مـن «أبو العلا البشرى» إلى «واحد طيب»:مدحت صالح قصة جديدة فى أغنية الدراما

«واحد طيب» شكل جديد لأغنية العائلة.. ومدين مكسب لعالم الصورة

 

اقتحم مدحت صالح عالم الدراما فى وقت مبكر من رحلة صعوده الغنائى.. ربما كان المسرح هو بوابته الأولى باعتباره "أبو الفنون".. لكن من يتتبع تلك الرحلة يكتشف أن عالم الفيديو كليب كان هو البوابة.. حيث يعد مدحت واحدا من أوائل الذين قدموا ذلك الشكل من التصوير التليفزيونى الذى سميناه "فيديو كليب" فيما بعد.

كان ذلك مطلع تسعينات القرن الماضى عبر أغنيته "المليونيرات"، من أشعار رضا أمين، وألحان فاروق الشرنوبى.. لكن الأغنية ذاتها كانت ضمن أحداث مسرحية "المهر" التى شارك مدحت فى الغناء والتمثيل بها.. وتزامن ذلك مع مسلسل أخرجه عادل صادق لشركة "صوت القاهرة" اسمه "لؤلؤ وأصداف"، غنى فيه مدحت من ألحان فاروق الشرنوبى أيضا عددا من الأغنيات الدرامية تشارك فيها مع ممدوح وافى وآخرين.. ومن أشهر أغنيات ذلك المسلسل الذى تم طبع أغنياته فى "كاسيت" منفصل "عدينا يا روقة"، وهى أغنية خفيفة الدم كشفت مثل "المليونيرات" عن "خفة روح" وبهجة خاصة فى ملامح وصوت مدحت الذى خاض تجربة الغناء الدرامى فى تجلياتها المختلفة.. المسرح والسينما والتليفزيون.. ليصل بنا فى أغنيته الأخيرة "واحد طيب" التى أطلقها منذ أيام فى الجزء الثانى من مسلسل "وبينا ميعاد" إلى مرحلة جديدة.. مختلفة تماما عما قبلها فى عالم الغناء الدرامى الذى انطلق فى منتصف تسعينيات القرن الماضى وتسيده مجموعة قليلة من نجوم الغناء فى مقدمتهم الحجار والحلو.. وكأنه يقول لنا هذا هو الموعد الذى قطعته معكم منذ ما يزيد على ثلاثين سنة، وقد جئت إليكم فى موعدى.

 "لو يكره ينسى"

فى العام الماضى.. جاء مسلسل "وبينا ميعاد" فى توقيت غير معتاد.. بعيدا عن الموسم الرمضانى.. من بطولة عدد من النجوم الشباب ومعهم شيرين رضا التى لم تحصل على بطولة تليفزيونية خالصة من قبل، وكذلك صبرى فواز الذى انتظر كثيرا حتى جاءته فرصة البطولة المطلقة التى يستحقها منذ زمن بعيد فتلقفها.. أحببنا تفاصيل ذلك الحب الشيك الناعم وبساطته فى هدوء.. تسلل إلينا "المعنى والرسالة" لبطلين جاءتهما الفرصة الثانية لبدء حياة جديدة فى ظروف غاية فى الصعوبة.. نحن المشاهدين من قررنا منحهم هذه الفرصة لأننا نريد أن نرى صورتنا فيهم.. فى دراما عائلية يسعى صناع المحتوى فى مصر إليها منذ زمن لاستعادة بدايات كان قد قدمها التليفزيون المصرى مبكرا فى "القاهرة والناس" وبعض أعمال أسامة أنور عكاشة ووحيد حامد، ثم سرعان ما اختفت لتعود إلينا في مسلسل "أبو العروسة" الذى حمل من ضمن ما حمل من رسائل ضمنية تقديم أغنية درامية مختلفة تشبه هذه العائلة التى نبحث عنها، وكان مدحت صالح ومعه فريق "بساطة" والملحن خالد عز أبطال الحكاية الغنائية الجديدة.. التى تكررت بصورة أخرى قريبة فى أكثر من عمل، لتصل إلى شكلها الأخير فى "وبينا ميعاد" مع أغنية "واحد طيب"..

"العالم مش محتاج غير واحد طيب

بتقابله لأول مرة تحسه قريب

مجروح ويداوى جروح الناس ويطيب

ويغيب ويسيب ورا منه اصحاب فاكراه"..

هذه الكلمات التى كتبها الشاعر حسام إبراهيم ولحنها مدين لا تقدم لنا بطل المسلسل كما تعودنا.. ولا تكشف لنا أحداث المسلسل.. أيضا.. هى ربما تشير إلى شكل الرجل الذى تحتاجه العائلة المصرية الآن.. مثلما تحتاجه بطلة المسلسل وعائلتها.. هو صبرى فواز.. ربما لكنه خارج الصورة أقرب إلى صورة البطل فى أفلام الأبيض والأسود..

"لو طبطب يدى لغيره

صوابع إيده الخمسة

لو يحضن يبنى لغيره بيوت

لو يكره.. ينسى

ع الخلق موزع خيره

ويموت لو فكر يقسى

وكأن طيابة الدنيا بحالها معاه".

رسم حسام إبراهيم ببساطة وبراعة ملامح البطل الأسطورى.. وأسطورته تكمن فى عاديته.. فى أنه واحد مننا.. وبمهارة استخدم مدين مقاما موسيقيا سبق أن استخدمه فى الجملة التى لطشها منه أصحاب أغنية "بنت الجيران"، وكأنه يبحث عن "تيمة شعبية" شيك.. وعى مدين بصورة البطل جعله يختار لمدحت أصفى مناطق صوته وأعذبها.. هو يكاد لا يغنى.. هو يهمس ليشير إلى بطله وإلينا..

ورغم أن الدراما تدور فى بيت يتعدى حدود الطبقة الوسطى.. وغالبية المصريين.. فإننا تعاطفنا مع حكايتهم.. مع مشاعرهم.. هى دراما للمشاعر.. هذا ما حدث فى الجزء الأول الذى يستخدم صناع الجزء الثانى جزءا من رصيده السابق فى قبول الناس له.. حتى وإن جاءت حلقات الجزء الجديد خالية من دراما التفاصيل التى خطفتنا سابقا..

أعود إلى بطلنا.. مدحت صالح.. وأقول إن من يعود إلى تتر مسلسله الأول "لؤلؤ واصداف"..

"تتغير الضماير

تتغير المصاير

إلا الضمير الصح

ما يتوهش فى الدواير"..

من يستمع إلى تلك المناطق العالية فى صوت مدحت.. وقتها.. ذلك الصوت البكر.. يدرك كم تحول هذا الصوت وكيف نضج.. كيف استطاع أن يرسم ملامح حنجرته ويذهب بها حيث لا يشبه أحدا سواه.

 رحلة أبو العلا البشرى.. الخطوة الأخيرة

بدأ مدحت صالح مع أبناء جيله من الملحنين فى عالم الدراما.. وبالتحديد فاروق الشرنوبى.. ثم انتقل إلى موسيقى عمار الشريعى فى الجزء الثانى من أبوالعلا البشرى.. وقدم بعد أن حل بديلا للحجار واحدا من أجمل أدواره فى عالم التمثيل وعددا من الأغنيات التى لا تنسى من كلمات أحمد فؤاد نجم ومنها تتر المسلسل..

"سافر غريب الدار

مشوار ورا مشوار

بلد الحبايب فين

تاه السؤال واحتار..

مشيت كتير ورأيت

ناس ع الطريق ضايعين

ورجعت تانى لقيت

ناس ع الطريق راجعين

وعملت قلبى سبيل

يهدى الحيارى دليل

وعشقت عشق النيل

للخضرة والنوار"..

استخدم عمار الشريعى صوت مدحت صالح المرن كما يريد فى "البشرى" وفى أعمال أخرى تالية.. "البرارى والحامول، حق مشروع، القاهرة 2000"، و"جحا المصرى".. والأخير سمح لعمار الشريعى بتقديم تنويعات مختلفة من "النقد السياسى" الخفى.. سمح له صوت مدحت وحنجرته التى تجيد الحكى والتمثيل بأن يذهب بعيدا كما يشاء.. ربما أبعد من زمن جحا.. ويستعيده فى لحظة ليشير إلى الحاضر فى زمن "عربى متهالك وقتها"..

تلك القماشة الحريرية التى تميز بها صوت مدحت أغرت أحد المجددين المميزين فى عالم الموسيقى المصرية بشكل عام وموسيقى الدراما بشكل خاص وهو ياسر عبدالرحمن بأن يستعير تلك الحنجرة فى أحد أهم مسلسلاتنا للنجم نور الشريف.. "حضرة المتهم أبى".. ومجددا من خلال كلمات أحمد فؤاد نجم لكن فى خطاب إنسانى شيك على غير عادة أشعار نجم.. وهو يحادث ابنه أو ابنته.. تجلت فيه قدرات صوت مدحت "العذبة" وكأنها كمنجة إضافية لكمنجات ياسر عبدالرحمن..

"نازل وانا ماشى

ع الشوك برجليا

وانت السبب يا با

يا اللى خليت بيا

لا فرشتلى بستان

ولا حتى بر أمان

أعيش عليه إنسان

والدنيا فى إيديا"..

ذلك الإنسان الذى كان يبتغيه بطل "حضرة المتهم" هو نفسه الذى راح مدحت صالح يفتش عنه فى "النور مكانه فى القلوب".. إنه قلب الإنسان وليس جسده أو صورته.. هو المصرى الذى يحب بلاده كما هى.. أيما كانت وعلى أية صورة تكون.. "زى ما هيا حبها" مع عمر خيرت فى فيلم "مافيا".. هو الإنسان والعاشق الذى لا يستطيع أن يمنعه أحدنا عن الحب والطيران فى "حبيبى يا عاشق" أغنية فيلم "شورت وفانلة وكاب".. وعشرات الأغنيات قدمها مدحت صالح فى السينما التى شارك بها ممثلا أيضا.. وتنوعت فيما بين الدراما.. والأغنيات خفيفة الدم المصرية تماما والقادمة من حارات شبرا كما هو الحال فى أغنية "سايسو" التى كتبها عنتر هلال من فيلم "كرسى فى الكلوب"..

"الليل..

علشان تفرح عرايسه

سايسو

والهم داسنى قمت دايسه

والبخت عاند

قمت بايسه

يا رب تمم على خير"..

انتقل صالح بذكاء من غصن إلى آخر.. مثلما يفعل على المسرح وهو ينتقل من زمن إلى آخر عبر أصوات وألحان بعد غياب الكبار الذين يستعيدهم فى حفلاته ببراعة.. يفعل ذلك بهدوء دون ضجيج.. هو يغنى لأنه يستمتع حين يغنى.. هو يبتهج لحالة الغناء ذاتها دون تنظير.. وهكذا فعل فى عالم الدراما حتى وصل إلى النقطة ذاتها التى قررت فيها الدراما ذاتها أن تغير جلدها ليدخل جيل جديد طازج لم يجد أفضل من قماشة صوت مدحت صالح لتحمل رسالته الجديدة إلينا.. "أبو العروسة" أولا.. ثم "راجعين يا هوى".. و"نحب تانى ليه".. وأخيرا "بينا ميعاد".. ليقول لنا:

"قادرين يا دنيا

نعيش وأحلامنا

يوم بعد يوم

نلاقيها قدامنا

صابرين قوى وراضيين

ماشيين ومش خايفين

نتعب ومالو

مهما يوم شفنا

ولا مستحيل ولا صعب

هيحوشنا"..

 

Katen Doe

محمد العسيري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص