ورطة جيل الوسـط مع الغنـاء الرمضـانى

فى الوقت الذى كانت فيه أروقة دار الأوبرا تشغى بالموسيقيين استعدادا لقدوم النجم محمد الحلو لإجراء بروفات

 أحدث حفلاته الموسيقية بعد غياب دام شهورا، بسبب انشغاله بإجراء جراحات عاجلة لإصلاح انسدادات مفاجئة فى شرايين وأوردة القدمين.. كان جمهوره على موعد مع حضوره بعد غياب طويل عن السباق الرمضانى بتتر «ضرب نار» بالمشاركة مع حنان ماضى.

غاب محمد الحلو منذ سنوات عن أغانى المسلسلات مثلما غاب زميله على الحجار الذى عاد العام الماضى واحتل مقدمة السباق بأغنيات مسلسل «جزيرة غمام»، لكنه اختفى هذا العام وجاء الحلو ليعيد «حضور جيل الوسط» برفقة زميلهما محمد منير.. إلا أن حضور «الحلو» جاء باهتا، متعبا، ومحيرا لجمهور أحد أهم الأصوات الغنائية فى تاريخ الموسيقى المصرية.

المفارقة التى كانت أشد «ألما» أن الحفل الذى أقامته دار الأوبرا وحمل لافتة كامل العدد واستمر لأكثر من ساعتين بمشاركة الصوت الشاب ريهام عبدالحكيم كان مخصصا للحنين.. تحديدا لإعادة تقديم أجمل ما قدمه محمد الحلو من أغانى المسلسلات، ومعظمها تم عرضه فى الموسم الرمضانى لسنوات طويلة مضفت، فحلت المقارنة بين تلك الأعمال الخالدة «ليالى الحلمية، زيزينيا، أديب، الوسية».. وغيرها.. مع مسلسله الجديد «ضرب نار».. والنتيجة ظالمة بالقطع، والمقارنة غير عادلة على الإطلاق..

«لا مرسى.. لا عنوان/ ولا قلة للعطشان

وتهت بين السما/ والأرض يا إنسان

فيه حاجة جوه عروقى مخفية

لها طعم الملح.. طعم الآه

الحزن م الدنيا سرى فيا

أنا باجرى منه.. واللا باجرى وراه»..

تلك الكلمات لم تكن بداية علاقة محمد الحلو بالغناء الدرامى، لكنها كانت الأبرز فى منتصف ثمانينات القرن الماضى عندما اختطف يحيى العلمى وفريق عمله وفى مقدمتهم نور الشريف جمهور الشاشة العربية أسرى لأحداث وتفاصيل تلك الحكاية المدهشة، وكان أحد أبطالها ذلك الصوت النادر صوت محمد الحلو، وكلمات وأشعار سيد حجاب، وموسيقى عمار الشريعى نجم تلك المرحلة، الذى استخدم صوت الحلو لمرات أخرى متتالية صنعت له تاريخا فى هذه المساحة المدهشة من تاريخ الغناء المصرى فى السينما والتليفزيون، كان من بينها عدد من العلامات «حلم الجنوبى، والرجل والحصان، وزيزينيا»..

«وعمار يا إسكندرية/ يا أصيلة يا أبية

وعد ومكتوب عليا/ ومسطر ع الجبين

واغزل توب المحبة/ بالأيام والسنين»..

وعد عمنا «أحمد فؤاد نجم» لم يكن سوى تكملة لوعد آخر وعهد قطعه محمد الحلو على نفسه مع جمهور الشاشة بعد ذلك النجاح غير المحدود، والتتر أحد أهم وأنضج تجاربنا التليفزيونية «ليالى الحلمية» من ألحان القديس ميشيل المصرى..

«ليه يا زمان/ ماسبتناش أبرياء

وواخدنا ليه فى طريق مامنوش رجوع

أقسى همومنا يفجر السخرية

وأصفى ضحكة تتوه/ فى بحر الدموع»..

السخرية بعينها هى التى تحدث الآن لحظة أن تفرض علينا الأحداث مقارنة ما غناه محمد الحلو فى تلك الأعمال.. وما يغنيه يوميا فى تتر مسلسل «ضرب نار».. من كلمات أمير طعيمة وألحان وتوزيع خالد عز..

«لما الطريق بيضل/ شمس النهار تحمى

ونتحرم م الضل/ نقطع حبال الود

تتبدل الرحمة.. يطرح مكانها الغل».

ولا أعرف ما هى السخرية بين هذا الدخول وبين علاقة عاطفية مقطوعة يتحدث عنها «التتر»، فيما يتحدث المسلسل عن «الثأر» وعن رحلة هارب صعيدى فيه يقع فى ورطة فيدخل السجن بعد مشاركته بالخديعة فى توزيع أدوية مغشوشة.. وإذا ما افترضنا أن ما يكتبه أمير طعيمة هو «تعبير» عن أحد الخطوط الدرامية للمسلسل، وهو علاقة الزوجين «العوضى وياسمين عبدالعزيز».. فما هى علاقة الشمس والطريق والرحمة التى تبدلت إلى غل حسب ما كتبه طعيمة بأدوات المسلسل التى شاهدناها فى اثنتى عشرة حلقة مضت؟!

صوت محمد الحلو يبدو متعبا نعم.. لكنه أيضاً لم يجد نفسه فى «ميلودى» خالد عز «المظلوم» الذى حاول استخدام صوت حنان ماضى بلا مبرر، فلا وجود لأى حوار فى هذا التتر يستدعى وجود صوتين.. إلا إذا كان يقصد ذلك الحوار المتخيل والذى لم يكتبه أمير طعيمة معبرا عن «ياسمين والعوضى»، إضافة إلى غياب صوت حنان ماضى تماما بسبب أخطاء واضحة جدا فى عملية الميكساج.

نهاية الأمر يكفيك أن تشير إلى أن الأغنية الترويجية للمسلسل كانت بصوت «أحمد شيبة»، لتكشف لنا أن التتر الأصلى لم يكن كافيا ليصبح مادة دعائية مناسبة.

 ذنب مدحت صالح فى رقبة قمر

مدحت صالح.. أحد أهم أصوات الغناء المصرى لا شك، ورغم أنه «زمنيا» ليس من أبناء جيل الوسط فإنه ولأسباب كثيرة أصبح واحدا منهم.. مثلما أصبح واحدا من أهم مطربى المسلسلات عبر حلة طويلة بدأت منذ سنوات، وسمحت حنجرة مدحت صالح المرنة والمساحات غير المحدودة لموهبته وقدراته الصوتية أن تستوعب أشكالا مختلفة من ذلك الغناء الدرامى، بدأت مع فاروق الشرنوبى والمخرج عادل صادق فى تسعينات القرن الماضى مع مسلسل «لؤلؤ وأصداف»، الذى أدى نجاح أغنياته إلى توثيقها وطرحها فى «شريط كاسيت» حقق نجاحا موازيا.. واستمرت الرحلة مع عمار الشريعى ومحمود طلعت وغيرهما من نجوم التلحين حتى وصلنا إلى أبناء الجيل الجديد الذين نجح معهم مدحت صالح بشكل لافت، مثلما نجح مع عمر خيرت فى السينما.

لا يمكن تصنيف صوت مدحت أو حصره فى مساحة ضيقة.. وهذه الميزة سمحت لوليد سعد أحد نجوم التلحين فى بلادنا، وأحد المميزين من الجيل التالى للرواد فى عالم الدراما، أن يوظف تلك الإمكانيات بطرق مختلفة فى لحن عذب ومرن ومبهج جدا فى مسلسل «حضرة العمدة» الذى كتبه إبراهيم عيسى، والذى يتناول فيه قضايا مختلفة من بينها «الميراث، حقوق المرأة، الختان» وغيرها من قضايا، فى شكل يبدو «كوميديا» لكنه ليس كذلك، ولا يمكنه التعامل معه بجدية أيضاً، فالسيناريو والحوار نفسه لم يسمحا لنا بأن نأخذه على محمل الجد.. فعلى سبيل المثال قضية «الميراث» فى مصر تختلف فيما بين «الصعيد» و«بحرى»، ذلك أن الصعيد قضيته الأساسية الأرض.. وليس الميراث.. وهذا ما لم يفهمه إبراهيم عيسى وشركاء تجربته.. فبدا الأمر مشوشا.

ذلك التشويش فى الأفكار التى يطرح المسلسل «نتفا» منها بشكل غير متماسك دفعت أيمن بهجب قمر إلى القفز بأغنيته للمسلسل إلى مساحة أخرى لا علاقة لها لا بقضايا «تمكين المرأة» ولا «الختان» ولا «الميراث» التى تتحدث عنها الدراما.. وراح يكتب عن قضية موازية وهى قضية «الفتى والهرى»، وتصدر الكثيرين للمشهد الذى لا يدركونه.. فكانت ورطة مدحت صالح بغناء لحن جميل وكلمات جميلة من مفردات أيمن قمر المعتادة والجريئة والمأخوذة طازة من مفردات الشارع لمسايرته، أو هكذا يبدو الأمر، لكنها لا تعبر على الإطلاق عن الدراما التى تحتويها..

«الكلام ده عايز أقوله/ واللى يزعل يتفلق

همنا بتزيد حموله/ كل ما الواحد قلق

أى خير بالصبر ييحى/ مش زرار دوس يتدلق

اللى يهرى يهرى.. واللى يفتى يفتى

بس بكرة هتبقى فل / على حسب معرفتى».

أغنية متفائلة ورائقة جدا، تعبيرا عن تجربة أخرى أو مشروع آخر لا علاقة له بحضرة العمدة، واللى يزعل يتفلق.. تلك المصادرة على الرأى معنى لا أعتقد أن مدحت صالح وصناع تجربته يقصدونه على الإطلاق خاصة أن كاتب المسلسل الذى يغنونه هو أحد دعاة «حرية الرأى».

ورطة مدحت صالح ومحمد الحلو فى أغنيتى مسلسليهما لا تخرجهما من السباق الرمضانى قطعا.. لكنها تنير أمامهما علامات «الخطر».

Katen Doe

محمد العسيري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

تير

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص