تحكى: ذهبت إليه وأنا طالبة بمعهد الموسيقى فضمنى إلى فرقة رضا وتعترف: كانت «رُكبى» تتخبط ببعضها إذا نظر إلىّ أثناء العزف
رغم انشغاله الشديد، ووقته الضيق الذى لا يجد فيه متسعا حتى للذهاب إلى الحلاق، فإنه لم يمانع أن يعطى موعدا سريعا لتلك الطالبة التى طلبت أن تقابله لدقائق قبل موعد بروفاته بمسرح البالون، فبمجرد أن ذكرت له أن اسمها "شجون" وأنها طالبة بمعهد الموسيقى العربية، فإنه لم يتردد فى الموافقة، فهى تحمل نفس اسم ابنته "شجون" طفلته المدللة ونقطة ضعفه وساكنة قلبه، ثم إنها تدرس الموسيقى العربية.. عشقه الكبير.
وفى المسرح وجد الموسيقار الكبير على إسماعيل نفسه أمام طالبة موهوبة، طموحة، جسورة، تعزف على آلة موسيقية صعبة يهرب منها حتى أمّهر العازفين الرجال.. الكونترباص، وتطلب أن يضمها إلى فرقته وتبدى استعدادها لأن تخضع للاختبار.
يومها كان على إسماعيل ملء السمع والبصر، ملحنا وموزعا ومؤلفا موسيقيا وقائدا للفرقة الموسيقية الخاصة بفرقة رضا، وكانت فرقته من أبرز وأكبر الفرق فى الساحة، وتضم أشهر وأمّهر العازفين فى مصر، بينهم مثلا فؤاد عباس أو"عظمة" عازف الكونترباص الشهير الذى كانت أم كلثوم تستعيره من على إسماعيل، وزميله "عبد الحكم" الذى كان بشهادة الجميع فلتة من فلتات العزف على هذه الآلة الجبارة، فإلى أمثال هؤلاء "الأسطوات" جاءت الطالبة شجون محمود صبحى لتنضم وتعزف وتنافس.
لم يُلق على إسماعيل بالا لكل ما سبق، فكل ما كان يهمه أن تكون موهوبة، الموهبة وحدها هى المقياس والمعيار وأساس الاختيار، وأجرى لها "المايسترو" اختبارا شاقا وصعبا اجتازته الطالبة الصغيرة بمهارة وشطارة، وبكل بساطة وافق على انضمامها للفرقة لتكون أول عازفة كونترباص فى فرقة رضا وربما على مستوى كل الفرق الموسيقية فى مصر.
لم يكن فى الفرقة يومها سوى عازفة وحيدة اسمها "لوسى"، كانت تعزف على "الكمنجة"، وهى آلة تتفق مع أنوثة المرأة ورقتها وطبيعتها، ولكن هذه العازفة الصغيرة الجديدة جاءت لتكسر كل الأعراف، وتعزف على آلة الكونترباص بكل ضخامتها وصعوبتها وحدتها وجبروتها.
نحن إذن إمام حالة متفردة تستحق أن نقف عندها ونتأمل تجربتها ونستمع إلى قصتها بكل ما فيها من معان جميلة ونبيلة ما أحوجنا إليها الآن فى زمن اختلطت فيه المعايير واختلت.
(1)
تحكى لى شجون محمود صبحى أول عازفة كونترباص وتلميذة بيتهوفن مصر الموسيقار على إسماعيل:
من صغرى وأنا أعشق الموسيقى، أصبحت هى كل حياتى، ولأن والدى كان يدرك حبى للمزيكا وتعلقى بها فإنه لم يمانع فى دخولى معهد الموسيقى العربية لأدرسها دراسة أكاديمية.. ولأننى أحب البيانو كانت نيتى معقودة على أن أتخصص فيه، لكن أستاذى فى المعهد اختار لى الكونترباص، كنت أقول له إنها آلة صعبة وثقيلة وعايزه قوة ولا تناسب عازفة لكنه كان مصرا عليها ويقول لى محاولا إقناعى: يعنى هم اللى اتخصصوا فى الكمنجة عملوا إيه؟!
وفى أثناء دراستى فى المعهد قررت الاتصال بالموسيقار على إسماعيل وبأن أعمل تحت قيادته.. كنت قبلها من أشد المعجبين بعلى إسماعيل، ومنبهرة بما يقدمه من ألحان وتوزيعات ونجاحات مع فرقة رضا، وفاكره مرة وأنا صغيرة حضرت حفلة كان يقود فيها الفرقة الموسيقية ويغنى فيها عبد الحليم حافظ أغنية من توزيعه.. كانت تحفة.
بهذا الإعجاب والتقدير اتصلت به، وتحدد لى موعد معه فى مسرح البالون حيث كانت فرقة رضا تؤدى عروضها، وجلس معى وأجرى لى اختبارا شفويا فى المزيكا وعمليا فى الكونترباص، وفوجئت به يوافق على انضمامى للفرقة الموسيقية، ويطلب منى المشاركة فى حفلاتها، والمؤكد أنه ما كان ليفعل ذلك على سبيل المجاملة، فعلى إسماعيل ليس من النوع الذى يمكن أن يجامل فى الموسيقى بالذات تحت أى ظرف، واعتبرت موافقته شهادة على موهبتى ونجاحى.. وبذلك كنت أصغر عازفة فى الفرقة، ولأننى كنت طالبة ولا يجوز تعيينى رسميا فقد تقرر أن يكون عملى بالعقد السنوى.
كان على إسماعيل يقوم بكتابة النوت الموسيقية بنفسه، وكانت توزيعاته مبهرة، كل آلة لها دورها ومكانها ومذاقها الخاص، ولما كنت أقرأ النوتة التى يكتبها فإننى أعزف بسهولة واستمتاع، ولكنه رغم بساطته وإنسانيته كان شخصية مهيبة، لدرجة أنه عندما كان ينظر إلى الكونترباص أثناء العزف كانت "رُكبى" تتخبط فى بعضها من شدة الخوف وخشية أن أكون قد أرتكبت خطأ ما، مع أن نظرته ربما تعنى العكس وتدل على تقديره لعزفى، ولكنى من فرط محبتى له وخوفى منه لم أكن لأحتمل مجرد نظرته مهما كانت.
موعد البروفة والعمل تحت قيادته كانت أسعد أوقاتى، وأستطيع أن أقول بلا مبالغة إننى تعلمت من على إسماعيل أكثر مما تعلمت فى معهد الموسيقى.
(2)
فى موسيقى على إسماعيل تجد روح مصر فى تلقائيتها وبساطتها ورشاقتها وبهجتها وشجنها.
أنا أقل من أن أقيم موسيقى على إسماعيل، ولكنى كدارسة للموسيقى ومتذوقة وعارفة بفضله أقول إن توزيعاته تستحق أن تُدرس بما تحويه من تفرد وعبقرية، يعنى مثلا شوف توزيعه لأغنية مثل "خايف مرة أحب" التى غناها عبد الحليم حافظ.. شوف استخدامه للآلات الموسيقية وتوظيفها لإبراز المعانى الموجودة فى الكلمات والحالة العاطفية.. شىء عبقرى.
وفى شغله مع فرقة رضا، إيه الإبداع ده، يعنى مثلا أنا يعجبنى بشكل خاص لحن وموسيقى رقصة "يا وردة بلدى"، وكنت أستمتع لما أشارك فى عزفها مع الكونترباص.. وكان يبهرنى استخدامه للناى بكل ما فيه من شجن يدخل القلب بلا استئذان.
لم أكن وحدى المنبهرة، كثيرون كان يصيبهم الحال ذاته، ربما كان أولهم صديقه الفنان الكبير محمود رضا، كنت شاهدة على تقدير الأستاذ محمود غير المحدود للأستاذ على، كان يعرف قيمته ويؤمن بعبقريته، ولم أستغرب عندما عمل رقصة على أغنية "رايحين شايلين فى ايدنا سلاح" رغم صعوبتها وجديتها كأغنية وطنية حماسية.. ولم أستغرب كذلك من حالة الحزن الطاغى التى عاشها محمود رضا بعد رحيل على إسماعيل المفاجئ، كان الأمر بالنسبة له صدمة مروعة لم يستطع أن يستوعبها فى البداية، وكان مدركا لحجم الخسارة وفداحتها.. وفاكره أنه حاول الاستعانة بملحنين وموزعين علشان الدنيا تمشى والفرقة ترجع تشتغل، لكن ثبت أن على إسماعيل لا يمكن تعويضه.
(3)
عملت إلى جواره وتحت قيادته سنوات طويلة، منذ أن كنت طالبة فى معهد الموسيقى إلى أن رحل فجأة وهو فى قمة عطائه.
كان يعمل بشكل دائم وبلا انقطاع، لا يمكن أن تجده إلا مشغولا بلحن جديد أو توزيع غنوة جديدة أو عمل جديد لفرقة رضا.
نكسة 1967 كانت حدثا فارقا فى حياته، وأذكر أنه كان يغمى عليه أحيانا من فرط تأثره بالأحداث وبالأعمال الوطنية، وكان أسعد الناس بنصر أكتوبر وكأنه انتصار شخصى له.. ولا يمكن أن ننسى ما قدمه من أعمال محفورة فى الوجدان مثل "أنا أم البطل" التى كتبتها زوجته وشريكة رحلته الشاعرة نبيلة قنديل.
وبعيدا عن الشغل وضغوطه كان على إسماعيل شخصية مرحة وخفيفة الدم، وكان إنسانا فى منتهى النُبل والطيبة، يعنى أذكر أن فرقة رضا كانت مرتبطة ببرنامج عروض خارج مصر، ولأننى كنت صغيرة وعندى دراسة فى المعهد وظروفى لا تتحمل السفر خارج مصر، فإنه تفهم هذه الظروف ولم يكن يضغط علىّ فى موضوع السفر، كنت لا أمانع فى السفر مع الفرقة فى جولاتها بالمحافظات، سافرت معهم إلى الإسكندرية وأسيوط وغيرهما من محافظات مصر، لكن خارجها كان يتفهم ظروفى ويعفينى من السفر معهم للخارج.
ولذلك كنت أتعامل معه على أنه أب، وكانت تربطنى به وبأسرته علاقة إنسانية وعائلية، وكانت زوجته فى منتهى الكرم والجدعنة.
ولأننى كنت أصغر العازفين فى الفرقة، وأول عازفة كونترباص فإن قادة الفرقة كانوا يحتضنوننى ويحبوننى ويشجعوننى، خاصة الأستاذين على ومحمود رضا، وربما كان من أسباب تلك المحبة والدعم ما كانوا يرونه من رعاية الأستاذ على إسماعيل لى وتشجيعه الدائم.
لكن رغم هذا التشجيع والدعم لم أجرؤ على أن أصارح الأستاذ على بأن لى تجارب فى التلحين، ربما لم أجد فرصة مناسبة، وربما خفت ولم أجرؤ، فكيف ألحن فى وجود على إسماعيل؟!
وأعلنت عن موهبتى فى التلحين بعد رحيله، عملت حاجات لعروض خاصة بوزارة التعليم، أغلبها ألحان للأطفال ونلت عنها جوائز وحظيت بالنجاح والتقدير، ومازال عندى حلم بأن أقدم ألبوما كاملا للأطفال.
(4)
رحيل على إسماعيل كان مذهلا كألحانه وتوزيعاته ومزيكته.. مات على خشبة المسرح وهو يجهز لعرض جديد.. مال برأسه فظنوا أنها مجرد إغماءة من فرط الإجهاد، وطلبوا له الطبيب ولكن قدر الله كان الأسبق والنافذ.
عن نفسى كان رحيلة صدمة كبيرة لى، فهو الأستاذ والأب، الذى كنت قبله أحب الموسيقى، ولما قابلته وعملت معه وتعلمت منه، أصبحت بسببه أعشق المزيكا.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.
توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.
بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...
فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...