عرض «رصاصة فى القلب» -1- كوميديا اجتماعية اختلف حولها نجيب الريحانى والحكيم

"رصاصة فى القلب" من المسرحيات الأولى التى كتبها توفيق الحكيم، سبقتها المسرحيات المقتبسة التى كتبها مع زميله مصطفى ممتاز

«أمينوسا» ثم «خاتم سليمان» و«العريس» لفرقة أولاد عكاشة 1924 وأوبريت «على بابا» عام 1926، وأيضاً مسرحية «الضيف الثقيل» التى كتبها فى صباه للتنديد بالاحتلال البريطانى ووصفه بالضيف الثقيل، وتقريبا لم تنشر، بالإضافة إلى مسرحية «المرأة الجديدة» ذات الطابع الكوميدى الاجتماعى والتى طرح فيها موقفه من سفور المرأة من خلال مخاوف الكاتب من تأثير هذا السفور على المجتمع، وأيضاً كتب مسرحية «الخروج من الجنة» عام 1928، وذلك قبل أن يكتب رائعته «أهل الكهف» التى جسدت أسلوبه فى الكتابة المسرحية فيما بعد، وكانت علامة فارقة فى الكتابة المسرحية العربية بشكل عام.

ونص «رصاصة فى القلب» الذى كتبه الحكيم عام 1931 تحول إلى فيلم سينمائى عام 1944 من إخراج محمد كريم، وبطولة محمد عبدالوهاب وراقية إبراهيم وسراج منير، ولم تصعد الشخصيات إلى خشبة المسرح إلا عام 1964 فى عرض من إخراج كمال حسين وبطولة صلاح ذو الفقار وليلى طاهر، وأذكر أننى شاهدت هذا النص على خشبة المسرح المصرى مرتين، الأولى عام 1999 من إخراج حسن الجريتلى، والثانية 2001 من إخراج حسن عبدالسلام، وهذه الأيام قدمه المسرح القومى عام 2024 من إخراج مروان عزب.. ودون شك لن أستطيع أن أمنع نفسى من المقارنة بين العرض الحالى والتناول السابق للنص سواء فى المسرح أو على شاشة السينما.

قبل الذهاب للمسرح القومى أعدت قراءة النص المثير الذى تدور أحداثه مطلع الثلاثينات من القرن الماضى والذى يعكس روح تلك الحقبة سواء من خلال اللغة أو الأحداث أو ملامح الشخصيات، وسيدفع توفيق الحكيم القارئ للعودة إلى ثلاثينات القرن الماضى أثناء القراءة التى لمحت فيها صيغة الفودفيل الأسلوب الذى كان سائدا ورائجاً بقوة فى تلك الحقبة، بل «رصاصة فى القلب» نص يعتز به توفيق الحكيم، فقد ألهمه فيما بعد مسرحية أخرى مستلهما شخصية البطلة ووضع نفسه ومحمد عبدالوهاب ضمن الأحداث تحت عنوان «رصاصة فى قلبين»، وقال إنه وضعها برؤية جديدة غير التى مثلتها فيفى فى ثلاثينات القرن الماضى بطلة قصة الحب التى تربط بين اثنين يعوقهما عائق، حاولت من خلاله أن تجعل حبيبها الذى أحبها من أول نظرة يشعر بالألم، وفى المسرحية الجديدة مصدر إلهام للحكيم وعبدالوهاب، وبذلك تصبح الرصاصة فى قلبين، وتنتمى بالطبع إلى المسرح الذهنى الذى أصبح ملمحا رئيسيا لأعمال الحكيم فيما بعد.

أما رصاصة فى القلب الكوميديا الاجتماعية التى لا تخلو من صيغة الفودفيل فتختلف عن أساليب الفودفيل الذى نعرفه، وإذا كانت على مستوى البناء مسرحية من ثلاثة فصول، تقوم على المواقف المضحكة والحوادث المعقدة والمفاجئة والالتباس.. صيغة هذا النوع من المسرح الذى برع فى كتابته أو قل تمصيره عن النصوص الأجنبية بديع خيرى وقدمه كمخرج عزيز عيد، وأسهم فى نجاحه أبطال المسرح فى ذلك الزمان وعلى رأسهم نجيب الريحانى وفؤاد شفيق ومحمد كمال «شرفنطح» وحسين رياض وغيرهم، ممن يمتلكون مهارات تمثيلية استثنائية.. عروض الفودفيل التى تقوم على الحبكة البسيطة والسهلة والمواقف الملتبسة التى تثير الضحك وتكون من عوامل التشويق والإثارة من خلال شخصيات تحمل مواصفات خاصة تحدث لهم، أو يجدون أنفسهم فى مواقف غريبة تؤدى إلى نتائج مثيرة، حوادث أقرب إلى حكايات ألف ليلة وليلة، أقرب إلى منطق الليالى أو اللامنطق فى الأحداث ومبرراتها الدرامية.

تبدأ الأحداث فى مسرحية «رصاصة فى القلب» فجأة ودون مقدمات، وبينما كان نجيب بك يمر أمام جروبى أصيب برصاصة اخترقت قلبه وأردته قتيلا، ولم تكن الرصاصة قد خرجت من مسدس أو بندقية، بل من عيون فتاة كانت تقف وتأكل «جلاس»، حيث يدور الفصل الأول حول هذا الموقف الملتبس حين يجد نجيب نفسه وقد أصيب بالرصاص أمام جروبى بنظرة أطلقتها فيفى من عينيها، فيهرع إلى عيادة صديقه القريبة من مكان الحادث فى شارع قصر النيل ليقص عليه الواقعة فى أسلوب مثير وملتبس أيضاً حين يخبره بأنه أصيب فى قلبه برصاصة فيحار ويفتش عن مكان الإصابة، ويغادر الطبيب فتدخل نفس الفتاة التى أخبرنا أنها أردته قتيلا دون مقدمات ويبث إليه إعجابه ويكتشف أنها مشغولة بآخر، وحين يدخل سامى يخبرها بواقعة جروبى، وهكذا أحداث تتوالى والجمهور شريك أساسى، فهو يعرف ما لا تعرفه بعض الشخصيات.. فهو يعرف أن نجيب سقط صريعا فى حب فيفى خطيبة سامى، وسامى لا يعرف شيئاً بل يعد صديقه بالبحث عن فتاة جروبى! وفيفى تعرف ما لا يعرفه سامى.. وهكذا، تتوالى الأحداث فى حبكة ملتبسة ومثيرة.

هذه المسرحية كتبها الحكيم فى ذروة ازدهار صيغة الفودفيل فى عشرينات القرن الماضى وهذا أمر طبيعى لرواج هذا النوع وتسيده الساحة فى تلك الحقبة، لكن دون شك لم يكتب الحكيم كما كان سائدا بل كتب بحرفية وإتقان من يملك ناصية الفكر ويجيد فن الحوار، كتب كوميديا راقية موضوعها الصراع بين الواقعى والمثالى، وذلك قبل أن ينصرف إلى تناول القضايا الكلية ذات الطابع الرمزى والتى بدأت مع مسرحية «أهل الكهف» وستظل الكوميديا الاجتماعية قالبا مفضلاً لتوفيق الحكيم سنوات طويلة سيتوجها بمجلدين كبيرين الأول «مسرح المجتمع»، والثانى «المسرح المنوع» 1956، بل وكان من المفترض أن يقدم نجيب الريحانى مسرحية «رصاصة فى القلب» حال كتابتها، لكنه اختلف مع المؤلف حين اقترح إضافة بعض التوابل من نكات وقفشات وهذا ما رفضه الحكيم الذى قدم كوميديا راقية الضحك ينبع فيها من الموقف وملامح الشخصيات وليس النكات، والقفشات وظلت الشخصيات حبيسة أوراقها سنوات إلى أن آلت للمحرج محمد كريم الذى كتب السيناريو وترك الحوار لأستاذ الحوار توفيق الحكيم الذى لم يجد عناء، فالنص المسرحى مكتوب بالعامية المصرية وفقط تم تغيير اسم البطل من نجيب إلى محسن.

قدم حسن الجريتلى عرضا كلاسيكيا فقط تخلله استعراض وحيد وهو وقائع الحجز على شقة نجيب، وأغنية لأم كلثوم فى نهاية العرض.. اعتمد على قوة الحوار والأداء التمثيلى الذى استعاد زمن الحدث وابتعد تماما عن الفيلم وأغانيه، وحاول استعادة الزمن، زمن الحدث، على مستوى الأداء والحركة والملابس وفضاء الحكاية.. أما الراحل حسن عبدالسلام فسار على خطى محمد كريم ومحمد عبدالوهاب وحاول تقديم مسرح غنائى استعراضى حيث قدم استعراضين فى مشهدين، أحدهما «الشيالين»، وفى البداية استعراض بين المرضى والممرضين.. وهما بالإضافة إلى حجمهما محشوران فى العرض، واعتمد على مطرب ومطربة للعب دور البطولة هما على الحجار وأنغام، كما اعتمد الفيلم على عبدالوهاب وراقية إبراهيم ووضع نفسه فى مقارنة مع الفيلم.

أما مروان عزب فقد اعتمد أيضاً على الغناء والموسيقى لكن برؤية مختلفة قدم من خلالها فى فصلين لوحة استعراضية طويلة بكل مفرداتها من غناء ورقص وموسيقى وأداء، لوحة تمزج بين الواقع والحلم، الواقع الذى طرحه النص والحلم أى ما يدور فى مخيلة نجيب الذى أصابته رصاصة وتركته لا بالميت ولا بالحى، يتحدث مع سامى والبواب والآخرين بلغة، ويهيم مع مخيلته فى حب فيفى بشخصية وأداء آخر.. ففى نهاية الفصل الأول وبينما نجيب هائم فى ألمه وشجونه يستمع إلى أغنية «امتى الزمان يسمح يا جميل وأقعد معاك على شط النيل»، تظهر فيفى أوطيفها الذى يتجسد، فيتم تفريغ المشهد من الديكور ويراقصها فى الفضاء الفسيح، مع الفرقة الاستعراضية، ويصعدان الدرج، ويقدم لها الخاتم وكأن هذا الحلم سيتحقق.. بعد أن تحول الطيف إلى حقيقة، وفى بداية الفصل الثانى يدخل سامى بينما نجيب ما زال يسمع الأغنية ويفيق من الحلم.

Katen Doe

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

يس

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص