتدى ملابس بيضاء، لكنه كان ينسى أن يسلم علىّ أنا وإخوتى الصغار، فكنت أنا وأكرم شقيقى عفاريت وبنفهم لغة عيون عمو صلاح وعمو عادل وعمو سعيد فكنا نجرى نحط إيدينا فى الملوخية ونجرى على صديقهم ونطبع إيدينا على هدومه فكانوا يموتوا على نفسهم من الضحك».

وتضيف: شكراً للأقدار التى جعلتنى فرعاً من هذه الشجرة العملاقة المثمرة.

وأشارت هالة إلى أن والدها كان يرى فى زوجها محمود البزاوى شخصاً عبقرياً، وفى إحدى المرات رأى له فيلماً تسجيلياً عرض على إحدى قنوات التليفزيون، قال يا ابن... عبقرى لم يكن يعلم أننى بجواره، حباً فى موهبة محمود البزاوى، الذى لم يصرح له والدى بهذا الكلام،، كما رفض والدى أن يغير أسمه وقال له (الاسم الغريب مميز) وأنه سيكون مختلفاً.

وتضيف: من المواقف التى لم ننسها أنا وشقيقى، حينما عاد أكرم من بغداد بعد 7 سنوات متواصلة هناك، وجاء إلى القاهرة، انتظر فى مطار القاهرة أكثر من 7 ساعات وتم التحقيق معه، وجاء عمى صلاح وأخذه من يده وذهب به إلى منزله، فالعم صلاح لم يكن سوى أخ كبير لنا جميعاً أنا وأخواتى البنات (أمل وهبة وحنان).. رحمه الله وطيب ثراه.

أيمن سلامة يكتب:

السعـــدنى طـاقـة حب

فى منتصف الثمانينات كان اللقاء الأول وذلك فى صالة المعهد العالى للفنون المسرحية حيث تهادت إلى آذاننا نحن الطلاب رنات ضاحكة، فذهبت أستطلع الأمر فإذا به واقفاً مع أستاذنا الراحل سناء شافع.. أخذت أتطلع إلى وجهه البشوش من بعيد وتجمع الزملاء ليروا صلاح السعدنى عن قرب، ولحسن حظى فإن حنان ابنة أخيه العظيم محمود كانت زميلتى ودفعتى فى قسم الدراما والنقد فذهبنا نخبرها بأن عمها فى زيارة للمعهد فهل يمكننا أن نصافحه وأن نتحدث إليه بعض الوقت.. فقادتنا إليه ليستقبلنا بابتسامته العريضة التى تملأ وجهه وراح يتبادل معنا أطراف الحديث وكأنه يعرفنا منذ سنوات.. أدهشنى تواضعه وبساطته وحسه الكوميدى، فقد ضحكنا من قلوبنا، ثم غادر الرجل المعهد لينتهى اللقاء الأول معه.. بعد سنوات طويلة - تخرجت فيها واحترفت الكتابة- كلفنى المخرج الراحل محمد مشعل بكتابة مسلسل درامى يذاع فى الخامسة والربع على موجات البرنامج العام، ولمن لا يعرف فإن موعد الخامسة والربع كان مقدساً عند عشاق الإذاعة، حيث تذاع أهم المسلسلات لكبار الكتاب والنجوم والمخرجين، وأخذت أفكر فى موضوع يتعلق بما يحدث فى الوطن آنذاك، فوجدت بيع القطاع العام هو الحديث الشاغل للناس، وكنت واحداً من المؤمنين بأن بيع القطاع العام ما هو إلا ردة لمكتسبات ثورة يوليو 52، التى قضت على الإقطاع وسيطرة رأس المال، وقدمت الفكرة للمخرج والذى بدوره قدمها إلى لجنة النصوص بالإذاعة وكنت أظن أن اللجنة ستعترض عليها لما فيها من جرأة، ولكن أتت الرياح بما تشتهى السفن ووافقت اللجنة بالإجماع وأثنت على الفكرة ثم الحلقات، ولما عرف الأستاذ حمدى الكنيسى رئيس الإذاعة وقتها أن المسلسل يناقش أيضاً قضية الانفجار السكانى وأثره على السلام الاجتماعى قرر أن يخاطب مركز الاتصال والإعلام التابع للهيئة العامة للاستعلامات والمختص بقضايا تنظيم الأسرة ليشارك فى إنتاج المسلسل وتم ترشيح الأبطال وعلى رأسهم «صلاح السعدنى» ولن أنسى ذلك اليوم الذى فوجئت فيه بمكالمة هاتفية من الأستاذ صلاح بعدما أرسلوا إليه الحلقات وقرأها.. حيث بادرنى بقوله: انت فين يابنى؟.. وقبل أن أسأله من المتصل؟ بادرنى القول: سيب اللى فى إيدك وتعالالى حالاً.. هنا أدركت من صوته أن المتحدث هو الفنان الكبير صلاح السعدنى، وبالفعل ذهبت إليه وكان قاطناً آنذاك فى شارع أحمد عرابى بالمهندسين، وكنت أظنه يريد تعديلاً بالحلقات أو أن لديها بعض الملاحظات، لكن استقباله هدأ من روعى وبث بداخلى الطمأنينة.. (انت فين يابنى من زمان.. إزاى ماعرفكش) كلمات ما زال صدى رنينها فى أذنى رغم ما مر من زمن عليها.. وقادنى إلى غرفته والكنبة التى يقضى عليها معظم أيامه أمام شاشة التلفاز وأخذ يحدثنى عن دور القطاع العام وشركاته وكيف أمم عبدالناصر الشركات الأجنبية وأبهرتنى قدرته على ذكر الأرقام وأعداد الموظفين من البسطاء الذين وجدوا مكاناً للعمل فى هذه الشركات والمصانع وكيف استطاع القطاع العام أن يقضى على البطالة فى مصر وأن يغير من نمط الحياة الاجتماعية للمصريين حيث جعل نصفهم تقريباً «أفندية» أو موظفين ضامناً لهم حياة كريمة براتب معقول أو بمعاش يورث، وفرح السعدنى بطرح هذا الموضوع فى مسلسل إذاعى وطالبنى بتحويله إلى التليفزيون، وتعددت اللقاءات أثناء التسجيل فى استوديوهات الإذاعة، وذات يوم وكنت جالساً فى غرفة التحكم بجوار المخرج محمد مشعل فوجئت به يدخل إلينا ومعه هاتفه مردداً لى: «خد.. إسماعيل عبدالحافظ معاك أهو» وأصابنى الارتباك، فما زلت فى أول الطريق وهاهو صلاح السعدنى يساعدنى فى الوصول إلى العملاق إسماعيل عبدالحافظ الذى هاتفنى بمنتهى الهدوء مردداً: صلاح بيقول فيك شعر.. هات ورقك وتعلالى.. وذهبت إلى مكتبه بالعمرانية.. وفوجئت أنه كان بمفرده وأصر أن يعد الشاى بنفسه.. يا الله.. ما هذا التواضع؟ وما هذه الإنسانية؟.. على أى شىء تربى هذا الجيل العظيم؟.. وفرح الرجل كثيراً حين أبلغته أنى من أبناء كفر الشيخ وطالع بعض الحلقات الإذاعية التى كانت معى وطالبنى بأن أعد معالجة تليفزيونية وثلاث حلقات كاملة، وبعد أسبوعين تقريباً أخبرته بأننى فعلت ما طلبه منى، فكان الاجتماع الثلاثى الذى أصر السعدنى على حضوره وطلبا منى أن أقرأ عليهما الحلقات، وبالفعل قرأت السيناريو كاملاً وأبدى عم «إسماعيل» بعض الملاحظات وطالبنى بتغييرها ثم الذهاب بالحلقات إلى السيدة «نور الهدى» بقطاع الإنتاج وتقديمها.. وقام هو بالاتصال بها وإبلاغها بقدومى إليها، واستقبلتنى السيدة فى مكتبها وأحالت الأوراق إلى رقابة قطاع الإنتاج التى كانت ترأسها آنذاك السيدة «حمدية صقر» وبعد قرابة الشهر فوجئت برفض الرقابة إنتاج المسلسل، ولما ذهبت لمقابلة السيدة «حمدية صقر» رحمها الله قالت لى بالحرف «أنت عايز تودينا فى داهية.. دى سياسة دولة» وأبلغت الأستاذ صلاح بما حدث معى.. فغضب كثيراً وأخذ يردد «الفن لا بد أن يكون على يسار السلطة، هو الذى ينير للسطة الطريق ولابد للسلطة أن تتفهم ذلك وأن يتسع صدرها لسماع الآراء المختلفة».. وانتهى أمر هذا المسلسل الذى كان يحمل اسم «لمن يهمه الأمر».. بعد سنوات التقيت الأستاذ صلاح صدفة فى عزاء لا أذكر صاحبه فاحتضنى وسألنى ماذا أفعل؟ ولماذا لا أتواصل معه؟ وطلب منى أن ألتقيه فى أحد كافيهات بالشيخ زايد، حيث كان قد انتقل للعيش فى مدينة الشيخ زايد.. وفوجئت أن الأستاذ إسماعيل عبدالحافظ يجلس معه وسألنى عن مشروع لمسلسل تليفزيونى، فحكيت لهم قصة مسلسل كنت قد كتبته للإذاعة بعنوان «رجل ضد التيار» وقام الفنان محمود مرسى ببطولته، فطلبا منى أن أقوم بكتابة معالجة تليفزيونية له، وقد قمت بتسليمها له فى بيت الكاتب الراحل كرم النجار أثناء حفل إفطار كان يقيمه كل عام لأصدقائه المسلمين وكنت أحرص على حضوره وكان من بين الحضور إسماعيل عبدالحافظ وأخبرت السعدنى هاتفياً بأن المعالجة أصبحت فى يد صديقه عبدالحافظ.. كانت هذه هى المكالمة الأخيرة بيننا، حيث رحل إسماعيل عبدالحافظ وأسامة أنور عكاشة وكان لرحيلهما الآثر الكبير على صلاح السعدنى.. فقد ابتعد عن الفن برحيل هذين العملاقين وأختار أن يبقى وحيداً فى زمن أهينت فيه الكلمة.. وبات معظم أعمالنا بلا رسالة..

 	أشرف شرف

أشرف شرف

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

عسر

المزيد من فن

احتفاء فنى وصدام سياسى غزة تخطف الأضواء فى «برلين»

شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...

شهر رمضان.. مناسبة دينية ذات طابع قومى

مشاهد مسرحية وأغان مصرية

القاهرة الكبرى تستعيد رموز الثقافة المصرية فى ليالى رمضان

الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...

عندما اكتشفت وردة أنها بوسطجى الغرام بين الأبنودى ونهال كمال

أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...


مقالات

سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م