انتصارالشباب فى المهرجان القومى 4-محاكاة الواقع والسخرية من نجوم هذا الزمان

نكمل ما بدأناه  فى الحلقات السابقة حول مشاركة الشباب فى المهرجان القومى للمسرح، وبالتحديد مشاركة المسرح الجامعى  

من خلال عرضين، «ثلاثة مقاعد فى القطار الأخير» من جامعة القاهرة،  ورواية «أوليفر تويست» من جامعة المنصورة.. حصل الأول على مجموعة جوائز منها أفضل  نص مسرحي، أفضل ممثلة صاعدة  للأدوار الثلاثة الرئيسية، وأيضا جائزة التعبير الحركى مناصفة، وحصل العرض الثانى على جائزة أفضل تأليف موسيقى منفرداً ومتفوقاً على 36 عرضاً مسرحياً من المحترفين والهواة وأصحاب الخبرة.

عرض «ثلاثة مقاعد فى القطار الأخير» تأليف وإخراج مايكل مجدى، الذى كتبه من وحى وقائع حقيقية لانتحار مجموعة من الفتيات اختار ثلاثا منهن  لتقديم حكاياتهن فى هذا العرض.. الثلاثة يعانين من قهر المجتمع بكل رموزه، الأب، الأخ، المدرس، حيث يجسد العرض معاناة الفتيات من سلطة المجتمع ليس فقط الذكورية لكن من تدهور منظومة القيم، وسيطرة التدين الزائف على شريحة كبيرة من المجتمع، بالإضافة إلى تراجع منظومة التعليم.. وفى بطاقة العرض وضع مخرج العرض مجموعة من الرسائل تحت عنوان «بعض الرسائل الحقيقية إلى الأهل»،  الأولى حول افتقاد الفتاة إلى حضن الأهل، والثانية رسالة عتاب تختمها «ماكانتش عاوزة تحسسنى إنى غبية»،  ورسالة عتاب أخرى حول تجاهل الأب للفتاة، ورسالة أخرى تصرخ فيها فتاة  فى وجه الأهل «أنا عمرى ما حسيت معاكو بالأمان».. ورسالة مؤلمة تقول فتاة من خلالها  للأب «أنت عمرك وأنا صغيرة ما جربت تحضنى»..  صاغ  مايكل مجدى من هذه الرسائل ثلاث حكايات تعبر عن هذه القضية فى فضاء مسرحى، تتصدره ثلاثة مشانق    ستكون أيضا هى نهاية العرض، حين تعلق الفتيات الثلاث أنفسهن يأسا من الواقع الذى يقهرهن، ويضعن نهاية للحياة  عند هذه المشانق.. ورغم الخطاب المباشر الذى قدمه العرض، ورغم عدم وجود أى بارقة أمل فى العائلات الثلاث التى نشأت بينهن الفتيات، فالجميع أشرار، فإن الحلول الإخراجية وضعها العرض من خلال الأداء الجماعي، فالفتاة لا تؤدى دورها منفردة، بل مع مجموعة فتيات فى أحيان  يصلن إلى سبع، أى سبعة أصوات تردد المأساة بمثابة كورس يجسد ضمير المجتمع وفقا للدراما الإغريقية، وهذا التعدد دلالة على تشتت الفتيات. واستعان المخرج بالتعبير الحركى والموسيقي، فكان للجسد دور مؤثر وكبير فى العرض، الجسد الذى يرمز لمأساة الفتيات  ويقدم نماذج لرموز الحاضنة الاجتماعية الفاسدة، الأب والأم والأخ والمعلمة المستبدة، والحبيب المزيف عديم الأخلاق الذى يستغل  المحبة فى أغراض حقيرة، وأيضا لرجل الدين الكاهن والشيخ معاً، كلاهما يقهر الفتاة، وسيظل التساؤل رغم واقعية العرض واعتماده على حوادث حقيقية، إلا أن هذه الحوادث لا تجسد كل شرائح المجتمع المصرى  ولا تعبر تماما عنه، فالسؤال الذى يطرحه المشاهد على نفسه بعد أن يشاهد الفتيات الثلاث فى حبل المشنقة، بعد قرار الانتحار ، ورغم قناعته بأنهن ضحايا المجتمع: لماذا تقديم هذه الصورة للمجتمع التى لا تحتوى على أية شخصية سوية.. فهل هذا واقعى أو منطقى سواء فى الواقع أو الدرما؟

أما عرض «أوليفر» المأخوذ عن رواية أوليفر تويست  والذى قدمه طلبة كلية الصيدلة جامعة المنصورة  فقد لعب فيه دور البطولة بعد المؤلف  تشارلز ديكنز  الشاب زياد هجرس، صاحب التأليف الموسيقى والتدريب الصوتى للفريق، حيث كانت المفاجأة أن يقدم فريق كلية الصيدلة هذه الرواية الصعبة فى قالب المسرح الغنائى من دراماتورج وإخراج حازم أحمد، واستعراضات محمد السيسي، وديكور أحمد جمال، وإضاءة محمد سعد.. نعم كانت مفاجأة أن يغامر فريق مسرحى فى الجامعة  بتقديم رواية لتشارلز ديكنز فى قالب مسرحى غنائى..  أوليفر الذى جسده الروائى الانجليزى نشأ فى إصلاحية حقيرة، طفلاً حزيناً بعد أن ماتت أمه .. نشأ جاهلاً مهاناً ذليلاً، يعمل بقسوة حتى يحصل على ثلاث وجبات يومياً ، وحين طلب طعاما إضافياً ضربوه بقسوة وقرروا الاستغناء عنه، بل وأعلنوا عن مكافأة خمسة جنيهات لمن يتبناه.. وبالفعل حصل الحانوتى على المكافأة وأوليفر معا.

قادت الأقدار أوليفر الصبى إلى جاك اللص  الذى عرّفه، على فاغنر رئيس العصابة، ويعرف فيما بعد أن أخاه أيضا لص، وتفاصيل إنسانية عديدة من خلال مجموعة علاقات متشابكة حول هذا الصبى البائس، الذى خرج من عالم الإصلاحية إلى عالم ربما أكثر قسوة من الإصلاحية.. خرج من السجن الصغير إلى السجن الكبير! وحاول العرض تقديم هذه الرواية الضخمة بأحداثها وشخصياتها فى مجموعة مشاهد رئيسية تبدأ من الملجأ ثم وكر اللصوص، والدكان، وبيت براونلو، ومشاهد فى الشارع مع المشردين.. مجموعة من المشاهد تجسد الحياة القاسية لهذا الكائن  وقد استخدم المخرج حيز الجمهور أى الصالة إلى جانب حيز اللعب، حيث يتجول أبطال الحكاية بين صفوف المشاهدين فى العديد من المشاهد، منها مشهد بيع أوليفر، وأيضا مطاردة اللصوص له على سبيل المثال، وتقريبا كل مشاهد الشارع كانت الصالة شريكة فيها. وساعدت الإضاءة المتميزة ذات الطابع الدرامى رغم فقر الديكور المادى فى تجسيد معاناة أوليفر  وبناء منظر مسرحى بين الصالة والجمهور.. وعلى مدى أكثر من ساعة ونصف تقريباً يشاهد الجمهور ويستمع إلى موسيقى حية.. وفى هذا العرض يتجسد انتصار المخيلة لهؤلاء الشباب رغم تواضع الامكانيات المادية، ليقدموا عرضا نموذجيا للمسرح الغنائى ربما تعجز عن تقديمه فرق راسخة فى مسارح كبيرة.

ومع  نموذج آخر لمسرح الشباب يختلف فى صيغة الإنتاج الذى يقدمه صندوق التنمية الثقافية فى ثلاثة عروض «شابوه، جوه الصندوق، عاصف ممطر جداً».. العروض الثلاثة متباينة فى المستوى الفنى وفى  أسلوب المعالجة.. الأول «شابوه» حصل على جائزة أفضل نص مسرحى مناصفة مع جائزة أفضل ممثل، تأليف وإخراج أحمد محيى.. ويحاول من خلاله فريق العمل مناقشة تدهور  الذوق العام والاتجاه إلى الفن المزيف وتقديم صورة لنجم هذه الأيام من الممثلين تافهة وجاهلة، من خلال مجموعة من الأصدقاء.. فرقة مسرحية كانت تعمل من أيام الجامعة تفرقت بأعضائها السبل  كل فى طريق،  وذات ليلة يظهر عبد الرحمن الوسيمى المؤلف الذى اقترحه أحد الممثلين من نجوم هذا الزمان على المخرج الذى يشبه هذا النجم، وعبد الرحمن زميل النجم ونجمة الفرقة أيضا، بل ويلتقى بأحد زملائه من فرقة الجامعة وكان ممثلا والآن يقوم بأعمال إدارية وممنوع من التمثيل فى هذه الفرقة، ويبدأ الصراع ليس فقط بين المؤلف زميلهم الذى ما زال قابضاً على الجمر وهؤلاء النجوم المزيفين، بل وصراع هؤلاء النجوم مع أنفسهم ، مع ماضيهم وحاضرهم، وكيف أصبحوا يعيشون فى هذا الزيف.. وظهور هذا الغريب ليس عنهم بل عن القيم التى يؤمن بها هؤلاء، وكيف أعادهم هذا المؤلف الذى لم يتم تلويثه إلى ذواتهم الحقيقية، حيث تدور الحبكة الرئيسية حول هذا الفعل، فنحن فى مشهد واحد داخل المسرح الذى يعمل فيه هؤلاء، حيث تتحول الشخصيات أو قل تعود إلى حقيقتها  من خلال ليس فقط الحكى، والحوار، بل من خلال التمثيل والغناء والاستعراض من خلال الأداء المسرحى. 

أما العرض الثانى من إنتاج صندوق التنمية  فهو «جوه الصندوق»، تأليف وإخراج إسلام إمام، وتم عرضه فى فضاء مفتوح  فى ساحة قصر الأمير طاز، من خلال فكرة تبدو شائعة فى الدراما، حيث يلتقى شخص بآخر وكلاهما مقبل على الانتحار، وكلاهما متردد، وفى هذه اللحظة نكتشف مكنون الشخصيات، حيث يتوافد آخرون إلى حافة الجبل للانتحار ولن ينتحر أحد.  هذه النماذج من المفترض أنها تجسد شرائح من المجتمع المصرى ومن خلال هؤلاء يقدم المخرج تفاصيل  الواقع القبيحة كما هى دون تدخل فى محاولة لمحاكاة الواقع محاكاة ساخرة، من خلال حكايات تبدو واقعية لكن  يقدمها المخرج بأسلوب أقرب إلى الجروتسك، مبالغ فى أدائها وملامحها، نماذج مثل بنت البواب وعائلتها، والصعيدى الحاج شاهين ومشكلة ابنه المهاجر إلى أوروبا، فى مقابل أبوعوف وعبدالمعبود  اللذين يجسدان  المجتمع الاستهلاكى وقيم الجهل، فى لوحة تسخر من الهجرة غير الشرعية ومشهد مأساوى حول غرق المركب، لكن لا يخلو الأمر من السخرية، حيث اختار المخرج ثلاثة أسماء لثلاث شركات مشهورة تبيع البن فى القاهرة!.. بالإضافة إلى بطل رياضى خارج الخدمة، وممثلة فاشلة  تقدم حكايات نمطية، ونماذج أخرى وحكايات مبالغ فيها تحاول إضحاك المشاهد.. وفى النهاية يتوجه الفريق  للجمهور لطرح أسئلة والاشتباك مع المشاهد، مثل: هل المنتحر شخص ضعيف، كيف نمنع الانتحار ؟ والجمهور يجيب.. وبعد أن فضفض الذين كانوا على وشك الانتحار  وشعروا بالحميمية مع الآخرين تراجعوا عن الفكرة وانتهى العرض. «وللحديث بقية..

 

Katen Doe

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص