دسوقى أفندى وكيل المحامى الذى كـتب شهــادة ميلاده المسرحية

عادل إمام الكوميديان الشعبى 1-

عادل إمام، الذى سوف يكمل فى مايو القادم عامه الرابع والثمانين والذى قضى منها ما يزيد على ستة عقود بين خشبات المسارح واستوديوهات السينما وأمام الكاميرا وأيضاً ميكروفون الإذاعة، قرر اعتزال العمل الفنى والتفرغ للحياة الاجتماعية مع الأسرة والاستمتاع بالأبناء والأحفاد كما أعلن ابنه المخرج رامى إمام الأيام الماضية، ودون شك يستحق هذا الفنان أن يستريح بعد هذه الرحلة الثرية والمثيرة، وأيضاً هذا قرار صائب من ممثل اعتاد أن يكون فى المقدمة ويلعب أدوار البطولة فى كل مراحل حياته وهذا ما لم يتحقق لنجوم كثيرين من الصف الأول. وسوف أحاول إلقاء نظرة على مشواره الفنى الثرى والمثير تكريماً وتقديراً لفنان هو حالة استثنائية فى تاريخ الكوميديا المصرية.

سوف أبدأ بالمسرح؛ حيث قدم خمس مسرحيات لعب فيها دور البطولة بالإضافة إلى عروض أخرى أدى فيها أدواراً ثانوية لكنها مؤثرة، وربما يتساءل البعض، هل يكفى هذا العدد، أى خمس مسرحيات فقط، ليكون نجماً من نجوم المسرح بين أبناء جيله؟ وسيضيف آخرون أن هناك نجوماً من زماننا وزمن مضى أيضاً قدموا عشرات المسرحيات ومنحوا المسرح الجزء الأكبر من حياتهم، بل وكانوا أكثر إخلاصاً لهذا الفن من عادل إمام الذى قدم للسينما ما يقرب من 130 فيلماً أى منحها السواد الأعظم من موهبته، بالإضافة إلى ما يقرب من عشرة مسلسلات تليفزيونية مع بعض الأعمال الدرامية للإذاعة، وتقريباً المسرح هو أقل الفنون التى تعامل معها عادل إمام على مستوى الكم، ورغم الشهرة الواسعة والتأثير الذى حققه من خلاله إلا أنه لم يقدم إلا خمس مسرحيات استمر بعضها سنوات على خشبة المسرح «مدرسة المشاغبين، شاهد ماشفش حاجة، الواد سيد الشغال، الزعيم، بودى جارد» وأذكر حين كرمه المهرجان القومى للمسرح وأطلق اسمه على إحدى دوراته تناثرت هذه الأسئلة، ولكن لا يعلم من تبادرت إلى ذهنه هذه التساؤلات أن عادل إمام بالمسرحيات الخمس سيظل أحد أهم أبطال المسرح المصرى فى العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، لما يمتلكه من مواهب وإمكانيات لم تتوافر لغيره.

«ولد عادل محمد إمام محمد فى 17 مايو 1940 فى إحدى قرى مركز المنصورة لأب موظف بإحدى المصالح الحكومية، عاش طفولته وصباه بحى السيدة زينب، وفى تلك الفترة عرف عنه ميله فى شبابه المبكر للشغب والمشاكسة فى المدرسة والشارع، أى تميزت شخصيته بالشقاوة التى امتزجت بخفة الظل والمرح.. هكذا جاء وصف شخصية عادل إمام فى «قاموس المسرح»، إذ كان التمثيل هوايته المفضلة، وشارك فى مراحل الدراسة فى عروض الفرق الجامعية وهولا يزال طالباً فى الجامعة فى كلية الزراعة، وفى عام 1962 التحق بفرق التليفزيون المسرحية.. ورغم صغر الأدوار التى أسندت إليه بعروض المسرح الكوميدى إلا أنها لفتت الأنظار لمواهبه كممثل كوميدى، ليصبح عادل إمام حالة خاصة فى تاريخ التمثيل العربى، فهو ليس كغيره، ليس كعدد كبير من النجوم والمشاهير جاءوا وذهبوا، قدموا بعض الأعمال المتميزة وعشرات الأعمال العادية أو قُل المتواضعة، فأعمال عادل إمام كلها متميزة وإن جاء هذا التميز بدرجات متفاوتة، لأن تمثيل عادل إمام وقدراته الأدائية سر هذا التميز، فهناك أعمال عادية على مستوى الكتابة أو الإخراج والمفردات الأخرى، قدمها عادل إمام ولكن أضفى عليها طابعاً خاصاً من شخصيته فى الأداء فجاءت مختلفة ومتميزة، فمنذ أن شاهدت عادل إمام فى أعماله الأولى المسرحية والسينمائية التى عرفه الجمهور من خلالها فى القرن الماضى وأنا أتذكر الإعجاب والشعور بالمتعة، وبأننى أمام فنان مصرى خالص، وأننى أيضاً أمام فنان يحب نفسه كما يحب الفن، فمنذ أن ذاع صيته وأصبح من نجوم الصف الأول وهو لم يتنازل عن هذا المقعد حتى بعد أن تجاوز الثمانين وهذا لم يحدث لممثل من قبل، أن وصل إلى هذه السن وما زال النجم الأول فى أعماله التى يؤديها إما على الشاشات بأنواعها أومن خلال الإذاعة، نعم تتغير الشخصيات، صفات الدور وملامح البطل وفقاً للمرحلة العمرية التى يمر بها عادل إمام، سواء اختلفنا أواتفقنا حول القيمة الفنية للدور، ومن الطبيعى أن تتفاوت الأدوار وفقاً لمعطيات كثيرة، السيناريست والمخرج وفريق العمل، وفى كل الأحوال يكون الدور متميزاً لأن المؤدى هو عادل إمام.

لن أبالغ إذا قلت إن هذا الممثل ليس من زماننا، فهو إن كان يعيش فى زماننا، فهو يعيش أيضاً فى أزمنة أخرى أو قُل يستعير قيم هذه الأزمنة، فحين أكتب عن عادل إمام لا بد أن أزور نجيب الريحانى وفؤاد المهندس، أطرق باب الأول، أسأله وأستنير برأيه عن هذا الفتى، وأقدم الشكر للثانى الذى كان بعيد النظر حين شاهد «الأستاذ دسوقى» فى ملابسه المهلهلة، بنطاله القصير وسترته الممزقة وطربوشه القديم ودوره المحدود عام 1963 صاعداً إلى أعلى درجات المجد فى المستقبل القريب، وحين أكتب عن فؤاد المهندس أبدأ بنجيب الريحانى ولا أنسى عادل إمام، وحين أكتب عن الريحانى يراقبنى عادل إمام وفؤاد المهندس وهكذا لا أستطيع أن أتذكر أحدهم دون الآخر، وعندى الأسباب فنجيب الريحانى أستاذ الكوميديا المصرية ليس فقط فناناً عظيماً قدم مثالاً لما يجب أن يكون عليه الكوميديان، إذ قدم الريحانى الكوميديا على صورة الإنسان المصرى ومثاله وذلك حين بدأ طريقه المسرحى فى العقد الثانى من القرن العشرين ومعه سيد درويش وبديع خيرى وآخرون، حيث كان يقدم شخصيات تحمل صفات الواقع المصرى، ليس فقط تجسد معاناة المواطن المصرى، أفراحه وأحزانه، لكنها تؤرخ لهذا الواقع من خلال الشخصيات المسرحية، وقد انضم لهذه المدرسة التى اختارت طريق الخلود الفنى فؤاد المهندس وعادل إمام، وللأسف أغلقت المدرسة أبوابها، بل وهجرها المعلمون وتبدلت المناهج، بل وأصبح التعليم مسألة ثانوية بالنسبة للسواد الأعظم من الأجيال التالية!

التقى المهندس بالريحانى فقط لمدة عامين، حين تعرف عليه وهو ما زال طالباً بكلية التجارة ثم رحل الريحانى ولكن ظل التلميذ وفياً لأستاذه حيث رأى فيه القدوة والمثل الأعلى فى تأكيده وإصراره على تقديم شخصية الإنسان المصرى البسيط فى حياته العادية والبحث عن الضحك من المفارقة بين بساطة هذا الكائن والحياة المعقدة التى يعيشها، فى ستينات القرن الماضى وحين كان عادل إمام لا يزال طالباً فى كلية الزراعة اختاره الفنان فؤاد المهندس ليؤدى دوراً ثانوياً فى مسرحية «أنا وهو وهى» من إخراج عبدالمنعم مدبولى عام 1963، ورغم صغر حجم الدور إلا أن شخصية الأستاذ دسوقى لاقت إقبالاً كبيراً وتركت أثراً عند الجمهور، فحين ظهر «دسوقى» وكيل المحامى الغلبان المعتد بنفسه، بملابسه الكاريكاتيرية المضحكة وطربوشه المثير والأداء الذى يغلب عليه طابع البارودى، وظلت «اللازمة» التى أطلقها فى هذه المسرحية تعيش زمنا طويلاً «بلد شهادات» وشارك أيضاً فى مسرحية اسمها «قصر الأحلام» ثم استعان به فؤاد المهندس عام 1965 للمشاركة فى مسرحية «أنا فين وأنتى فين» هى مسرحية كوميدية من بطولة وإخراج فؤاد المهندس وفايز حجاب وتأليف سمير خفاجى وبهحت قمر، وشاركت فيها بدور البطولة شويكار ونظيم شعراوى وسلامة إلياس والنجم الصاعد وقتذاك عادل إمام فى دور موظف صغير بالشركة ويظهر فقط فى مشهد واحد، وشارك أيضاً مع فؤاد المهندس فى مسرحية اسمها «حالة حب» التى أخرجها أيضاً عام 1767 فى دور الشاب الناعم، بالإضافة إلى دوره فى مسرحية «النصابين» التى كتبها محمود السعدنى وأخرجها سعد أردش عام 1966 فى دور صحفى انتهازى بأداء كاريكاتورى مرح، وكانت آخر المسرحيات التى سبقت أدوار البطولة على خشبة المسرح عام 1970 من خلال مسرحية «غراميات عفيفى» وأيضاً «البيجامة الحمراء وفردة شمال» وكانت هذه المسرحيات مع أعمال أخرى فى الجامعة تمهيداً للحدث المسرحى الأكبر فى حياته ألا وهو «مدرسة المشاغبين» فالثلاثة (وأقصد الريحانى وفؤاد المهندس وعادل إمام) رغم التفاوت الزمنى، ورغم اختلاف النشأة والتكوين الثقافى، رغم التغيرات والتحولات الكبرى التى طرأت على الحاضنة الاجتماعية التى شهدت تكوين وعى هؤلاء إلا أن هناك ما يجمع بينهم، ليس فقط التصميم على جماليات الأداء ولكن الانحياز التام للشخصية المصرية وطرح أسئلة الواقع وقضايا اللحظة الراهنة من خلال الشخصيات المتعددة التى جسدها هؤلاء للشخصية المصرية، وهذا ما سوف أحاول تقديمه من خلال هذه القراءة فى شخصيات عادل إمام فى أعماله الفنية وخاصة المسرحية.. «وللحديث بقية».

Katen Doe

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

أوراق الوردة 9 «تمر حنة» يتفوق على «شاهد ما شافش حاجة»
عادل وهاني
عادل
رجال فى حياة «الكوميديان الطيــب» سليمان عيد

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص