العودة إلى المسرحية الاجتماعية وأسئلة الواقع في المهرجان القومي (3)

نكمل الحديث عن مشاركة الشباب فى المهرجان القومى للمسرح فى دورته السادسة عشرة وبالتحديد المسرح الجامعى والمعاهد المسرحية، وقد قدمت من قبل قراءة لثلاثة نماذج مأخوذة عن نصوص أجنبية «الزائر»

 بريتسلى «موت معلق» ساراماجو «الأحدب» لفكتور هوجو.. والمسرحيات الثلاثة تشى بأن هناك روحاً جديدة لهذا الجيل تنتصر فيها المخيلة ويكون لها الكلمة العليا لتلعب دور البطولة فى هذه العروض، وهذا ما تؤكده كل مفردات العرض المسرحى، بالإضافة إلى اختيار النصوص وما تطرحه من أفكار وأسئلة عميقة حول الإنسان بشكل عام سواء ما يطرحه بريتسلى حول توحش الرأسمالية من خلال صاحب المصنع وأسرته والضحية إيفا سميث، أو توحش السلطة الدينية فى الأحدب وأسئلة الموت الفانتازية فى «موت معلق»، أسئلة فلسفية وأخرى اجتماعية... وفى هذه الحلقة نواصل الحديث حول الروح الجديدة وانتصار المخيلة من خلال عرضين «العيلة» و«المنفى». وعرض «العيلة» الذى شارك تحت رعاية صندوق التمنية الثقافة هو عرض جامعى أيضاً، وعرض «المنفى» الذى شارك تحت رعاية وزارة الشباب والرياضة من إنتاج جامعة طنطا.

عرض «العيلة» عن مسرحية العائلة للكاتب الأمريكى آرثر ميلر، والتى كانت مع عروض أخرى للشباب مفاجأة تكمن فى انحياز جيل الشباب إلى المسرحية الاجتماعية التى تسعى وراء الحق والحقيقة، والتى تنشد الحق الموضوعى وتهتم بآلام الإنسان وما يعانيه من أزمات، هذا النوع من المسرح الذى انتشر بعد أن اشتد الوعى بالوجود المادى للإنسان وازداد الضغط لمعالجة الآفات والمظالم الاجتماعية ورفع كل ما يعيق سعادة الإنسان، وفى هذه المسرحيات يكون الإنسان فى صراع قوى مع المجتمع أو فى صراع باطنى مع نفسه، ومسرحية الأمريكى آرثر ميلر «كلهم أبنائى» تعد نموذجاً، حيث يطرح الكاتب من خلال حكاية عائلتين صراع الإنسان / الفرد مع قيم المجتمع أو قُل مسئوليته ناحية المجتمع، «جو كلر» صاحب مصنع ومعه شريكه «ديفر» حين كانا فى فترة الثلاثينات وأثناء الحرب كان المصنع يعمل فى القطع الحربية فتم إنتاج أجزاء خاصة بالطائرات معيوبة! أدت إلى مصرع عدد كبير من الطيارين. والمسرحية كما يصفها مترجمها عبدالحليم البشلاوى تعيد إلى الأذهان قضية الأسلحة الفاسدة عام 1948، ولكن الأمر يتجاوز هذه النقطة إلى علاقة الفرد بالمجتمع ومسئوليته نحو الجماعة / الدولة.

ما حدث أن جو كيلر كان يعرف أن ثمة عيوباً فى القطع التى سيتم تصديرها للجيش أثناء الحرب «سلندر الطائرة» القطع كلها كانت مشروخة ومع هذا حين أبلغه شريكه ديفر قلل من شأن الكارثة وأبلغه أن يعالجها ويرسلها، وفى ذلك اليوم أصابه البرد وتصدر المشهد الشريك وفى المحاكمة خرج جورج بريئاً وعوقب ديفر... المسرحية تبدأ وقد تمت هذه الجريمة، ونحن فى المنزل أو قُل فى الحديقة الخلفية لبيت جو كلر الذى فقد ابنه الطيار بسبب هذا الخطأ، والأم لا تصدق الفقد النهائى وتنتظر عودة الغائب، والأب يعيش ويحمل على كاهله هذا الخطأ الذى يبرره لأبنائه فيما بعد دفاعاً عن نفسه أمام ابن شريكة الذى يقضى عقوبة السجن على جريمة هو برىء منها.. يقول لهم فى مشهد أقرب إلى المحاكمة: «فماذا كنت أفعل؟ أنا صاحب عمل، 120 غطاء سلندر مشروخة، معناها أن أصبح بلا عمل. إذا لم تكن تعرف كيف تسيّر عملك أصبح إنتاجك لا خير فيه. إنهم يغلقون مصنعك، يمزقون عقودك، أنت تقضى أربعين عاماً فى عملك وهم يقضون عليك فى خمس دقائق، فماذا أفعل؟ أتركهم يقضون على أربعين عاماً، أتركهم يمزقون حياتى؟ (يتصدع صوته) لم يخطر ببالى أنهم سيركبون أغطية السلندرات. أقسم بالله كنت أظن أنهم سيمنعون الطائرات قبل أن يصعد إليها أحد. فبعد أن يقدم أرثر ميلر العائلة والآباء والأبناء، ملامح الشخصيات التى تجسد صورة للمجتمع الأمريكى فى ثلاثينات القرن الماضى، يخرج الأب عن صمته أو قُل يخرج بقوة الجيل الجديد الذى يبحث عن الحقيقة، فالأب كرس يصرخ فى وجه الأب: فلماذا شحنتها إذن؟ وكلر يبرر أنه كان يظن أنهم عندما يكتشفون الأمر يكون صنع غيرها، ولكن هذا لم يحدث! يسأله كرس: لماذا لم تخبرهم... لقد فات الأوان ونشرت الصحف أن 21 طيارة قد سقطت، وجاءوا إلى المصنع بالقيود الحديدية. لقد وضع أرثر ميلر على لسان كرس فى هذا الحوار المدهش صورة حية للمسرحية الاجتماعية ودرساً فى مسئولية الفرد ناحية المجتمع. كرس يقول للأب: أى نوع من الرجال أنت! كانت حياة هؤلاء الشباب معلقة فى الهواء على أغطية السلندرات هذه وكنت تعرف ذلك. كرس يرفض مبررات الأب من أجلك أفعل هذا، لأنه كان يموت كل يوم «وأنت تقتل رفاقى، هل كنت تفعل هذا من أجلى» ماذا تعنى أليس لك وطن؟ ألا تعيش فى العالم؟ ما أنت بالله عليك؟ ما أنت حتى بحيوان لأن الحيوان لا يقتل ذريته فما أنت؟ يجب أن أقطع لسانك من فمك ماذا يجب أن أفعل».

فى العرض المسرحى تغيرت الأسماء إلى حسين ويوسف وتحية ونعيمة وجميلة ورياض، وحذف المخرج محمد خلفاوى الذى كتب فى بطاقة العرض إعداد وإخراج جزء كبير من النص، وأشار إلى قضية الأسلحة الفاسدة التى أشار إليها المترجم، لم يؤكد مكان الأحداث لكنه حافظ على البنية العميقة للنص فى طرح علاقة الفرد بالمجتمع من خلال أداء مجموعة من الممثلين ومنحت لجنة التحكيم جائزة للأب جو كلر أو حسين والذى أدى دوره سعيد سلمان.

أما عرض «المنفى» المأخوذ عن رواية بهاء طاهر «الحب فى المنفى» التى نشرها عام 1995 وكتبها أثناء إقامته فى سويسرا والتى طرح من خلالها تحولات المجتمع المصرى من يوليو 1952 وحتى مطلع التسعينات من القرن الماضى من خلال مجموعة من الشخصيات عاشت لحظة التحولات وهاجر بعضها إلى المنافى، شخصيات أصابها العطب كما أصاب المجتمع، وضمّن بهاء طاهر الرواية مجموعة من الشهادات الحقيقية مثل شهادة الممرضة «بريجيت» حول مذبحة صابرا وشاتيلا، وشهادة الصحفى برنارد، وأيضاً الحوار الذى أجراه الكاتب مع الصحفية النرويجية. ليقدم قراءة ليس فقط للتحولات التى شهدها المجتمع المصرى فى تلك الحقبة، بل سلسلة الانكسارات التى أصابت الواقع العربى أيضاً، حيث جاءت شخصية سعيد الصحفى والسياسى نموذجاَ ثرياً لهذه التحولات، القادم من الجنوب إلى العاصمة، والرواية تبدأ من المنفى، من مصائر الشخصيات بعد التحولات الاجتماعية والسياسية التى أصابت المجتمع، ويعود الراوى بين الحين والحين إلى الوراء «فلاش باك» لتقديم الشخصيات مثل «سعيد وإبراهيم ومنار، فسعيد الذى يجلس عند النهر فى إحدى المدن الأوروبية ويسأل نفسه ما علاقة هذا الأفندى الذى يجلس على مقهى عند النهر بالطفل الذى يمشى ساعتين على أقدامه حتى يصل إلى المدرسة، سعيد الطفل الذى عاش فى الجنوب ابناً لفرّاش المدرسة التى تعلم فيها، ثم انتقل إلى القاهرة عاصر تحول المجتمع من الملكية إلى الجمهورية، ودافع عن النظام الناصرى وانتهى به الأمر بعد الانفتاح الاقتصادى بكل تجلياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلى الحياة فى أوروبا، مقابل إبراهيم المعارض للنظام الناصرى، والذى دفع ثمن آرائه سنوات فى المعتقل، كلاهما وطنى وكلاهما يردد بعد سنوات «الثورة، العروبة، الاشتراكية» ما هى إلا كلمات للندوات والمقالات.. وفى العرض الذى أخرجه السعيد منسى وإعداد مسرحى أحمد عصام والذى نال عنه جائزة أفضل دراماتورج مناصفة مع عرض «موت معلق» ودون شك تقديم هذه الرواية الحافلة بالأحداث السياسية على مدى نصف قرن تقريباً أمر ليس سهلاً، وقد نجح الإعداد المسرحى فى تقديم الحكاية والشخصيات من خلال مجموعة من المشاهد بين الماضى والحاضر، وفى أحيان كثيرة المزج بين الأزمنة فى فضاء الحكاية، حيث تنقلت المشاهد بين عدة أزمنة وأحداث سياسية محورية بدأت بالعدوان الثلاثى عام 1956 ثم انتقل إلى المنفى فى 1975 مع ذكريات الطفولة، حيث جاءت المشاهد بين فضاء الجريدة التى يرأس تحريرها سعيد ويعمل معه إبراهيم ومنار وآخرون والتى أبرز من خلالها الإعداد الخلافات السياسية بين الشخصيات، ورد الفعل على الأحداث السياسية منها نكسة 1967، وثمة مشاهد فى المنفى يستحضر خلالها سعيد أسرته فى الجنوب الأم والأب، واستطاع السعيد منسى أن يجمع هذه المتناقضات فى مشهد مسرحى يجسد أحداثاً مركبة فى صورة واحدة من خلال ديكور أقرب إلى التجريد والرمز وإن كان لا يخلو من قطع واقعية صممه محمد طلعت، وساعدت مفردات المنظر المسرحى مع الإضاءة فى التنقل بين الأزمنة وتجسيد هذه الأحداث المبعثرة والشخصيات ومصائرها المثيرة بين القاهرة والمنفى والصعيد ومخيم عين الحلوة فى لبنان، ونجح العرض فى تجسيد الأحداث المتشابكة من خلال مجموعة مشاهد نقلت إلى المشاهد رؤية المؤلف حول نصف قرن من التحولات فى المجتمع المصرى والعربى، مشاهد أيضاً رمزية للأحداث التى من الصعب تجسيدها بكاملها على خشبة المسرح.

 

Katen Doe

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص