بيتهوفن مصر ..الذى مات حبًا فـى المزيكا

احتفال خاص بمئوية على إسماعيل

فى صباح يوم الأثنين 16 يونيو  1974 استيقظ الموسيقار على إسماعيل فى سريره بحجرته فى فيلته بحى الدقي، وهو فى غاية الإجهاد بعد

 سهرة طويلة قضاها فى تجهيز موسيقى وأغانى مسرحيته الجديدة "كباريه"، بطولة نيللى وعمر خورشيد وكان مخرجها حسين كمال ومنتجها سمير خفاجى قد أصرا على أن يجريا بروفة جنرال للمسرحية فى ذلك اليوم ليطمئا على العرض قبل أن يطير على إسماعيل إلى موسكو بعد غد الأربعاء ..

لم تكن موسيقى وأغانى المسرحية الجديدة هى ما يشغل بال على إسماعيل فى ذلك الصباح الصيفى عالى الرطوبة،  فلم يملك أن يمنع ابتسامته وهو يتخيل صديقه حسين كمال يقف فى انتظاره على باب المسرح ليسأله بطريقته المسرحية المحببة:

- فين مزيكة وأغانى فيلم " مولد يا دنيا " يا على ؟..فين مزيكة وأغانى فيلم "لا شيء يهم " يا على ؟!

وكان حسين كمال يثق فى دماغ على إسماعيل وموهبته وجنونه فيكون هو اختياره الأول – موسيقيًا – فى كل فيلم سينمائى أو عمل مسرحى يتولى إخراجه ..

 (1)    

وبسبب حسين كمال وصداقته وثقته قضى على إسماعيل طيلة الأيام الماضية فى عمل متواصل، فهو لا يقدر على زعل حسين كمال، ولذلك أنجز موسيقى وأغانى مسرحيته "كباريه"، كما أنجز موسيقى "لا شيء يهم" الذى يقوم ببطولته نور الشريف وزبيدة ثروت (تأليف إحسان عبد القدوس)، وبضغط الوقت لم يتمكن سوى من إنجاز المقدمة الموسيقية لفيلم "مولد يا دنيا" الذى تقوم ببطولته المطربة الجديدة التى اكتشفها صديقه بليغ حمدى ..عفاف راضي، وسيعد حسين كمال أن يتم باقى المزيكا أثناء رحلته الطويلة التى يجهز لها وستستمر لنحو شهر خارج مصر، على أن يسلمها له فور عودته، وإلى أن يكون حسين كمال قد أتم تصوير المشاهد المتبقية من الفيلم.

كان من المفروض أن يكون على إسماعيل برفقة "فرقة رضا" كما اعتاد فى كل سفرياتها الخارجية، فهو مايسترو الفرقة وملحنها وموزعها، وأحد مؤسسيها، وصاحب نصيب وافر فى نجاحها، ولم يسبق له أن تخلف عن سفرية أو حفل للفرقة منذ حفلها الأول فى 6 أغسطس 1959، ولكنه هذه المرة ستسافر الفرقة بدونه لأنه مضطر للسفر بمفرده إلى موسكو لتسلم الجائزة الموسيقية العالمية التى فاز بها وحضور حفل تكريمه، ومن موسكو سيطير ليلحق بالفرقة أثناء جولتها الخارجية التى تبدأ بالسودان وتنتهى فى أسبانيا ..وكان قد أجرى قبلها البروفات الكافية مع الفرقة وجهز النوت الموسيقية وبرنامج كل حفل من حفلات الرحلة التى تشمل الكونغو وساحل العاج والسنغال ..

كان السيناريو إذن واضحًا فى ذهن على إسماعيل والخطة محكمة وجاهزة، سيذهب إلى مسرح المتحدين ليجرى البروفة الجنرال على موسيقى وألحان "كباريه"، وسيسلم لحسين كمال عدد 2 ريل عليها ما أنجزه من موسيقى الفيلمين، وسيرتاح قليلا بعد البروفة فى مكتب سمير خفاجي، ثم يعود إلى بيته ليجهز حقيبته الضخمة التى طالما رافقته فى سفرياته الطويلة مع الفرقة والتى وصلت مرة إلى 6 شهور متواصلة فى القارة الآسيوية ودولها ومدنها .. ليركب الطائرة المتجهة إلى موسكو صباح الأربعاء ..

وسار السيناريو كما خطط ودبر، وكانت البروفة على أحسن ما يكون ونالت مزيكته رضا الجميع وإعجابهم كالعادة، وهو ما تجلى فى الضحكات العالية والافيهات المبهجة التى تعالت فى مكتب سمير خفاجي، حيث تجمع نجوم العرض: نيللى وعمر خورشيد وعبد المنعم إبراهيم ..

وكما توقع دخل بعدها فى مفاوضات شاقة مع صديقه حسين كمال الذى لم يكفه عدد الـ 2 ريل اللذين تسلمهما للتو، وأبدى قلقا عارما على بقية موسيقى "مولد يا دنيا"، ولم يكفه كذلك الوعود التى قطعها على إسماعيل أن يعود من سفريته ومعه "المطلوب"، ولأن حسين كمال كان يعرف القسم الذى لا يُخلف على إسماعيل وعده به، فقد طلب منه أن يردده وراءه:

 - قول وحياة شجون إنك ح تخلص بقية المزيكة فى السفرية وترجع بالنوت جاهزة !

واطمئن حسين كمال وعادت إليه ابتسامته بعد أن ردد على إسماعيل كلماته وأقسم بابنته الوحيد العزيزة شجون ..نقطة ضعفه وفلذة كبده رغم أنه أنجب بجانبها ولديه: مصطفى وحسين ..

لكن كان هناك سيناريو آخر مختلف، لم يخطر على بال على إسماعيل، ولا على خاطر حسين كمال بكل عبقريته وخياله ..

فى وسط هذا الجمع من الأصدقاء، وفى قلب هذا الجو المفعم بالبهجة، وبعد أن أنهى على إسماعيل التزاماته – ولو مؤقتا- فإنه وضع يده على رأسه وأمالها إلى الخلف، وتصور حسين كمال أن صديقه يدبر له واحدا من مقالبه الظريفة التى اعتادها وكان مشهورا بها، فى حين تصور الباقون أنه على إسماعيل راح فى غفوة سريعة من شدة الإرهاق وبعد ما بذله من جهد وسهر، فتبادلوا الهمسات الباسمة حول صديقهم الذى نام وهو جالس بينهم، فلما طالت الغفوة ولم يستجب على إسماعيل لنداءتهم ومداعباتهم، فإن حسين كمال سيطر عليه هاجس المقلب وقال له هامسا:

- بقول لك إيه يا على ..ده مش وقت مقالب وهزار ..الوقت ما يستحملش !

لكن على لم يبد حراكًا، وهو ما دفع حسين أن يهزه برفق بعد أن تسرب إليه القلق، لكن على لم يتحرك ولم يستجب، فأخذ يصيح بصوت عال سرعان ما تحول إلى نداء هستيرى : على ..على ..رد يا على !

والضحكات التى كانت تملأ المكان قبل قليل سرعان ما تحولت إلى صرخات ودموع، بعدما تبين لهم أن قلب صديقهم توقف عن النبض وفارق الحياة ..

صرخات ودموع تجاوزت الحدود إلى منزل السفير المصرى فى السنغال، حيث حلت فرقة رضا ضيوفا على منزل السفير، وبمجرد أن رحب ببطلى الفرقة محمود رضا وفريدة فهمى فإنه أخبرهما بطريقة تقريرية أنه صادف خبرا فى الجرائد التى وصلته من مصر مؤخرا عن وفاة موسيقى يعمل بفرقة رضا، وجرى محمود وفريدة بلهفة إلى الحجرة الموضوع بها الجرائد وراحا يقلبان بها بسرعة وعصبية إلى أن عثرا على الخبر الصدمة : وفاة على إسماعيل، وتسمرا من الذهول وسالت دموعهما فى صمت، فقد كانا يدركان جلل الحدث وعظم المصاب، وحاولا التماسك وإخفاء الخبر عن الفرقة التى كانت ستقدم عرضها بعد ساعات، لكن الخبر تسرب، وكان المشهد مدهشا حين كانت الفرقة تقدم فقراتها المبهجة فى حين تسيل الدموع غزيرة على الوجوه الحزينة ..المصدومة فى رحيل موسيقارها الأعظم .

 (2)

رحل على إسماعيل فى يوم صيفى حار، مع أنه جاء إلى الدنيا فى يوم قارس البرد من شتاء العام 1922، وبالتحديد فى اليوم 28 من ديسمبر حين كان العام يوشك أن يحمل عصاه ويرحل ..ففى هذا اليوم، وفى منزل بحارة شعبية بمنطقة المناصرة بقلب القاهرة كان ميلاد بيتهوفن مصر ..ومن ثم فإننا نكون أمام حدث مهم كان ينبغى أن يكون الاحتفال والاحتفاء به يليق بهذا الطفل الذى غيّر تاريخ الموسيقى فى مصر، واستحق لقب بيتهوفن مصر ..

مئوية ميلاد على إسماعيل على أى حال مناسبة لنستعيد سيرة هذا الموسيقار العملاق، الذى يحمل أهم وأكبر الأرقام القياسية فى تاريخ الموسيقى العربية ..ففى خلال عمره الخاطف الذى لا يزيد على 52 سنة فإن إنجازه الموسيقى المتنوع والغزير والعبقرى يبدو مدهشا وملفتا وعجيبا وغير مسبوق ..وربما ولا ملحوق .

فموسيقاه مثلا تزين 365 فيلمًا من أهم أفلام السينما المصرية..وهو رقم مُعجز بكل المقاييس، خاصة إذا ما دخلنا فى التفصيل والتحليل وأدركنا أننا أمام عدد هائل من أشهر الألحان والتوزيعات والموسيقات التى تخص عددا كبيرا من أيقونات السينما وألمع أفلامها ..يكفيه أن يكون من بينها علامات مثل : الأرض، معبودة الجماهير، الأيدى الناعمة، الشموع السوداء، غرام فى الكرنك، الاختيار، قصر الشوق، بين القصرين، لا تطفئ الشمس، مراتى مدير عام، مولد يا دنيا، العصفور،أبى فوق الشجرة، آه من حواء، زقاق المدق، شفيقة القبطية ..وغيرها كثير ..

وأدركنا كذلك ما أضافه على إسماعيل لتترات الأفلام وموسيقاها التصويرية من ابداع وتطور، وهو ما وقفت عنده بالشرح والتحليل د.رانيا يحيى عازفة الفلوت المبدعة والأستاذ بمعهد النقد الفنى فى كتابها القيم عن على إسماعيل الصادر ضمن مطبوعات مهرجان الإسكندرية السينمائى .. والذى توقفت فيه بتحليل علمى رصين عند نماذج مما قدمه فى أفلام بعينها، فهى تقول مثلا عن مزيكته فى فيلم "مراتى مدير عام" : الفيلم بنيت موسيقاه على فكرتين أساسيتين، الأولى الجملة الغنائية من الوتريات بمصاحبة هارمونية من آلات النفخ وتتسم بطابعها الغربي، الثانية تنبنى على المقطوعة الفلكلورية الأسبانية الشهيرة باستخدام آلات النفخ وآلات الإيقاع ببريقها الصوتى فى أجواء كوميدية؛ وهذا الفيلم واحد من أروع أفلام السينما المصرية، حيث أبدع فيه كل عناصر الفيلم، كما جاءت الموسيقى معبرة عن الرشاقة وسرعة الحركة بالزمن السريع النشط فى أداء الأوركسترا، وكطبيعة على إسماعيل فى معظم أعماله التوزيع الأوركسترالى يغلب عليه الغربية فى التناول الآلى والتوزيع المحكم البناء والبوليفونية الرائعة، تتمازج آلات أوركسترا النفخ والوتريات مع الإيقاعات وخاصة الاكسليفون بصوته الرقيق الرنان والذى أسند إليه دور كبير فى موسيقى التتر، فكانت الموسيقى معبرة عن الجو العام فى السلم الماجير، وتستهل اللحن الوتريات، ثم تتفاعل باقى آلات الأوركسترا ليتحول لحوار كلامى أو كأنه حالة الصراع بين الزوج والزوجة ..وعلى إسماعيل لديه قدرة غير عادية على تلخيص الفيلم السينمائى بأفكار درامية مكتملة ليترجمها موسيقيا ولحنيا بكل ما فيها من جمال وتعبير يتجسد فى الدقائق الأولى متمثلة فى تتر الفيلم ".

ولا بد أن تشعر بدهشة شديدة وأنت ترصد أعمال وحصاد حياة على إسماعيل، وتتساءل: متى أنجز كل هذا الإبداع المتنوع والغزير فى تلك السنوات المحدودة من العمر ؟..

فى حالة على إسماعيل فنحن أمام مؤسسة وليس فردا، مشروع موسيقى متكامل وليس مجرد ملحن أو موسيقار، بل إنك تتوقف محتارا إذا ما أردت تصنيفه، هل تحسبه على فئة الملحنين أم الموزعين أم مؤلفى الموسيقى أم قائدى الأوركسترا، ففى كل مجال له بصمته وروعته وتفرده ..

بل داخل المجال نفسه لابد وأن تطاردك الدهشة والتساؤلات، عن هذا الذى أبدع فى الغناء الوطنى أعمالا خالدة مثل "دع سمائي" و"أم البطل" و"رايحين شايلين فى ايدنا سلاح" ..وأبدع فى الغناء الخفيف ألحانا مغرقة فى الشعبية  مثل "كايدة العزال" و"الطشت قال لى " و"العتبة قزاز"..

ولن تصدق أن موزع أعظم ألحاننا الوطنية مثل "الوطن الأكبر" و"السد العالي" و"فدائي" هو ذاته الذى أبدع نغمات رقصات فرقة رضا  بكل ما فيها من بهجة ونشوة ومرح ..بل إن ما قدمه على رضا لفرقة رضا – لحنا وتوزيعا وتأليفا - كان كفيلا وحده بأن يحجز له مكانا بين عباقرة الموسيقى ..

 (3)

يستحق على إسماعيل ما هو أكبر وأهم من حفل غنائى أو مقال صحفى أو تكريم عابر، فالرجل قدم للموسيقى المصرية ما يجعله واحدا من المجددين العظام ..

مرت مئوية على إسماعيل باهتة .. ونتمنى ألا يكون هو مصير الذكرى الخمسين لرحيله التى اقتربت هى الأخرى ..وأتصور أنها مناسبة رد الاعتبار وإعادة الاكتشاف لهذا الموسيقار المُلهم ..

ومن بين الأفكار المطروحة فى هذا الصدد منح ابنته شجون على إسماعيل الفرصة لتنفيذ تلك الفكرة الطموحة عن سيرة والدها، وكانت قد صاغتها بتفاصيلها وفى شكل سيناريو مُحكم، ترصد فيها مسيرة هذا الموسيقار العظيم فنيًا وإنسانيًا، وهى بالطبع الأقدر على تنفيذها، بحكم صلة الدم، وبحكم المعرفة والقرب، وبحكم ما تملكه من مادة أرشيفية لا تتوافر إلا لديها ..

أتصور أن يتحمس لفكرتها هيئات بقيمة المركز القومى للسينما، أو مكتبة الإسكندرية، أو القناة الوثائقية الجديدة المزمع إطلاقها ..لتسارع بالاتصال بشجون على إسماعيل والبدء فورا فى تنفيذ هذا المشروع المهم ..عسى أن يكون اعتذرًا مرضيًا لروح بيتهوفن مصر ..

 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

مايان السيد مرشحة لفيلم على ربيع الجديد

رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.

تأجيل تحضيرات فيلم أحمد بحر الجديد

توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.

نانسى عجرم تتعاون مع عزيز الشافعى فى «نانسى 12»

بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...

بداية ونهاية.. أمينة رزق رسمت شخصية الأرملة الحائرة باقتدارٍ وصدق

فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...