فى ذكرى أكتوبر من كل عام.. ما زالت أصداء لقائى معها فى مخيلتى.. تلك المطربة التى أسعدت قلوب المصريين وزارتهم فى أفراحهم حتى أطلقوا عليها مطربة الأفراح..
ما زال صوتها الرخيم.. القوى.. الحزين فى أذنى رغم مرور سنوات طويلة على لقائى بالفنانة شريفة فاضل فى بيتها الكائن بعمارة ليبون بالزمالك، وقد ذهبت إليها وقتها من أجل أن تفتح صدرها لتتحدث عن ابنها الشهيد البطل.
مازلت أتذكر جدران المنزل الصامتة الحزينة، وما زلت أرى فى أحد أركانه ذلك الشريط الأسود على صورة الشاب الوسيم وهو يرتدى ملابسه العسكرية، والتى تخيم حولها أرواح هؤلاء الشباب الذين أهدونا بأرواحهم الطيبة ذلك النصر العظيم فى أكتوبر 1973.
ورغم أن روح شريفة فاضل فاضت إلى بارئها فى فجر الخامس من مارس 2023 إلا أن آخر كلماتها كانت سأصعد إلى جوار ابنى الشهيد.
الآن أتذكر حوارى مع تلك الفنانة الجميلة، وحينما التقينا كانت ترتدى ملابس مبهجة كثيرة الألوان كما عرف عنها، إلا أنها بدأت حديثها معى بصوت يملأه الشجن قائلة: ما زلت أتذكر تلك اللحظات المريرة التى تلقيت فيها نبأ استشهاد ابنى "سيد" حينما دق جرس التليفون لأشعر بدقات قلبى تتسارع، وشىء بداخلى خائف، فطلبت من زوجى الذى كان يعمل لواء فى الطيران فى ذلك الوقت تلقى نبأ استشهاد "سيد".
وحينما سألتها عن قصة دخوله الطيران أجاب: "كنت فى حلب ليخبرنى عبر الهاتف" أن"سيد" ابنى الذى بالمناسبة هو ابن المرحوم المخرج الكبير "سيد بدير" ليطلب من سيد أن يتقدم لكلية الطيران، فصرخت فى التليفون: "لا مش ممكن إحنا فى حرب" وطلبت من زوجى وقتها لواء الطيران ألا يساعده خوفا عليه لكنه صمم لحبه الشديد للجيش".
وحينما سألتها عن هوايات سيد الأخرى غير الطيران أكدت بأنه كان هادئا.. وكأنه ابن موت على حد تعبيرها، فقد كان يهوى الموسيقى، ولكنه أحب الطيران أكثر، فتخرج فى سنة ونصف فقط من التحاقه بالكلية، ولشدة تفوقه اختير للسفر إلى روسيا للتدريب على الطيران هناك، وعندما عاد استدعى من أجل الحرب.
وفى لحظات صمت أعقبها بكاء علا وجهها المشرق فى ذلك الوقت بدأت تحكى: "بصراحة كنت خايفة عليه جدا إلا أننى لم أستطع أن أمنعه من أداء واجبه، وكأننى كنت أزفه مثل عرسان كثيرين إلى الموت"، وتسكت قليلا وكأنها تتمالك نفسها وتصرخ: تصورى كنت خائفة جدا عليه من أن أشترى له عربية، وتحت رغبته الشديدة اشتريت له عربية قبل استشهاده بأيام قليلة، ويشاء القدر أن يموت شهيدا فى طائرته، وفجأة تجهش بالبكاء.. ثم بدأت تتمالك نفسها مرة أخرى لتتحدث عن أغنية "أم البطل" وكأنها تتذكر فرح ابنها الذى استشهد، وتقول: "ياااه أم البطل ديه أحسن أغنية بحبها فى حياتى، واجهت بها تحديات كثيرة جدا، أولها أنهم قالوا إننى لن أستطيع غناءها، ولكنى نجحت وبقوة صوتى وعزمى أن أهديها لكل آباء وأمهات مصر، ثم غنيتها فى الجبهة أثناء الحرب، وكنت أشعر فى عيون جنود الجيش المصرى وأنا أرددها بينهم بقوة وحماس، ورأوا وقتها فى عيونى قوة أم فقدت ابنها منذ أيام قليلة، فلم يكن و قتها قد مر أكثر من ثلاثين يوما على استشهاد ابنى.
وبابتسامة قوية حدثتنى وقتها عن قصة أغنية أم البطل قائلة:
"المسألة ببساطة أنه بعد استشهاد ابنى.. ولم يكن وحده من نال شرف الاستشهاد، بل العديد من زملائه، ومن بينهم شقيق الرئيس الراحل أنور السادات، وفوجئت بجميع الفنانين والشخصيات العامة يقفون بجوارى ويساعدوننى بعدما سقطت من هول الصدمة، وأتذكر بينهم صديقتى الشاعرة "نبيلة قنديل" وزوجها الملحن الصديق أيضا "على اسماعيل"، وكانت نبيلة أم مصرية.. وتعرف ابنى "سيد" جيدا بحكم ترددها على منزلنا، ففوجئت بها تدخل حجرته الخاصة وتغلق على نفسها الباب عدة ساعات، لتخرج بعدها بهذه الكلمات التى تحمست لها جدا، وعلى الفور لحنها "على اسماعيل" وقدمناها للإذاعة ودخلنا الاستديو وسجلناها".
ولكن ماذا عن شعورك عندما غنيت "أم البطل" لأول مرة أمام الميكروفون، كان هذا سؤالى لأم البطل، وكان ردها: "فى الواقع كان يوما عصيبا، "بابا شارو" أو محمد محمود شعبان كان وقتها رئيس التليفزيون، وكنت واحدة من تلاميذه، فكنت دائما أناديه بابا، وعندما قدم له الملحن على اسماعيل هذه الأغنية أعجبته جدا، ولكنه تردد عندما علم أننى أنا التى سأغنيها، وقال له شريفة مش ها تقدر، وعلى العموم أنا ها انزل الاستديو وأشوفها وهى بتغنيها، وأنا وقتها أخذتها مسألة تحد، وصممت أغنيها بقوة وصلابة، ودخلت الاستديو الذى كان مفتوحا 24 ساعة فى حالة طوارئ، وغنيتها وصفق الجميع لى، ولكن بعد أن بكوا معى، وخاصة حينما كنت أردد.. زرع العلم طرح الأمل.. وبقيت أنا أم البطل".
تصمت قليلا ثم تعود لتواصل قائلة: شوفى الأغنية ديه صعبة على جدا، ومهما أحكى إحساس محدش هيفهمنى، أنا لما باغنيها مش ببقى حاسة ولا دريانة بنفسى.. حتى مش بحس بدموعى، ولا مركزة فى أى حاجة إلا فى صورة بدير ابنى".
أسألها عن ذكريات الأغنية معاها عندما كانت تغنيها على المسرح، فتسرح قليلا ثم تقول: "ياااه ذكريات كثيرة، أذكر مرة بعد أن غنيتها صوتى احتبس تماما، لأننى كنت ضاغطة على نفسى ساعتها حتى لا أبكى، إلا أننى بعدها أصبت بنزيف حاد فى الأوتار، فنصحنى الأطباء بعدم غنائها مرة أخرى، لكن الأغنية كانت روحى، وصممت على غنائها فى كل حفلة، وفى كل مرة أصعد فيها للمسرح، فأذكر مثلا أن سوريا كان عندهم عيد التصحيح، وكانوا بيحاربوا على الجبهة، وطلبونى، فسافرت كى أقف بجوارهم، وأذكر أننى عند إحيائى للحفلة هناك كان الرئيس حافظ الأسد موجودا عند غنائى أغنية أم البطل، وقف.. ووقف الجميع هناك حدادا على ابنى، وبعد أن بدأت أغنى.. لم أدر بنفسى إلا والرئيس وكل الموجودين قد بكوا بكاء شديدا، ومن وقتها وكلما ذهبت إلى احتفال أو حتى فرح يطلبون منى أغنية أم البطل.. تخيلى".
وحينما سألتها عن شعورها وهى تزف العرائس والعرسان بعد استشهاد ابنها، ردت قائلة: "أشعر أن ابنى هو الذى يزف إلى عروسه، حتى إن كل الآباء والأمهات الذين زففت أبناءهم كانوا يشكروننى بعد كل حفل، ويقولون لى عبارة واحدة، يا الله انتى غنيتى النهاردة بإحساس أوى".
وتستطرد "تصورى إن يوم زفاف ابنى الثانى سامى لم أستطع أن أغنى"، فاندهشت وقلت لها.. وكيف ذلك؟!
وكان ردها: "لا أعرف كنت وقتها فى زفة ابنى التى حضرها كل معارفى فى مصر، الذين جاءوا تحية لى، وكان من المفروض أننى فى الزفة، ولكن احتبس صوتى، وظللت أبكى وأبكى.. حتى إن صديقتى الجميلة نجوى فؤاد ظلت بجوارى، وكانت تقول لى فرفشى ده مش وقته، افرحى، بس أنا مش عارفة، كنت شايفة صورة ابنى الشهيد هو الذى يزف لعروسه".
وحينما سألتها عن تصوير أغنية أم البطل للتليفزيون المصرى قالت: "طبعا سمير صبرى صمم وقتها على استضافتى فى برنامجه الشهير النادى الدولى، وكان يوما مشهودا حينما حضر كبار الملحنين كى يشاهدونى وأنا أصور هذه الأغنية، وكنت ارتدى ملابس الحداد السوداء، وصور سمير صبرى وجهى فقط، وأنا أغنى، وعلى فكرة وقتها لم أبك، وكان وجهى معبرا جدا أكثر حتى من لو كنت بكيت، ولكن بكى كل من فى القاعة إلا أنا، ثم سجلها بعدها، وللأسف كل هذه التسجيلات لم تعد موجودة".
فسألتها بدهشة لماذا لا تسجلينها مرة أخرى لتعرف الأجيال الجديدة من هى أم البطل، وقتها أجابت بحماس "لم لا.. أنا أنتهزها فرصة وأوجه كلمة لكل المسئولين بالتليفزيون أن يساعدونى فى تقديم الأغنية مرة أخرى، فحينما أموت سينسى الجميع أم البطل التى ضحت به من أجل الوطن، وما زلت أعيش فى ذكراه".
حينها طمأنتها بأن المصريين لم ولن ينسوا أم البطل، والفنانة التى طالما أسعدت الملايين بفنها الراقى المميز، والمطربة التى دخلت بيوتنا جميعا فى أفراحنا قبل أحزاننا، والمطربة التى كانت وما زالت أم البطل التى شاء القدر أن يخلد ذكراها.. ليس فقط بأغانيها المبهجة الممتعة، ولكن لأنها أم البطل التى ما زلنا نتذكر كلمات أغنيتها الحقيقية، وخاصة فى ذكرى انتصارات أكتوبر.
"رفع العلم .. طرح الأمل/ وبقيت أنا أم البطل".
لتهديها إلى أمهاتنا.. أمهات الأبطال الشهداء الذين قدموا أرواح أعز ما لديهم من أجل الوطن.. لتحيا مصر.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...