العودة إلى استلهام التراث العربــى فى المسرح من «باب عشق»

ما الذى جعل هذه الأبيات التى لم يتفق مؤرخو الأدب على صاحبها تثير كل هذا الجدل على مدى قرون عديدة؟.. قصيدة من المفترض أنها تصف وصفاً دقيقاً ومثيراً جسم فتاة اسمها «دعد» من رأسها حتى أخمص قدميها، تصف وتجسّد ما هو ظاهر وما هو خفى من أعضائها..

 والمثير أن كاتب القصيدة لم يلتق بالمرأة التى هى موضوع القصيدة، لم يرها رأى العين، لكنه وصفها وأبدع فى وصفها من مخيلته وكأنه نحات قدم أجمل امرأة فى العالم من خلال الكلمات.. نحت تمثالاً من مخيلته لكن هو يعلم أن الأصل موجود فى مكان ما وفقا للحكاية!

رغم أن البعض نسب القصيدة المعروفة باليتيمة لدوقلة المنبجى، وبعضهم لغيره من شعراء ذوى أسماء معروفة، فإننى أميل إلى أنها قصيدة يتيمة ومجهولة النسب، وأنحاز إلى ما قاله «المبرد» من أن القصيدة لا يُعرف اسم صاحبها.. ودوقلة المنسوبة إليه من منبج، والقصيدة تشير إلى أن قائلها من تهامة، وهو سبب منطقى، وما يجعلنى أيضاً أنحاز إلى هذا الرأى أن العرب كانت تكتب هذا النوع من الشعر، أى الغزل الصريح، خفية.. يكتبه البعض فيثير المشاكل والمعارك، لدرجة أن طه حسين فى مقالاته حول شعراء الغزل والتى وردت فى كتابه «حديث الأربعاء» شكك فى وجود قيس بن الملوح صاحب ليلى، وقال إن البعض كتبوا هذا الشعر ونسبوه إلى شخصية قيس، فالغزل الصريح كان محرّما بنسبة كبيرة، واليتيمة ليس فقط غزلا صريحا بل فاضحاً!.. قصيدة وأسطورة، أى قصيدة حيكت حولها أسطورة، ويبدو أن عقل الجماعة اخترع الحكاية حول القصيدة التى قتلت صاحبه، القصيدة التى وصف الشاعر فيها امراة لا يعرفها، بل ورأى البعض أن الأبيات التى يصف فيها الشاعر ما خفى من أعضاء دعد مضافة إلى القصيدة الأصلية مثل الأبيات التى يقول فيها «ولها هن راب مجسته، وعر المسالك حشوه وقدٌ/ إذا طعنت طعنت فى لبدٍ، وإذا نزعت يكاد ينسدُ».. نعم الشعر العربى حافل بقصائد الغزل، فكتب النابغة الذبيانى وابن زيدون وقيس بن الملوح وعمر ابن أبى ربيعة وسواهم قصائد عظيمة أفرطوا فى الوصف فيها وتجاوزوا الحدود، لكن الشاعر غالبا كان معروفا والمعشوقة تعرف شاعرها، لكن «اليتيمة» كُتبت فى فتاة لم يرها الشاعر هذا أو ذاك وقتلت صاحبها، فكان من الطبيعى أن تكون أسطورة تبتعد عن الواقع وتتجاوز الحقيقة، وهذا جزء من سر بقائها واستمرارها.

تعددت الروايات حول صاحبة الوصف البديع، فهى أميرة من نجد، وفى رواية أخرى أميرة يمنية، لكن الحكاية لم تختلف، سوى فى نسب الأميرة وشخصية القاتل، الحبكة والشخصيات وترتيب الأحداث باقية، متفق عليها، فمرة القاتل شاعر استشعر أهمية القصيدة وأن صاحبها هو الفائز بالأميرة دعد لا محالة، والثانية أن صاحب القصيدة نزل ضيفا على كبير القوم وحكى له الحكاية فقتله.. وفى كل الروايات استسلم صاحب القصيدة للموت وراح ضحية شعره، راح ضحية القصيدة وضحية عدم خبرته بالشر ونقاء سريرته كشاعر! وأيضاً فى كل الروايات أن «دعد» الأميرة سواء اليمنية أو النجدية هى التى اكتشفت القاتل وصرخت هذا هو قاتل زوجى، ليس فقط من خلال البيت الذى يقول «إن تتهمى فتهامة وطنى/ أو تنجدى فإن الهوى نجد» والشاعر/ القاتل ليس من تهامة كما أخبرهم، بل شعور الأميرة، إحساسها بأن هذا لم يكتب لها بل سرق ما كتب عنها، وظنى أن هذا أجمل موقف، وما أكمل الأسطورة أن شاعرا يكتب فى امرأة لا يعرفها، وذات المرأة تكتشف قاتل هذا الشاعر الذى سرق مشاعره ودليل عشقه، وتنتقم لمن أحبها دون أن يلتقى بها!

أما نص إبراهيم الحسينى الذى وضع له عنوانا «باب عشق» حول هذه القصيدة، فقد اعتمد أيضاً بشكل كبير على نص القصيدة وعلى الأسطورة، أو ما نسجه عقل الجماعة التى رددها الرواة وما توصل إليه المحققون وقام ببعث أبطالها من الكتب إلى الحياة.. الشخصيات الثلاث الشاعر والأميرة والقاتل.. الشخصيات الرئيسية فى الحكاية.. واختار العصر العباسى زمنا لها والعراق مكانا أو فضاء للحكاية.. وضع الأسطورة أو الحكاية المتخيلة فى سياق واقعى بدءاً من طاهر التاجر الذى يرغب فى شراء القصيدة من دوقلة المنبجى وذلك من أجل الاستحواذ على الملك/ السلطة وليس حباً فى دعد، وهارون العبد الذى يرغب فى عتق نفسه والحصول على ألف دينار ثمناً لحريته فيعرض خدماته على التاجر طاهر لسرقة القصيدة من دوقلة الذى يرفض بيعها، وسوف تتطور الشخصية ويحتل العبد دورا بارزا فى الأحداث، فسوف يصحب دوقلة فى رحلته إلى دعد ويكون شاهدا على قتله، ويهرب من القاتل ليذيع السر، وفى لحظات احتضاره يطلب منه أن يثأر لموته غدرا ويفضح السر.. وبالفعل هو من يكشف سر القاتل للقصر الملكى وبالتالى للأميرة، وتكون نهايته مأساوية بقطع لسانه!.. أما طاهر التاجر الذى يرغب فى الاستيلاء على القصيدة منذ اللحظات الأولى فى الحكاية فهو من يصف دعد لدوقلة حتى يكتب عنها!.. إذ يقول دوقلة لطاهر بعد جدل فى السوق والحانة «ما الذى يدفعنى لبيعك ما يمكننى أن أصعد أنا به؟ لذا سأكتب القصيدة لنفسى، وعليك أن تبحث عمن يكتب لك قصيدتك» فمنذ اللحظات الأولى ثمة بُعدٌ جديد لم تطرحه القصيدة أو ينسجه عقل الجماعة أو الرواة فى الأسطورة وهو الصراع من أجل السلطة، الرغبة فى الاستيلاء على السلطة إلى جانب الجمال/ دعد، بل أصبحت الأميرة فى النص هى الطريق إلى العرش، ومن البداية أيضاً الشاعر مطارد من طاهر الذى وصف له دعد! ففى النص الذى بالغ فى واقعيته حتى أصبح الصراع على السلطة جزءاً أساسياً من البنية العميقة للحكاية إلى جانب الحب، بل ومخيلة الشاعر اعتمدت على وصف التاجر الذى همس فى أذن الشاعر بأوصاف دعد، فلم تعد أسطورة نحتها بالكلمات من مخيلته أقرب إلى أسطورة بيجمليون، حيث تحولت من التراجيديا إلى الواقعية، يصرخ دوقلة فى وجه قاتله «سأعيش أكثر منك وسوف تقتلك قصيدتى ولو بعد حين»، وسوف يعيش دوقلة ويشارك فى الأحداث بعد موته من خلال طيفه الذى سيطارد القاتل.

ووضع النص مع هاتين الشخصيتين شخصيات أخرى مثل خازن السر، الوزير السابق الذى يقرأ المستقبل والمحبوس من قبل الملك رخاء الدين والد الأميرة دعد، بالإضافة إلى ثلاثى المؤامرة رجال القصر، القائد جلال، والوزير بكر والسياف، ورغبة جلال فى خطبة الأميرة.. مزيد من التفاصيل التى أضفت مزيدا من الواقعية على الأسطورة الشعرية، خطوط درامية وشخصيات، بل وملامح فى بعض الأحيان غريبة مثل غيلان الجبلى راعى الأغنام والنحات فى وقت الفراغ الذى قتل دوقلة واستولى على قصيدته، يحمل المزيد من الهدايا للملك وابنته دعد، جوارى ومجوهرات، ومن المفترض أنه شاعر لا يملك إلا الشعر.. وكلها ملامح وأفعال نضع أمامها علامات استفهام، مثل القصيدة المكتوبة التى يحملها الشاعر والتى سرقها راعى الأغنام، فلم تكن العرب تحمل مخطوطاتها أو تمشى حاملة القصائد مكتوبة كما نحمل نحن الآن الكتب.. كان الشاعر يحفظ، ويحمل أشعاره فى وجدانه! حتى الأسطورة التى حيكت حول القصيدة جاء فيها أن القاتل حفظ من الشاعر قبل أن يغدر به.. مزيد من التفاصيل التى تحكى وتفسر وتشرح فى حين نص القصيدة سواء أكان ستين بيتا أو أكثر كما جاء فى مخطوطات أخرى كان حضوره ضعيفا من خلال أبيات محدودة فى النص.

فى العرض الذى حمل نفس الاسم للمخرج حسن الوزير، ومن خلال فضاء يوحى بالأجواء العربية، رموز وموتيفات صممها المهندس فادى فوكية، حيث الخلفية من نقوش الأرابيسك العربية، مع بعض قطع الديكور المجردة الأقرب فى تكوينها إلى الأبواب الناقصة، والتى من المفترض أن تكون عمارة المشاهد التى يقدمها العرض فى القصر والسوق والحانة والبادية والسجن وغرف النوم، والفضاءات الأخرى، حيث يتم استخدامها فى تكوينات مختلفة لتوحى بكل هذه الأماكن.. ومن اللحظات الأولى سيشعر المشاهد بأن المخرج قرر أن يلعب الشعر دور البطولة فى العرض الذى يقوم فى بنيته العميقة حول قصيدة شعر «اليتيمة»، حيث يبدأ بمقدمة غنائية كتبها درويش الأسيوطى تحاول تلخيص الحكاية، وسوف تتردد المقطوعات الغنائية فى العرض سواء من شعر درويش الأسيوطى أو بعض الأبيات المنسوبة لدوقلة، سواء من ألحان محمد حسنى أو بدون مصاحبة الموسيقى بصوت دوقلة المنبجى، بالإضافة إلى جوارى الحانة فى العراق أو نجد، بل ودوقلة ينشد جزءا من القصيدة فى الحانة.. ورغم أن الغناء والموسيقى أضفى طابعا جماهيريا وكان من عناصر الجذب فى العرض، ورغم أن درويش الأسيوطى كتب شعرا جيدا ومناسبا للحكاية، بل وحاول الكتابة على نهج اليتيمة والمحافظة على روح القصيدة، إلا أننى أتساءل: ألم يكن الاعتماد على اليتيمة وحده كافيا ولا يخلو من دلالة على قوة القصيدة التى حيكت حولها الحبكة الأساسية للنص وفيما بعد العرض.. فلماذا هذه الطريقة التقليدية؟ وأقصد إدخال الأغانى إلى العرض، وظنى أن حسن الوزير بما له من خبرة ورؤية حاول أن يضفى طابعا جماهيريا على العرض، ففضل أن يكون الغناء بلغة اللحظة الراهنة، بالإضافة إلى أنه اختصر بعض المشاهد وجعل للغناء والاستعراض دورا رئيسيا فى العرض، وكما أفرط الكاتب فى التفاصيل الواقعية فى النص حاول حسن الوزير أن يقدم عرضا جماهيريا اعتمد على الشعر والغناء والموسيقى، وركز فى النص على مسار الشعر والقصيدة مع خط درامى آخر مثير وهو الصراع على السلطة ممن حاولوا الاستيلاء على القصيدة من الشعراء أو من المتشاعرين الذى قدمهم العرض فى صورة ساخرة، فى مشهد برلسكى، أو من داخل القصر، أى الصراع الذى قاده ثلاثة من رجال الحكم، الوزير والقائد والسياف.. محمد صلاح «بكر الوزير» الطامع فى الأميرة، ومحمد جاد «القائد جلال» الذى يمثل صوت العقل والذى كان مفاجأة فى الأداء الذى اختار أن يقدمه بين الجد والهزل، مع السياف راشد «خالد العيسوى» الذى يتطلع أيضاً إلى المجد، فى مملكة ملكها فى طريقه إلى الاحتضار.. كان الصراع على السلطة والدسائس والمؤمرات فى القصر الملكى، وفى السوق والحانة أقوى من حضور القصيدة وقصة الحب الأسطورى فى أحيان كثيرة!

عرض باب عشق الذى قدمه مسرح الطليعة تجربة مثيرة وثرية للكاتب إبراهيم الحسينى والمخرج حسن الوزير، الأول اقتفى آثار جيل النهضة من كتاب المسرح وحاول البحث فى التراث العربى عن حكاية مثيرة وجاء بشخصيات انحاز من خلالها إلى قيمة الشعر، انحاز إلى لغة الشعر وقدم نصا لا يخلو من روح عربية لعب فيه الشعر دور البطولة، وهذا ليس بقليل وإن كان الصراع على السلطة أو على كرسى العرش أضفى طابعا واقعيا على بناء الحكاية، إلا أن الشعر ظل حاضراً ومؤثراً.. أما حسن الوزير الذى اعتاد تقديم النصوص المثيرة والمهمة بداية من «أرض لا تنبت الزهور» لمحمود دياب، و«طقوس الإشارات والتحولات» للسورى سعد الله ونوس و«اليهودى التائه» ليسرى الجندى، فدائما ما يبحث عن نص مسرحى يقرأ من خلاله أسئلة اللحظة الراهنة، وصولا إلى هذا النص الذى قدمه من خلال رؤيته كمخرج مسرحى صاحب رؤية للواقع والحياة، حذف منه بعض المشاهد واستغنى عن شخصيات، لكنه احتفظ بقيمة الشعر، وقدم رؤيته حول صراع السلطة من خلال عرض مسرحى ربما نختلف مع بعض عناصره لكن لا نختلف على أن مخرجه قدم عرضا مسرحيا يحقق المتعة ويثير الأسئلة، فى مرحلة أصبح فيها الفكر من المحرمات فى المسرح المصرى.

 

Katen Doe

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

فى ذكرى ميلاده  نجيب محفوظ.. روائى فى عصـــر المسرح

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص