شاشة تجسد مشاهد، وصوراً متلاحقة من مآسى الحروب، قتلى وجرحى، بشراً شُوهت أجسادهم، جنود يطلقون
الرصاص على الأسرى، رصاصات تخترق الرأس، صوراً قاسية لمدن تهدمت، فالحياة تتداعى والأرواح لا قيمة لها، الصور سريعة تتوالى وكأن العالم ينهار وحين تختفى الشاشة يشاهد الجمهور مجموعة من البشر أو قُل بقايا بشر فى فضاء مسرحى أقرب إلى المتاهة، درج إلى اليمين واليسار وقد تحول المسرح إلى مستويين من القضبان الحديدية وكأن هؤلاء يعيشون فى زنزانة بعد أن تحول العالم إلى سجن كبير. وذلك من خلال العرض المسرحى «بعد آخر رصاصة» فى مسرح الغد إعداد وإخراج شريف صبحى عن ثلاث روايات للعراقى على الزبيدى «قمامة - جيل رابع - عودة الرجل الذى لم يغب».
على مدى ما يقرب من ساعة ونصف والجمهور يشاهد فى هذا العرض آثار الحرب من خلال ثلاث عائلات تتجول فى هذا الفضاء، لا تتحاور أو تتفاعل بشكل مباشر ولكن تعرض حياتها المأساوية فى صيغة أقرب إلى المونتاج المتوازى، لا أحد منهم يرى الآخر لكن يعيشون نفس المأساة فى فضاء مفتوح بلا حدود أو حواجز، كلاهما يكمل حوار الأخر، العائلات الثلاث تجسد ثلاثة خطوط درامية على مستوى البنية السطحية ولكنها فى البنية العميقة حالة واحدة قوامها شخصيات مشوهة ومأزومة على المستويين الجسدى والروحى.
اختار شريف صبحى شخصيات وأحداثاً تبدو متقاربة، من مسرحية «جيل رابع» شاباً فقد ذراعه يعيش من الأب / الجد العجوز وزوجته وابنته ويستقبل طفله الجديد فى بداية العرض فيحتج الجد على هذه الخطيئة لماذا نقدم للعالم أطفالاً سيعانون ويلات الحروب.. مجنون أخر يقتحم فضاء البيت هكذا يصرخ الجد! والعائلة الثانية ومن «عودة الرجل الذى لم يغب» زوجة ترتدى ثوب الزفاف الأسود، ملامحها جامدة تنكر أنها تعرف الزوج العائد من الحرب الذى تركها سنوات وهى تنتظر وتصرخ حال دخوله: لص، لص، ومن مسرحية «قمامة «نشاهد العائلة الثالثة أم وزوجة يعملان فى البغاء بعد أن غادر الابن الرجل الوحيد إلى الحرب وغاب سنوات ليعود مجرد جسم بل أطراف بلا ساقين يسخران منه، ومع الشخصيات المقبلة من ثلاثة أعمال مختلفة يعيش المشاهد مع حوار يدل على معاناة هذه الشخصيات وأثر الحرب المدمر عليها قدمها العرض والتى كتبها المؤلف العراقى فى تسعينات القرن الماضى كرد فعل على ما أصاب العراق من تأثير الحروب، وكيف تحولت الشوارع إلى ساحات للبكاء والجوع والبيوت صارت أطلالاً تخلو من الطعام بعد أن امتلأت بالألم والبكاء على الموتى، حيث أخذ المخرج عائلة من كل مسرحية تطرح نفس المأساة أو قل أنها تجسد مأساة هذا الشعب!
منذ اللحظات الأولى وبعد بث الشريط السينمائى يعيش الجمهور فى هذه المأساة يعود إلى حقبة التسعينات لينقل صوراً لآثار الحرب، والوصف السابق كان للمشهد الأول الذى قدم الخطوط الدرامية الثلاث والتى سوف تستمر حتى نهاية العرض متشابكة ومتداخلة ولكن كل عائلة فى طريقها، تتصاعد الأحداث لكنها لا تتطور فالمأساة بكاملها يقدمها العرض فى المشهد الأول، فقط نعرف تفاصيل عن العائلات الثلاثة وشخصياتها التى يعيش الجمهور مع معاناتها من خلال أداء تميز بالعنف والقسوة التى تدل على ما فعلته الحرب فى هذا الشعب من خلال صورة العائلات الثلاث التى يقدمها عرض «قبل آخر رصاصة».
بالطبع لا يمكن إلا أن تحترم رؤية شريف صبحى ومشاعره ناحية عالم حافل بالحروب مزدحم بجثث الموتى والمدن التى تحولت إلى خرائب وأطلال، رغم أن المشاهد يشعر بالملل، بالتكرار، الشخصيات جامدة ورغم الصدمة التى يشعر بها المشاهد، رغم قسوة المفردات التى من المفترض أن يندمج معها المشاهد، النص المكتوب ونص العرض كلاهما استعار زمن الحرب اللحظة التى عاشها هؤلاء منذ تسعينات القرن الماضى، والتى عادت بالشخصيات التى أصابها التشوه الروحى والجسدى إلى عصر ما قبل الحضارة وهو ما جسده العرض من خلال عناصر المشهد المسرحى، الأزياء، الديكور، الأداء التمثيلى، الإضاءة مما خلق إحساساً بزمن بعيد، من خلال الإيقاع الذى أصبح عنصراً أساسياً فى كل هذه العناصر وبالتالى فى البنية العميقة للحكاية، لقد اعتمد المخرج إيقاع النص وعصره وذلك من خلال الصورة البصرية والتشكيلات المكانية التى فرضتها عناصر المشهد المسرحى، وكأن المشاهد عاد إلى زمن الحرب والحقبة التى عاشها الشعب العراقى.
وفى نهاية العرض يعود المخرج بعد أن جعل المشاهد يعانى ويتألم من آثار هذه الحرب إلى الشريط السينمائى الذى يقدم صورة متناقضة، صورة مأمولة، ما يتمناه العرض حيث تعود المدن من الخراب إلى الحياة، والرصاصة التى تنطلق تعود إلى الذخيرة مرة أخيرة، أيضاً، مع صور متلاحقة تؤكد على السلام الذى نأمل أن يسود العالم، مع كلمات يرددها الممثلون من خلال الشريط السينمائى وهم يحلمون بالسلام.
وسوف يختتم المخرج العرض فضاء المسرح العريس يهاجم عروسه، يحتضنها، تحاول الإفلات تمسك بذراعيه ليتساقط فى يدها ذراعان اصطناعيتان!، أما شريف العائد إلى بيته الذى تحول إلى بيت للبغاء فقد استسلم جالساً على كرسيه أمام الباب يدخل أحد الزبائن يرمى له بقطعة خبز، فيشير له بالدخول تستقبله الأم وتوصله إلى الزوجة التى تفترش الأرض فى انتظاره! والعائلة الثالثة نشاهد الشاب الذى أنجب طفلة فى بداية الحكاية وهو يقطع ذراع الطفل ويوزعه على العائلة فى مائدة العشاء.... والسؤال: لماذا كل هذه القسوة؟ نعم هى حقيقة، واقع عاشه الشعب العراقى، وتعيشه شعوب أخرى بل وسوف يعيشه آخرون.. لكن المشاهد شعر بنفور من هذه الأحداث، من المشاهد القاسية، ربما هذا هو ما كان يتطلع إليه المخرج، أن يعيش المشاهد هذا الحدث بكل تجلياته، فى الواقع الذى نشاهده على خشبة المسرح، مع التطلع إلى عالم أفضل من خلال الصورة التى جسدها الشريط السينمائى.
شارك فى العرض «آسر على - إبراهيم الزهيرى - محمد دياب - طارق شرف - مى رضا - وفاء عبده - إيناس المصرى - إيمان مسامح - مريم سعيد» أشعار رشا ضاهر موسيقى وألحان هشام طه وديكور محمد هاشم.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يواصل الفنان عمرو سعد تصوير مشاهد مسلسله «إفراج »، وصوّر بعض مشاهد المطاردات فى شوارع القلعة الأسبوع الماضى.
عاد الفنان طارق لطفى لتصوير مشاهد مسلسله «فرصة أخيرة »، الذى ينافس به فى الموسم الرمضانى.
يواصل صناع مسلسل «صحاب الأرض » تصوير مشاهده فى مدينة الإنتاج الإعلامى.
يعود الفنان اللبنانى معتصم النهار إلى القاهرة بعد عيد الفطر المبارك مباشرة، لاستكمال تصوير مشاهده فى فيلم «نصيب »، الذى...