مسلسل «الحشاشين» عمل درامى مستلهم من أحداث تاريخية، معالجة درامية لفرقة من أشهر الفرق الثورية فى الإسلام،
ولا يمكن قراءته إلا فى هذا السياق، معالجة درامية لحدث تاريخى، وبالطبع لن يكون مطابقاً تماماً للتاريخ، ولكن سيخضع لشروط العمل الدرامى مع الأخذ فى الاعتبار أنه عن واقعة تاريخية معروفة وثّقها المؤرخون قدر المستطاع لأن هناك حوادث وشخصيات محل نقاش بين المؤرخين، ودون شك يلجأ الكاتب فى هذه الحالات إلى إضافة شخصيات من الخيال والتخلى عن شخصيات واقعية وفقاً لمتطلبات الحبكة الدرامية ورؤية الكاتب.
الشاعر / الكاتب ليست مهمته الحقيقية رواية الأمور كما وقعت فعلاً، بل رواية ما يمكن أن يقع، والأشياء ممكنة إما بحسب الاحتمال أو حسب الضرورة وفقاً لرأى أرسطو، والضرورة التى نعنيها هنا، الضرورة الدرامية. وهذا ما فعله عبدالرحيم كمال، فقد حافظ على قدر من الشخصيات الرئيسية وفقاً للتاريخ وقدم شخصيات وفقاً للضرورة، شخصيات متخيلة وهذا أيضاً أمر طبيعى، والغريب أن النقاش دار منذ الحلقة الأولى دون انتظار إلى نهاية المسلسل أو حتى مشاهدة بعض الحلقات، وهذا أمر غريب، أى الحكم على سير الأحداث والشخصيات وقيمة العمل الدرامى من حلقة أو حلقتين أو حتى ثلاث من أصل ثلاثين حلقة! والجدل دار مبكراً حول نقطتين، الأولى علاقة هذا المسلسل «الحشاشين» بجماعة الإخوان المحظورة، وقضية اللهجة العامية التى اعتمدها المسلسل.. وكلاهما أضر بالمسلسل من الفريقين، سواء من انحاز إلى التشابه بين الحشاشين والإخوان وأيضاً اعتماد الهجة العامية، والفريق الآخر الذى رفض المقارنة بين الحشاشين والإخوان وأيضاً رأى أن الفصحى أنسب لهذه الدراما التاريخية، وفى الحالتين كانت المعركة خارج سياق المسلسل، معركة خارج السياق الدرامى غلب عليها الطابع الأيديولوجى وفقاً للانتماءات السياسية. دفعت أحدهم ليؤكد أن الإخوان والحشاشين وجهان لعملة واحدة، وقال إن سيد قطب قبل انضمامه للجماعة كان يسخر من ابن أخته المنضم للإخوان ويسأله عن الحسنين، أى حسن البنا وحسن الصباح. وظنى أن هذا أيضاً لاعلاقة له بالمسلسل.وفيما يتعلق بقضية الفصحى والعامية فى المسلسل سواء الدفاع عن الفصحى وتمجيدها أو رفض العامية والتقليل من شأنها، ولكن القضية هى مدى ملاءمة هذه اللهجة لعمل تاريخى، وأقصد فى سياق الدراما فكل شخصية وفقاً لملامحها، لتاريخها فحين يتحدث أبوحامد الغزالى أو عمر الخيام العامية المصرية من زماننا سيشعر المشاهد بأن هناك خللاً ما، وهذا أمر يحتاج إلى مناقشة لاحقاً، مناقشة حول مدى ملاءمة هذه اللغة للشخصيات وملامحها وبنائها الدرامى وسياقها الزمانى والمكانى، وليس الجدل العمومى حول الفصحى والعامية.
دون شك هذا المسلسل الذى كتبه عبدالرحيم كمال وأخرجه بيتر ميمى حقق العديد من المكاسب بعيداً عن الجدل الذى أثير ولا يزال حوله، وأول هذه المكاسب العودة إلى إنتاج الدراما التاريخية مصرياً وهذا ما سوف يحسب للمتحدة؛ الجهة المنتجة، وثانياً مفردات الصورة فى هذا العمل وأعنى به صناعة الدراما، سواء التصوير أو الملابس ومفردات المكان والمؤثرات الموسيقية والمعارك الحربية، بالإضافة إلى الكتابة وإخراج الدراما التليفزيونية. وهذه المفردات تحتاج إلى قراءة متأنية ولكن بعد لمحة تاريخية ولو سريعة عن «الحشاشين» حتى نستطيع مناقشة ما قدمه صناع هذا العمل على الشاشة، قراءة تجمع بين الواقع والدراما والتاريخ، وأقصد كيف تحولت هذه الوقائع التاريخية إلى مشاهد درامية وعلاقتها بالواقع المعاش، علاقة هذا المسلسل الذى حمّله البعض بآراء وأفكار متباينة وأضفى عليه طابعاً سياسياً، فهل كان من الأفضل أن تتم معالجة هذه الحوادث التاريخية درامياً دون إسقاط مباشر على جماعة أخرى ونترك المشاهد يقرأ ويشاهد ويستنتج ربط الحشاشين بالإخوان، حتى وإن كانا يتشاركان فى الأفكار والوسائل والغايات؟ وهذا السؤال يحتاج إلى معرفة جيدة بتاريخ الحشاشين ومشاهدة المسلسل كاملاً، وليس بضع حلقات كما حدث.!
ولد حسن الصباح فى مدينة «قم» وهى من المدن الأولى التى عرفها العرب واستوطنوها فى بلاد الفرس وكانت معقلاً للشيعة الاثنى عشرية التى انتمى إليها والد حسن الصباح والذى اختلف المؤرخون حول أصله؛ فتارة جاء من الكوفة أو أخرى من اليمن أو من شبه الجزيرة العربية، وتلقى الطفل حسن الصباح تعليمه الدينى فى مدينة «الرى» والتى كانت مركزاً قوياً للدعاة الإسماعيليين فى القرن التاسع أى قبل مولده بما يزيد على قرنين، وينقل المؤرخ برنارد لويس فى كتابه «الحشاشون - فرقة ثورية فى تاريخ الإسلام» ترجمة محمد العزب موسى شذرات حفظها المؤرخون من مذكرات الصباح جاء فيها: « منذ أيام طفولتى وأنا فى السابعة من عمرى، أحببت مختلف فروع المعرفة وكنت أتوق لأكون من علماء الدين، وظللت حتى سن السابعة عشرة دارساً وباحثاً فى المعرفة، ولكنى ظللت على عقيدة أجدادى الاثنى عشرية. وذات يوم التقيت بأحد الرفاق ويدعى عميرة زاراب»، وفى تلك المرحلة لم يكن الصباح لديه شك فى عقيدته وفى وجود الله الحى وفى وجود مباحات ومحظورات وجنة ونار، وحين ناقشه عميرة فى مذهب الإسماعيليين رفض فى البداية، وراح يبحث فى الكتب ومرض فى تلك الأثناء، يقول المؤرخون «كان المرض والشفاء سبباً فى تحوله إلى المذهب الجديد» وأقسم اليمين أمام مبشر مرخص له ثم التقى كبير الدعاة وطلب منه أن يسافر إلى القاهرة ويسجل نفسه فى بلاط الخليفة الفاطمى، واختلف المؤرخون حول توقيت سفره والأحداث التى أدت إلى رحيله إلى مصر، ويميل البعض إلى القصة التى كتبها البريطانى إدوارد فيتزجرالد لرباعيات الخيام التى ترجمها إلى الانجليزية وهى القصة الشائعة، وتقول القصة إن الصباّح والخيام ونظام الملك كانوا زملاء دراسة وتعاهدوا على أن من يحقق قبل زميليه نجاحاً أو ثراء عليه أن يساعد الآخرين، وتحقق النجاح لنظام الملك وطالبه الصديقان أن يبر بوعده، فعرض عليهم الولايات فرفض كلاهما، عمر الخيام كره المسئوليات وطلب معاشاً ليتفرغ للشعر والعلم والحياة، وطلب حسن الصباح منصباً كبيراً فى البلاط وتحققت رغبته وارتفع شأنه وأصبح مرشحاً للوزارة ومنافساً لصديقه نظام الملك، فتآمر عليه عند السلطان ففر الصباح هارباً إلى مصر... ويشكك برنارد لويس وآخرون فى هذه القصة فمولد نظام الملك 1020 وقتل عام 1092، أما حسن الصباح والخيام فغير معروف تاريخ ميلادهما ولكن وفاة زعيم الحشاشين كانت 1123، والشاعر توفى 1124، وبمقارنة هذه التواريخ من الصعب أن يكون الثلاثة التقوا سوياً كطلاب علم، فالفروق العمرية بعيدة، ويرى بعض المؤرخين المحدثين أن هذا اللقاء الثلاثى محض خرافة وخيال. وظنى أن هذا التفسير مهم ودال على المستويين التاريخى وأيضاً فى المعالجات الدرامية للحكاية التى رغم حداثتها فى القرن الثانى عشر الميلادى إلا أنها حافلة بالخرافات وهذا أمر طبيعى فنحن أمام مذهب وشخصيات غير طبيعية اختلط فى تكوينها الواقع بالخيال، والتاريخ بالخرافة وفقاً لحياتهم المثيرة والشائكة.
ولكن الثابت تاريخياً أن الصباح هرب من مدينة «الرى» بعد أن أزعج السلطات لأفكاره وأفعاله وجاء مصر فى 30 أغسطس 1708 وعاش فيها ثلاث سنوات ما بين القاهرة والإسكندرية اختلف مع بدر الجمالى أمير الجيوش الفاطمية بسبب تأييده لنزار الابن الأكبر للمستنصر بالله وتأييد الجمالى للمستعلى الابن الأكبر فتم إبعاده إلى شمال أفريقيا ولكن السفينة تحطمت وأنقذ وحمل إلى عدة مدن ووصل أصفهان 1081 فى شهر يونيو وظل تسع سنوات يبشر بالدعوة، وظل يتنقل بدعوته إلى أن وصل إلى قلعة «ألوه أموت» ومعناها فى لسان أهل الديلم تعليم النسر أو عش النسر، الذى تحايل حسن الصباح على زعيمها العلوى وأرسل أنصاره لتحويله إلى المذهب الإسماعيلى وتظاهر هو بذلك ثم طردهم وتحايلوا ودخلوا مرة أخرى ثم هرّبوا زعيمهم حسن الصباح إلى داخل القلعة سراً فى يوم الأربعاء 4 سبتمبر 1090 ميلادية واستسلم صاحب القلعة للأمر وطبقاً للقصة التى جاءت على لسان المؤرخين الفرس دفع له الصباح 30000 دينار ذهبى، وهكذا أصبح زعيم الحشاشين سيداً لقلعة ألوه أموت المعروفة بألموت ولم يغادرها حتى وفاته ويصفه المؤرخ رشيد الدين أنه كان يمضى وقته فى قراءة الكتب وكتابة كلمات الدعوة وكان يحيا حياة متقشفة معتدلة تقية، وكسب العديد من المناطق المجاورة وينقل برنارد لويس عن المؤرخ الفارسى «جوينى» أن الصباح كسب المناطق المجاورة للقلعة وسكانها بأخاديعه الدعائية وإذا لم ينطلِ عليهم أخذها بالمذابح وخاض حروباً عديدة وبدأ أشهر اغتيالاته، الأسلوب الذى سوف يكون عنوان الحشاشين باغتيال نظام الملك الطوسى لتكون هذه الطريقة هى سلاح سيد القلعة حسن الصباح بالإضافة إلى جنة الحشاشين التى أقامها داخل القلعة وبها أصبح صاحب مفتاح الجنة.
حسن الصباح الذى وصفه ابن الأثير بأنه كان حاد الذهن، ثاقب الفكر، قديراً، عليماً بالهندسة والحساب والفلك والسحر وأشياء، وقال عنه مؤرخو الفرس بأنه طوال خمسة وثلاثين عاماً عاشها فى القلعة لم يجرؤ أحد على شرب الخمر أو وضعها فى جرار ولم تكن شدته على خصومه فقط بل على أبنائه أيضاً، وقد أعدم أحدهم لشربه خمراً وأعدم ابناً أخر بتهمة ثبت بعد ذلك أنه برىء منها.! ورغم هذا يشير إليه أتباع الطائفة الإسماعيلية باحترام على أنه محرك الدعوة الجديدة والنظرية المعدلة للإسماعيلية، فلم يزعم أنه الإمام وإنما ممثل له، وبعد اختفاء الإمام أصبح هو الحجة والبرهان ونبع المعرفة... وهو وحده الإمام والحق، ومنافسوه مغتصبون وأتباعهم خطاة وتعاليمهم مزيفة. هذه لمحة تاريخية وصورة حاولت أن تكون من قريب عن شخصية أطلقت وفقاً لرأى المؤرخين القدامى والمحدثين قوى الشر من مكمنها وقامت بتوجيهها، فكيف تمت معالجة هذه الأحداث التاريخية درامياً.. ؟ «وللحديث بقية»
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...