محمد محيى.. حضور فـى عـز الغياب

علاقة غريبة غير مفهومة تربط بين المطرب محمد محيى وجمهوره فى مصر والعالم العربى... يكاد يكون الوحيد من أبناء جيل التسعينات الذى يختفى كثيراً ويبحث عنه مريدوه ثم يعود ليظهر وكأنه لم يختفِ يوماً واحداً.

 

على مدار أكثر من ساعتين جلست أتابع أغنياته التى أحفظها جيداًَ وأعرف ربما كواليس صناعتها جميعاً.. وأنا أستغرب عدم شعورى بالملل أو الصداع كما يحدث لى عند سماعى الكثير من الأغنيات الجديدة التى تصدر كل يوم... ثلاثون عاماً مضت على إطلاق بعض هذه الأغنيات لكنها طازجة وكأنها صنعت منذ أيام...

حفل... سولد آوت الذى أذاعته قنوات CBS مساء السبت الماضى فى سياق حفلاتها التى بدأتها منذ شهور من خلال فكرة طموح تجمع ما بين استضافة النجم وإقامة حفل جماهيرى له... ذلك الحفل أعاد إلى الذاكرة بدايات محمد محيى مع مطلع تسعينات القرن الماضى وفتح الأقواس مجدداً عن أسباب غياب ذلك الفتى المتمرد فى ظل نجاحات وجمهور لا يتخلى عنه أبداً..

وهو الأمر نفسه الذى يجعلنى أعاتبه كلما تحدثنا أو تلاقينا... وفى كل مرة وآخرها كان فى بروفات هذا الحفل الذى أذيع منذ أيام....

 وهج البدايات... والاختيار المقصود..

ظهور محمد محيى لم يكن سهلاً على الإطلاق.... وقتها كان هناك طوفان من المطربين فى الساحة الغنائية... كان جيل الوسط قد تسيد ناصية الغناء الشرقى بمفردات خاصة وموسيقى متطورة تستفيد من التراث وتتجاوزه... كان هناك على الحجار ومحمد الحلو ومدحت صالح ومحمد منير وهانى شاكر وإيمان البحر درويش... وظهر كاظم الساهر بشكله المتفرد الذى يجمع بين غناء الفولكلور العراقى والقصيدة التى كانت فكرة بعيدة ومستبعدة... لكنه أوجد لنفسه مساحة لا يشغلها غيره... نجوم جيل الأغنية الشبابية كما أطلق عليهم أيضاً كانوا قد أوجدوا مساحات أخرى مختلفة لغناء خشبى يستفيد من الغرب وتكنولوجيا سمحت لأصوات ضعيفة بان تظهر وتصنع ذوقاً جديداً هوجم من النقاد وأهل الطرب لكنه سيطر على أدمغة الملايين وعلى أصحاب شركات الكاسيت الباحثين عن الربح... بلور عمرو دياب ومحمد فؤاد وحميد الشاعرى ومصطفى قمر وهشام عباس وعلاء عبدالخالق تجاربهم وأصبحت حفلاتهم كاملة العدد... الباقون من جيل الكبار أيضاً كان لهم حضورهم محمد رشدى والعزبى وغيرهم، أضف إلى ذلك المطربين العرب.. وفى مقدمتهم وردة التى استعادت تألقها وشبابها بتعاونها مع صلاح الشرنوبى وعمر بطيشة وخلفها صارت نجاة وميادة الحناوى.... وهناك جيل شاب من العرب أيضاً استفاد من ذلك الزحم فى موسيقى القاهرة... لطيفة وسميرة سعيد.. نوال الزغبى ورفيق بدايتها وائل كفورى... عاصى الحلانى... وراغب علامة... كل هؤلاء كانوا فى عزهم وقت أن قرر محمد محيى أن يقدم نفسه لساحة الغناء... بعض أغنيات فى كوكتيلات مع طارق عبدالله أشارت إلى لغة جادة ومختلفة تملك سمتا خاصا دفعت المنتج الخبير لأن يطلق ألبومة الأول...

 المسلوب ودرويش.. وسعيد صالح

كانت مفاجأة محمد محيى الأولى هى لحن "أنا حبيت وانجرح قلبى"، الذى ظن رفاق تجربتة أنه من الفولكلور.. وقد أعاد حسام حسنى توزيعه.. لكنه كان من ألحان سعيد صالح، الممثل الذى هضم تجربة سيد درويش والشيخ إمام جيداً.. تلك الإشارة المبكرة من محيى ومعها أغنيته "ليه الحبيب" المأخوذ لحنها عن لحن قديم عمره أكثر من مائتى سنة لعبدالرحيم المسلوب بكلمات جديدة لعنتر هلال وتوزيع جديد لحسام حسنى، جمع فيه الكثير من تراث ساحل البحر الأحمر ومدن القنال.. ومعهما أغنية "لالى" لعزت الجندى ابن البادية الذى قدم لأنغام تجارب مهمة من التراث البدوى.. كل هذه الأغنيات أشارت إلى علاقة مختلفة لهذا الصوت بالتراث المصرى وبوعى مغاير لما يحدث فى السوق.

فى الوقت نفسه راح محيى يفتش عن نغمة عربية شعبية تقترب من تراث بليغ حمدى، فكانت تجربته مع عصام كاريكا فى "أعاتبك" هى بوابة الدخول لعشرات التجارب، أبرزها من ألحان محمد محيى نفسه.. وألحان مصطفى عوض ومحمد رحيم ووليد سعد وغيرهم.

وعى محمد محيى بأن يكون مستقلاً جعله يقترب من الكثيرين، بحيث يأخذ منهم ما يخدم تجربته الشخصية، ولا تطغى شخصياتهم عليه.. حدث ذلك مع حسام حسنى وفهد وحميد الشاعرى ومحمد عرام ومحمد العشى وغيرهم.. وهى الفكرة نفسها مع الشعراء.. فهم يكتبون لمحمد محيى ما لا يستطيعون كتابته مع الآخرين.. تجده يفعل ذلك مع الكوميديان صاحب الجملة الساخرة عنتر هلال.. ومع أيمن بهجت صاحب المفردات الجريئة.. ومع شعراء جدد ربما يكتبون لأول مرة.

ما لا يعرفه سوى المقربين من محيى أنه كثير القراءة والاستماع... ذاكرته غريبة فى حفظ القديم من الغناء، الكلاسيكى منه والشعبى أيضاً.. لذلك لم أستغرب رغبته فى اقتحام عالم حفنى أحمد حسن فى أغنية "مظلوم"، فى وقت كان الكل قد نسى فيه ذلك الرجل صاحب الموال الشهير "شفيقة ومتولى".. واستعان محيى فى تلك التجربة بمطربة شعبية كبيرة هى الراحلة جمالات شيحة.. مع توزيع عصرى فاخر لفهد.. هذه القدرة على المغامرة فى تقديم تجارب خاصة ميزت معظم أغنياته كما هو الحال فى تجربة أغنية "شارع الهوى".. التى تناقش مفارقة مصرية فى نظرة الرجل الشرقى لممارسة الحب، حيث يحله لنفسه مع أنثى يعشقها، لكنه ينكر ذلك مع بنات أسرته.

هذه الصيغة شكلت ملامح مطرب ارتاح البعض عندما وصفوه بملك الأحزان.. دون قراءة حقيقية لعلاقة المصريين بالشجن.. وهى مساحة أساسية فى صوت محيى الناعم والمجروح بفعل تركيبته الإنسانية.

محمد محيى صعيدى.. من سوهاج.. بالتحديد من مركز المنشأة... والده من الطبقة المتوسطة.. التحق مطلع الستينيات بالعمل فى السكة الحديد... ربى أولاده تربية محافظة كعادة أهل الصعيد.. عاش فى شبرا.. الشعبية المتفتحة.. فيها فلاحون وصعايدة.. مسيحيون ومسلمون.. منازل مفتوحة لا أبواب لها.. القاهرة التى أنجبت بليغ حمدى وصلاح جاهين وداليدا وطبختهم بتقاليد شبرا.. هى نفسها التى جهزت طبخة محمد محيى.. وشكلت تفاصيل بداياته، وحددت مساراته فيما بعد.. ومن أهم ملامح هذه الشخصية بحثها القلق عن الاستقلالية والتفرد.. وهذا الأمر خلق لمحيى مشكلات لا حصر لها مع المنتجين الراغبين فى السيطرة وفرض مفردات الربح والخسارة على من يعملون معهم.. وهذا هو السبب الرئيسى فى تأخر محيى فى إنتاج أغانيه وإصدارها.

محيى تعود أن يعمل على ألحانه بشكل مستمر.. وبتأنٍ يحسبه البعض كسلا.. هو صاحب شروط خاصة جدا فى اختياراته.. وهذا أمر يتعارض كثيرا مع المتعهدين وآليات السوق التى تتغير بسرعة وبشدة.

محمد محيى لم يتزوج.. لم يهف إلى تكوين أسرة.. يعيش مع شقيقته الوحيدة الدكتورة منى.. لا يحب الجرى وراء المال.. كل ما يحتاجه الغناء.. الموسيقى.. لا أعتقد أنه استراح لفكرة البيزنس الخاص، وإن كان قد سعى لذلك فى فترة ما حتى لا يضع نفسه تحت رحمة المتعهدين وتجار الموسيقى.

نجح محيى فى الكاسيت.. وفى أغانى الأفلام التى شارك فى بعضها.. لكنه لم يقترب من المسرح.. هو شخص خجول بطبعه.. لكنه يحلم بأن يقدم تجربة مسرحية للأطفال.. يجد فى خيال الأطفال متسعا لا نظير له عند الكبار يمنحه فرصة غير محدودة للتجريب وتوصيل رسائل عصرية متقدمة.. لكن الفرصة لم تصل إلى محطته بعد.

فى تجربته الأخيرة التى أطلقها بعد غياب عشر سنوات كاملة.. قام محمد محيى بتجهيز ما يزيد على ثلاثين أغنية، لحن أكثر من نصفها.. أطلق منها خمس أغنيات.. ثم توقف.. لأنه لم يسترح لطريقة عرض هذه الأغنيات فى عالم السوشيال ميديا.. وعاد ليشارك فى بضع حفلات آخرها السبت الماضى.. ربما ليختبر قدرة جمهوره على انتظار جديد.. ليكتشف أن جمهوره سواء فى البلاد العربية أو فى مصر لا يزال ينتظر جديده.

Katen Doe

محمد العسيري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

سيد
الشاعر الكبير «الأبنودى» مازال حيّاً يا كارهى ثقـــافة الفلاحين!
شكوكو

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص