موعد على العشاء.. مرثية من «خان» و«الديك» لزمن الإسكندرية الجميل

مدينة الإسكندرية مدينة عجيبة، منذ العصر الرومانى وهى تكافح من أجل أن تبقى أوروبية، وجاء جمال حمدان ليفضح سرها ويقول عنها ما معناها إنها مدينة أوروبية التصقت بمصر،

وهو تشبيه بليغ دال، تجد ظلاله فى خطاب السكندريين، يقولون دائما إن بلدهم أحسن بلد، وإن القاهرة عاصمة البلاد مدينة أقل شأنا من مدينتهم المتحضرة، وكانت الإسكندرية مقصد الشعراء والمبدعين لقضاء أوقات طيبة بعيدا عن صخب القاهرة، ومن سوء حظى أن الإسكندرية عندى مرتبطة بالفشل والحرب النفسية، وفيها شهدت أياما سوداء وعرفت من البشر أسوأهم، ولكنها فى فيلم «موعد على العشاء» و»ميرامار» و»السمان والخريف» حلوة، ناعمة هادئة، وفى هذه المرة أتوقف أمام الإسكندرية التى رآها «محمد خان» و»بشير الديك»، ونجدها مدينة «الطبقة الغنية» التى تكونت فى سنوات ما قبل 23 يوليو، وانهارت مع «الانفتاح الاقتصادى»، فلم تعد مسيطرة، بعد سيطرة الطبقة الجديدة التى تمكنت من المدينة وكل المدن المصرية بالقوة والبلطجة، وهذه الطبقة جاءت بشعارات «الحرية والديمقراطية» وانتهت بالقتل والتشريد وقطع أرزاق من يخرج على السياق، وفى فيلم «موعد على العشاء» نجد المبانى الرائعة القديمة فى شوارع الإسكندرية، ونجد الحوارى الضيقة أيضا، وفى الحالتين هناك طابع مشترك، يربط بين «الحارة» والشارع الواسع، هو طابع المدينة البحرية المتصالحة مع كل الأجناس، القادرة على استيعاب الشيوخ واللصوص والمبدعين والمجرمين فى آن، وفى أحداث الفيلم، انتصرت طبقة «الانفتاح» وممثلها «عزت أبو الروس» القادر على شراء وامتلاك كل شىء بالمال، على طبقة الفنانين المبدعين المحبين للحياة، وهم أبناء الطبقة الفقيرة والمتوسطة، لكن من بين أبناء الطبقة المتوسطة من لحق بطبقة الانفتاح ووافقها على ما تفرضه من ثقافة عنيفة قاسية، وكانت «زوزو ماضى» الأم التى اعتادت الإنفاق هى الجسر الذى قدم «نوال ـ سعاد حسنى» الفنانة الراقية المشاعر إلى «عزت ـ حسين فهمى» مقابل أن تحصل منه على المال، ولم تكتم ـ نوال ـ غيظها وقالتها بصراحة «إنتى بعتينى يا ماما وبتقبضى التمن»، وكان الثمن، مئات الجنيهات تتقاضاها من رجل الأعمال «عزت أبو الروس» وهو مجرد من الإنسانية، لا يعرف غير التملك والسيطرة، خصائصه النفسية التى رسمها السيناريست «بشير الديك» تقول لنا إنه «نرجسى سيكوباتى» يقتل بدم بارد ولا يقبل الهزيمة ولا ينسى الإساءة ولديه سلوك انتقامى، جعله يقتل «شكرى ـ أحمد زكى» لأنه أحب مطلقته، وحاول أن يبدأ معها حياة جديدة، وهنا نقول إن القصة التى كتبها «محمد خان» مخرج الفيلم والسيناريو الذى كتبه بشير الديك، يقدمان صورة لزمن الإسكندرية الجميل وهو فى حالة هزيمة، وظهر هذا فى الصور والمشاهد، المبانى القديمة متهالكة، والسيارات التى يستخدمها أبناء الطبقة المتوسطة متهالكة أيضا، و»الفلوس» هى الحاكم المسيطر المتحكم فى المصائر، وكانت النهاية السوداوية، الموت الشامل، القتل على المائدة، سم الفئران الذى وضعته «نوال» فى طبق «المسقعة» كان الحل الذى فرضته القسوة عليها فقتلت «عزت» مطلقها السفاح وقتلت نفسها معه، بعد أن قتل حبيبها «شكرى» وقطع الطريق عليها ومنعها من إقامة حياة تحبها وتحلم بها، نهاية قاسية لكنها منطقية..

على الكسار.. سروجى وطباخ ينافس فرق عمــاد الدين!

الفنان على الكسار كان صنايعى «سروجى» يصنع سروج الخيل ولا يركب ظهورها، وهى مهنة والده «خليل سالم»، ولما اكتشف أنه لم يخلق لهذه المهنة، لحق بمهنة «الطبخ» وهى مهنة أخواله، وأصبح طباخا يقضى حياته فى مطابخ السرايات والقصور والعمارات الفخيمة، وهجر اسم والده «خليل» وانتسب لخاله «الكسار» وأصبح «على الكسار»، وعاش فى حى السيدة زينب، وكون فرقة تمثيل فى وقت مبكر من القرن العشرين، ولم تكن هناك معاهد للتمثيل أو أكاديميات، تلقن الطلبة فن التقمص، لكن خبرة الحياة والفطرة والقبول جعلت «على الكسار» رائدا من رواد فن التمثيل، وكان رحمه الله شعبى الروح، يعبر عن الحياة المصرية فى الأحياء الفقيرة التى كانت تسمى «الأحياء الوطنية» لأنها مساكن المصريين الصنايعية، وهى تختلف عن الأحياء الإفرنجية التى تعيش فيها طبقة الباشوات والأجانب من مختلف الجنسيات، وكذلك كان الفن والتمثيل، كان شارع عماد الدين فى قلب «القاهرة» هو حى الفن الراقى والصالات والكباريهات الفخيمة التى يرتادها القادرون والمتعلمون، وكان «روض الفرج» للطبقات الفقيرة، وكانت فرق «روض الفرج» تقدم المسرحيات التى تقدمها فرق عماد الدين لكن برؤية شعبية وإمكانات بسيطة، وكان «على الكسار» هو الفنان الشعبى العملاق فى «روض الفرج» وكان «نجيب الريحانى» هو المسيطر على جمهور عماد الدين، والفارق الثقافى بين «على الكسار» و»نجيب الريحانى» هو نفس الفارق بين «روض الفرج» و»عماد الدين»، على الكسار لم يكن سوى «سروجى وطباخ» لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وكان نجيب محفوظ موظفا بالبكالوريا ويجيد اللغة الفرنسية ووالده تاجر خيول عراقى متمصر، ومن يراجع أفلام «سلفنى تلاته جنيه، ألف ليلة وليلة، على بابا والأربعين حرامى» سوف يجد فيها روح الشعب المصرى المكافح الشقيان، والنموذج الذى قدمه «الكسار» هو المواطن «عثمان عبد الباسط» النوبى الذى يخوض الحروب اليومية ويدفع ثمن سذاجته ونقص خبراته، والكوميديا التى فى هذه الأفلام مصرية أصلية يضحك لها الشعبيون ويبدعها الشعبيون أيضا، لهذا كان ـ الكسار ـ منافسا خطيرا لخصمه الفنى «نجيب الريحانى» الذى كان يقوم بتحويل نصوص مسرحية «شعبية» «فرنسية» إلى مسرحيات «متمصرة» وهذا لا يقلل من موهبة «الريحانى» ولكن الفارق بينه وبين «الكسار» يكمن فى «الموضوع»، موضوع مسرحيات الكسار شعبى أصلى وكذلك أفلامه، وموضوع مسرحيات نجيب الريحانى ـ وهى ذاتها تحولت إلى أفلام ـ قادم من شريحة اجتماعية مثقفة «أفندياتى» أرقى وعيا لأنها «فرنساوية» ترتدى القميص والبدلة الكاملة، وكان حظ «الريحانى» أوفر من حظ «الكسار» فى البداية والنهاية، بداية الريحانى ونهايته أفضل من بداية الكسار ونهايته لكنهما قدما الفن بصدق فعاشا فى قلوب الناس..

زهرة العلا.. الجمال الهادئ والأخلاق العالية والتمثيل الراقى

لو شاهدتها فى فيلم «موعد غرام» وهى تؤدى دور صديقة البطلة «فاتن حمامة» سوف تبهرك برقى أدائها وبساطتها وجمالها الهادئ، وكذلك فى فيلم «فى بيتنا رجل» كانت مقنعة وهى تقوم بعملية تطييب خاطر لخطيبها السمج ابن عمها «عبد الحميد»، كانت موفقة ـ زهرة العلا ـ فى جعل مساحة «الدور الثانى» مقاربة لمساحة دور البطلة، كانت تلفت الأنظار بالاختلاف، ولما كبرت ونضجت أصبحت رائعة الحضور وهى تقدم دور الأم المنتمية للطبقة الراقية «القديمة»، ومن شاهد فيلم «أنا لا أكذب ولكنى أتجمل» يتذكر أداءها دور زوجة «صلاح ذو الفقار» الأستاذ الجامعى، باختصار يمكن القول إنها فى الثمانينيات من القرن الماضى قدمت دور «الست الهانم» وهو دور اجتماعى ثقافى نشأ عن ارتباط اقتصادى ثقافى ـ عبر الزواج ـ بين أعيان الريف وطبقة الأتراك الحكام والشركس، وكانت طبقة «الهوانم» تقضى شهور الصيف فى تركيا وأوروبا وتزور»العزب والأطيان» فى الشتاء لتنعم بجو الريف الهادئ، و»زهرة العلا» فنانة سكندرية المولد «10 يونيو 1934»، عاشت فى المحلة الكبرى والقاهرة وحصلت على دبلوم معهد الفنون المسرحية وتتلمذت على أيدى «يوسف وهبى» وقدمت مائة وعشرين فيلما سينمائيا وخمسين مسلسلا تليفزيونيا، وتوفيت عن عمر ناهز التاسعة والسبعين عاما، وقضت حياتها فى الوسط الفنى محبوبة محمية بأخلاقها الرفيعة العالية وتميزها الإبداعى، وكانت الأم والزوجة، وكان زواجها من المخرج «حسن الصيفى» ناجحا ومنه أنجبت «منال الصيفى، وعمرو الصيفى» رحمها الله..

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص