«ولا في الأحلام» وعودة مسرح القطـاع الخاص لمغازلة الجمهور

تساءلت في الأسبوع الماضي عن انحياز المصريين للفودفيل كنوع مسرحي يعتمد علي الغناء والموسيقي والاستعراض

مع حبكة بسيطة  تعتمد علي الالتباس أكثر من اعتمادها علي الصراع هذا النوع من المسرح الذي ذاع صيته في المسرح التجاري، وتفاعل معه الجمهور من شرائح وأنماط متباينة، وسوف أتناول نموذج لهذا الإتجاه والذى تم عرضه في مسرح قصر النيل  حيث  كان الجمهور المصري علي موعد مع هذا النوع من المسرح من خلال  عرض «ولا في الأحلام» للمخرج هاني عفيفي، تأليف وموسيقي وإنتاج إبراهيم موريس.

ليضع المخرج الجمهور منذ اللحظات الأولى في فضاء الحكاية من خلال ديكورواقعي هو مزيج من البانر «لوحات مصورة تجسد المكان»، وقطع الأثاث الصغيرة أتاحت له تصوير الواقع المصري في ستينات القرن الماضي، وتوريط المشاهد في هذا الزمن من خلال صورة الحي الشعبي، حيث يسكن الأخوان «برجل وسفرجل» الأول مخترع  يعد دوءًا  سوف يؤثر علي العقل الباطن، ويحقق  الطموحات من خلال الأحلام، فمن المفترض أن من يتناوله وينام يعيش كل ما يتمناه، تتحقق طموحاته وأمنياته في الحلم كأنه عاشها في الواقع، وهذا الاختراع هو قوام الحبكة التى تدور حولها أحداث العرض الذي يتنقل بين مجموعة من المشاهد في فصلين يغلب عليها الطابع الغنائي والمحاكاة الساخرة، مشاهد تعتمد علي الغناء والموسيقي والاستعراض من خلال لغة لا تخلو من التهكم، وتجسد بقوة هذا النوع من المسرح الذي يتناول موضوعات إجتماعية مثيرة حول الخيانة والمال وعلاقات الحب، تقريبًا يخلو من أي بعد نقدى تحليلي للمجتمع، فالعروض  غالباً ما تطرح شخصيات اجتماعية مسطحة تناقش قضايا خاصة تبتعد وتتجنب الأمور في عموميتها، و»برجل وسفرجل» نموذج حي لهذه الشخصيات، يحملان أسماء غريبة سوف تكون مادة جيدة للسخرية، كلاهما يحب، كلاهما تعيس في الحب، فبعد أن ينجح برجل المخترع  في إعداد الدواء  يجربه في سفرجل الذي ينام فتتغير الدنيا، وتتحول الشخصيات وتتبدل طبائعها بل ويتغير الشارع / فضاء الحكاية تتغير الألوان وصورة البيوت، ليغلب عليها اللون الوردى، الخردواتي صابر يتسامح مع كالستيا الخياطة، ويبيع لها بالأجل بعد أن كان يزجرها، السيدة التى في الشرفة بدلًا من الصراخ علي زوجها تهمس برقة ودلال، جميلة الحبيبة المستعصية تتحول وتعامل سفرجل بود وحنان، يذهبان إلي الحديقة، وسوف يشاهد الجمهورعلي خشبة المسرح ما يدور في العقل الباطن لبرجل، وأيضاً يشاهد هذه النزهة في ثلاثة مشاهد بثلاث رؤي مختلفة هي تحولات العرض، مشاهد تجسد بقوة صيغة الفودفيل، تجمع بين الغناء والاستعراض وتقوم علي الالتباس الذي يثير التشويق ويؤدى إلي الضحك، الجميع في الحديقة سعيد وتفيض أساريره بالرضا، الخردواتى وكالتسيا، سيدة الشرفة وزوجها، سفرجل وجميلة .. وثمة امرأة تبكي ومعها طفلتها  تحنو عليها جميلة تمنحها المال، وتعدها بالعمل في اليوم التالى، تترد الكلمات «جوزى الشهر اللي فات في حادثة مات وساب ديون حتى التليفون»، ويفيق سفرجل من الحلم أو هكذا يبدو ! تتغير الحارة، وتعود الصورة إلي القتامة أي إلي الواقع، ويطلب من جميلة الذهاب إلي  نفس الحديقة، يتغير الأداء قليلًا لتبدو جميلة شخصية صارمة، نفس الشخصيات، نفس مفردات المشهد تتغير الألوان، تتغيرالملابس تصبح واقعية، تتوارى لغة الحلم قليلًا وتتحول الشخصيات وتتبدل أفعالها، جميلة تزجرالأرملة وتقسو على ابنتها، تصطدم مع سفرجل، تعامله بفظاظة وتغادر الحديقة، وتغنى الأرملة ومعها الآخرون «سيبك منها ما تستهلكش»، وفي سياق حبكات الفودفيل القائمة علي الصدفة ينسي سفرجل مفتاح بيته، ويلتقى «زهرة» التى تحبه دون أن يلتفت إليها، تقوده الصدفة إلي بيتها يجد صوره تملأ الحوائط، يقع في غرامها يذهبان إلي الحديقة ليتكررالمشهد للمرة الثالثة، وفي الواقع تكرر «زهرة» ما حدث مع «جميلة» في الحلم تكون حنونة ورقيقة مع الأرملة، مشهد يثير الضحك حيث يعرف المشاهد ما لا تعرفه الشخصية، يعرف المفارقة  فعلى سبيل المثال لا تعرف زهرة أن «برجل» عاش هذا الحدث من قبل مرتين في الحلم والواقع مع الجمهور فقط «زهرة»  الغريبة عن المشهد والجمهور يعرف ما لاتعرفه، وهذا ما يثير الضحك عنده، لأنه يعرف أن الشخصية تجهل ما يعرفه !

ولأن هذا النوع من المسرح لا يطرح الأسئلة، ولا يسعى إلي التغيير بل يعيد الأمور إلي نصابها مثل  التصالح بين الأحبة أو عودة الابن لأبيه، وهكذا يتزوج  برجل من زهرة، ويعيش حياة نمطية في مشاهد تتعمد تكرار المفردات، تتعمد النمطية لإثارة الضحك، تتطور دورة الحياة بين الزوجين من الحب والرومانسية إلي البيت والمسئولية وأعباء الحياة، موضوعات تشبه تفاصيل حياة من يشاهدوا هذا العرض في الصالة، حياة يعرفها هؤلاء جيداً ويشاهدونها علي خشبة المسرح في لوحة غنائية لا تخلو من السخرية والمواقف المضحكة، فتنال رضا المشاهد الذي لا يشعر بالغربة أو الغرابة، مشاهد مسلية خاصة إذا كانت متقنة الصنع.

 مسرحية «ولا في الأحلام» نموذج لهذا النوع عرض متقن الصنع يقدم نموذجاً لعروض المسرح الغنائي التى تعتمد صيغة الفودفيل، هذا النوع الذي ذاع صيته في عشرينات القرن الماضي كما ذكرت سلفاً  علي يد رائد الإخراج المسرحي في مصر عزيز عيد مع نجيب الريحاني وبديع خيري، والذي حقق نجاحاً جماهيرياً كبيراً اعتمد علي نصوص عالمية من خلال إعداد قدم حبكات متقنة من خلال تمصير هذه النصوص التى ظلت باقية سنوات طويلة وأعيد إنتاجها مع آخرين شأن معظم أعمال نجيب الريحاني، ففي هذه العروض بالإضافة إلي فخامة مفردات المنظر المسرحي، لعب النص وبناء الحكاية دوراً كبيراً، وهذا ما افتقده عرض «ولا في الأحلام» الذي اكتفي بتقديم فكرة مثيرة قوامها الغناء والموسيقي وبعض المواقف المضحكة دون أن يهتم ببناء الحكاية بتطورالأحداث وبناء الشخصيات وفقاً لقالب الفودفيل ومسرح المنوعات، مما أصاب العرض بالتكرار، وبدت أفعال الشخصيات عشوائية دون مبرر درامى، غير مقنعة، تكرار أصاب المشاهد بالملل، رغم محاولة العرض من خلال مفردات المنظر المسرحي محاكاة زمن الحدث «ستينات القرن العشرين» من خلال اللغة وأيضاً الموسيقي، فقد استلهم إبراهيم موريس إيقاع موسيقي النصف الأول من القرن العشرين، مما وضع المشاهد في زمن الحدث، بالإضافة إلي براعته في كتابة الأغاني التى استعارت كلماتها روح تلك المرحلة، ليقدم العرض مجموعة من المشاهد متقنة الصنع علي مستوى الصورة، بالإضافة إلي الموسيقي وكلمات الأغاني التى استمع إليها الجمهور بشكل مباشر من فريق العرض، وهذا ليس سهلاً فالسواد الأعظم من المسرحيات الغنائية تقدم الأغاني مسجلة للجمهور، وظنى أنه من مزايا عرض «ولا في الأحلام» الغناء الحى الذي استمع إليه الجمهور وتفاعل معه طيلة زمن الحدث، والذي كان من أهم عناصر الجذب والتشويق، الغناء الذي هو جزء أساسي من وجدان المصريين، ويحتل مساحة كبيرة في الذائقة العربية قديمها وحديثها، وهذا ما أدركه رواد المسرح الأوائل مارون نقاش وأبو خليل القباني ويعقوب صنوع، وعلي الرغم من المدارس والاتجاهات الحديثة والمعاصرة التى مرت علي المسرح المصري على مدى أكثر من قرن ونصف القرن، إلا أن المسرح الغنائي بكل تجلياته وأشكاله عبر العصور ظل الأقرب إلي الوجدان، خاصة إذا كان ذات طابع كوميدى   !

مر علي الجمهور المصري العديد من المدارس والاتجاهات المسرحية، ولكن ظل الفودفيل بكل تجلياته بالإضافة إلي أشكال المسرح الشعبي الأقرب إلي الوجدان المصري، وهذا ما يحتاج إلي  دراسة.

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

عمرو سعد يصوّر «إفراج» فى القلعة

يواصل الفنان عمرو سعد تصوير مشاهد مسلسله «إفراج »، وصوّر بعض مشاهد المطاردات فى شوارع القلعة الأسبوع الماضى.

طارق لطفى و «فرصة أخيرة» فى شوارع شبرا

عاد الفنان طارق لطفى لتصوير مشاهد مسلسله «فرصة أخيرة »، الذى ينافس به فى الموسم الرمضانى.

وحدة تصوير ثانية ل «صحاب الأرض»

يواصل صناع مسلسل «صحاب الأرض » تصوير مشاهده فى مدينة الإنتاج الإعلامى.

معتصم النهار يعود لـ«نصيب» بعد رمضان

يعود الفنان اللبنانى معتصم النهار إلى القاهرة بعد عيد الفطر المبارك مباشرة، لاستكمال تصوير مشاهده فى فيلم «نصيب »، الذى...


مقالات

دار كسوة الكعبة
  • السبت، 28 فبراير 2026 09:00 ص
إدارة المفاجأة… حين يصبح الزمن سلاحا
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 02:21 م
منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص
القراصيا في طبق من ذهب
  • الخميس، 26 فبراير 2026 06:00 م
رمضانيات مصرِية .. السر في التفاصيل ..!
  • الخميس، 26 فبراير 2026 03:12 م