حميدة وأمينة ونفيسة وعايدة شــداد.. نساء من سينمـا «محفوظ» الروائية

فى يوم 11 من ديسمبر 1911، دخل «نجيب محفوظ» الدنيا، وخدمته الظروف فمنحته عائلة ميسورة مستورة، فاستطاع اللحاق بالمدارس ثم اللحاق بالجامعة،

 وكان الزمن زمن ثورة 1919 وزمن نضال وطنى وصراع بين المصريين والإنجليز، وكانت موهبته تدور فى منطقتين، منطقة الحركة البدنية، والحركة الفكرية، وحقق تفوقاً فى لعبة «كرة القدم» لكنه لما التحق بجامعة فؤاد الأول، انشغل بالفكر والفلسفة والتاريخ، واهتدى إلى فن الرواية، وكتب روايات واقعية، منها «زقاق المدق» التى اعتبرها الناقد الراحل رجاء النقاش تنتمى إلى المذهب الطبيعى الملتزم بالمقاييس والنسب والتفاصيل المطابقة للمعروف لدى الناس، وكانت «حميدة» هى الفتاة الفقيرة التى بحثت عن الثروة، فسقطت السقوط الأخلاقى، وهجرت حبيبها «عباس الحلو» لتصبح «راقصة» من الدرجة الثالثة فى كباريهات وسط القاهرة، ونجحت الفنانة «شادية» فى التعبير عن روح «حميدة» وتحولت هذه الشخصية إلى نموذج روائى وسينمائى، يعبر عن مرحلة من تاريخ مصر، مرحلة الضعف والسقوط السياسى والأخلاقى تحت أقدام الاحتلال حسب قول رجاء النقاش. ولم يتوقف نجيب محفوظ وهو يكتب الروايات عن دراسة المجتمع والطبقات الشعبية القاهرية التى عرفها فى مسيرته، فاكتشف التناقض بين «كمال عبدالجواد» ابن الطبقة المتوسطة، و«عايدة شداد» ابنة الطبقة الغنية المرتبطة بالاحتلال، وكان «كمال» صديقاً لشقيق «عايدة» فى رواية قصر الشوق وتمنى الارتباط بها، والزواج منها، لكنها كانت واعية بمصلحتها المالية والاجتماعية، فحولته لمادة للسمر والتسلية، ولما قررت الزواج، اختارت الشاب الغنى المنتسب للطبقة ذاتها، طبقة الأغنياء ملاك الأراضى، ومن «عايدة شداد» إلى القاع الاجتماعى، حيث تعيش «نفيسة» ابنة الموظف الفقير، وتتحول إلى «ضحية» لأحلام أخيها «حسنين» المتطلع للصعود والغنى، مثلها مثل أمها وأخويها «حسن وحسين»، وتضطرها الظروف إلى السقوط فى الوحل، وتصبح «فتاة ليل» ولم يتورع أخوها المتوحش حسنين عن إجبارها على الانتحارـ فى فيلم بداية ونهاية، أما «أمينة» فهى الأم المصرية الصابرة المطيعة الراضية بالقليل، ورغم أنها وردت فى الثلاثية الروائية للكاتب الراحل نجيب محفوظ وصورها المخرج الراحل «حسن الإمام» فى الأفلام السينمائية المأخوذة عن هذه الروايات، مقرونة بالقاهرة والحى الشعبى الذى تقع فيه الأحداث، إلا أنها كانت نموذجاً معبراً عن «الأم المصرية» فى مختلف البيئات والأقاليم، لأن نصيب المرأة من التعليم فى تلك الفترة كان ضعيفاً، وخروجها للعمل كان محرماً، وبالتالى لم تكن مالكة زمام نفسها، فكان الزواج هو طوق الحياة وطوق النجاة لها، ولم يكن فى استطاعتها غير الرضوخ والقبول بما يفرضه عليها الرجل، والمقصود هنا، القول إن السينما الروائية التى عبرت عن مشروع محفوظ الروائى ازداد أثرها، فهى التى حولت الكلام المطبوع إلى صور حية، فى زمن كانت فيه السينما تمثل مصدراً من مصادر المعرفة للطبقات كلها، قبل ظهور التليفزيون، وهى التى جعلت المشروع الروائى للكاتب الراحل نجيب محفوظ يمارس سطوته الفكرية على عقول الملايين ويحقق المتعة لعشاق الأدب والصورة السينمائية، ويبقى القول إن «الروائى» الموهوب موهبة غير عادية هو من استطاع التقاط هذه الشخصيات النسائية من قلب الواقع الاجتماعى بروح الفنان المنتمى للوطن المصرى، المهموم بواقعه ومستقبله ولولا هذه القدرة التى تمتع بها رائد الرواية العربية ما استطاعت السينما تحقيق هذا الإنجاز الفنى الكبير.

أحمد فؤاد نجم.. شاعر الشعب الكادح ما زال حياً فـى القلوب

فى 3 من ديسمبر 2013 غادر أحمد فؤاد نجم الحياة، بعد أن قضى سنوات طويلة فى عراك مع الواقع والمجتمع والسلطات فى عصر السادات وعصر عبدالناصر، وكانت الظروف كريمة معه، ومعنا، فمكنته من كتابة مذكراته وقصة حياته ونشرها فى كتاب مطبوع، ومنها عرفت وعرف الناس حجم التحول والمأساة التى جعلته الطفل المقيم فى ملجأ خيرى بمدينة الزقازيق، ثم عامل مخازن فى معسكر من معسكرات الجيش البريطانى فى منطقة قناة السويس ويتم القبض عليه بتهمة الاختلاس فيدخل السجن، ويعايش المجرمين، ويعثر على أخ له، فقدته العائلة واعتقدت أنه مات، وفى السجن تتفجر موهبة الشعر لديه، ويكون محظوظاً بقائد السجن، فيهتم به ويرعى موهبته ويصدر له ديوانه الأول «صور من الحياة والسجن»، ثم يتطور وعيه فيلتحم فكرياً ونفسياً بالهموم السياسية والاقتصادية ويصبح من رموز الرفض والتمرد، وينتقل من «شريحة اللصوص» إلى «شريحة المناضلين»، ويصبح من أنصار القضية الفلسطينية، ويخوض معارك كثيرة وكبيرة، ويلتحم بحركة «جيل السبعينيات «ومعه الملحن العبقرى الفلاح «الشيخ إمام عيسى» ويتحول «نجم» إلى أسطورة ورمز لدى الشعوب العربية، رغم أنه كان يكتب الشعر باللهجة العامية، على بحر واحد لا يغيره، لأنه لم يتمكن من «العروض والبحور الخليلية المنسوبة إلى الخليل بن أحمد الفراهيدى، وخدمته الظروف، فاستدعاه ثوار «25 يناير» بعد سنوات من السكوت والاكتفاء بالكتابة فى الصحف والعيش فوق سطح عمارة «مساكن شعبية» فى هضبة المقطم، واستجاب للدعوة وكان فى ميدان التحرير مع الثوار، ورحل بعد أن أدى رسالته ورغم الرحيل، ما زال «أبو النجوم» حياً فى القلوب..

سعاد حسنى.. جمعت فى الفن بين «النجيب» «والفاجومى»!

سعاد حسنى، نجمة مشهورة وساكنة قلوب العرب، من المحيط إلى الخليج، وهى مصرية النشأة والثقافة والهموم والحزن، وسورية العرق من الأب والأم، أبوها «محمد حسنى البابا» الخطاط المشهور، وأمها «جوهرة» وهى نفسها «جوهرة إنسانية» وفنية، عبقرية، صاحبة موقف وطنى وسياسى منحاز للناس، وهذا قربها من عالم «نجيب محفوظ» وعالم «فؤاد نجم»، لأنها المعادل الإنسانى للتصور الإبداعى للرجلين رحمهما الله فهى حين غنت «دولا مين، دولا عساكر مصريين»، غنتها بروح السيدة المصرية المعتزة برجال الجيش المصرى الوطنى الذى استطاع العبور والقضاء على الدعاية الصهيونية السوداء التى روجت الأكاذيب حول القدرات القتالية للجندى المصرى، ولا يستطيع أحد قبول كلمات فؤاد نجم «دولا خلاصة مصر ياولدى» من حنجرة غير حنجرة «سعاد حسنى»، ولما دخلت عالم «نجيب محفوظ» النجيب الرائع، دخلت من باب أفلام «الطريق 1964» و«القاهرة 30» فى الفترة ذاتها، فعبرت عن المرأة الطاهرة العاشقة فى مواجهة المرأة الساقطة، وعبرت عن الفتاة الضحية «إحسان شحاتة» التى لم يكن أمامها خيار غير القبول بدور العشيقة للوزير الفاسد، حتى تستطيع توفير الطعام والكساء لإخوتها الصغار، وفى بقية الأفلام المأخوذة عن روايات محفوظ عبرت عن الشخصيات النسائية الخيرة المدافعة عن القيم والمثل العليا، كما فى فيلم «الكرنك»، قدمت شخصية الفتاة المولودة فى حضن ثورة يوليو، لكنها تقع فى فخ أمنى يكلفها كرامتها وحياتها، لكن مع لحظة عبور الجيش المصرى، تكون الطبيبة التى تقوم بدورها الوطنى، رغم كل ما تعرضت له من تعذيب وقمع وقهر، وفى فيلم «الجوع» قدمت شخصية المرأة المصرية الصابرة، وفى فيلم «أهل القمة» فضحت سياسة الانفتاح الاقتصادى، وفى كل أعمالها كانت «سعاد حسنى» متفردة، مبدعة، قادرة على خطف القلوب والبقاء فى العقول وهى من بنات «بابا شارو» وبرامج الأطفال فى الإذاعة المصرية، وفى الفترة التى عاشتها «1943ـ 2001» كانت روحاً طيبة معطاءة محبة للناس رحمها الله بواسع رحمته.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

سعاج
نجيب
محفوظ
نجيب
نجيب محفوظ.. مواطن شارك فى تحقيق أهداف الدولة الوطنية المصرية
فى ذكرى ميلاده (3) أفكار فلسفية وشخصيات عبثية فى مسرح نجيب محفوظ
نجيب محفوظ.. رواياته منحت الدراما المصورة حب الجماهيرالعريضة
فى ذكرى ميلاده شكل القصة وجوهر المسرح فى حكايات نجيب محفوظ

المزيد من فن

عمرو سعد يصوّر «إفراج» فى القلعة

يواصل الفنان عمرو سعد تصوير مشاهد مسلسله «إفراج »، وصوّر بعض مشاهد المطاردات فى شوارع القلعة الأسبوع الماضى.

طارق لطفى و «فرصة أخيرة» فى شوارع شبرا

عاد الفنان طارق لطفى لتصوير مشاهد مسلسله «فرصة أخيرة »، الذى ينافس به فى الموسم الرمضانى.

وحدة تصوير ثانية ل «صحاب الأرض»

يواصل صناع مسلسل «صحاب الأرض » تصوير مشاهده فى مدينة الإنتاج الإعلامى.

معتصم النهار يعود لـ«نصيب» بعد رمضان

يعود الفنان اللبنانى معتصم النهار إلى القاهرة بعد عيد الفطر المبارك مباشرة، لاستكمال تصوير مشاهده فى فيلم «نصيب »، الذى...


مقالات

إدارة المفاجأة… حين يصبح الزمن سلاحا
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 02:21 م
منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص
القراصيا في طبق من ذهب
  • الخميس، 26 فبراير 2026 06:00 م
رمضانيات مصرِية .. السر في التفاصيل ..!
  • الخميس، 26 فبراير 2026 03:12 م
"أول مهنة عرفها الإنسان ! "
  • الخميس، 26 فبراير 2026 01:00 م