سمير خفاجى اسم فارق فى تاريخ المسرح المصرى، وعلامة مميزة فى مشوارى، ويكفى أنه صاحب الجامعة التى تخرج فيها عمالقة الكوميديا، وأقصد بها فرقة "الفنانين المتحدين"، التى
سمير خفاجى اسم فارق فى تاريخ المسرح المصرى، وعلامة مميزة فى مشوارى، ويكفى أنه صاحب الجامعة التى تخرج فيها عمالقة الكوميديا، وأقصد بها فرقة "الفنانين المتحدين"، التى غيرت تاريخ المسرح فى مصر.
قبل سمير والمتحدين كان المسرح الكوميدى تحتكره فرقتا الريحانى وإسماعيل ياسين، وجاء سمير ليؤسس فرقته الجديدة سنة 1966 بالاشتراك مع الأستاذ مدبولى، ففتح المجال لصناعة نجوم جدد لمعوا وسطعوا مثل فؤاد المهندس ومحمد عوض وحسن مصطفى وغيرهم كثيرون.
كان سمير عاشقا كبيرا من عشاق المسرح، أنفق فيه عمره، وصرف عليه كل مليم فى جيبه، وكانت تجربته فى "ساعة لقلبك" ملهمة، وسببا فى ظهور أسماء أبهجت الناس مثل الدكتور شديد وأبو لمعة وخيرية أحمد وفتلة وبالطبع فؤاد المهندس ومدبولى.
ثم كان مشروع عمره بإنشاء "المتحدين" وبعد نحو عامين فقط من تأسيسها انسحب مدبولى وقبله المهندس الذى أسس فرقته الخاصة مع شويكار، لكن سمير قرر الاستمرار والصمود ومنح جيلى فرصة عمره، وراهن علينا أنا وسعيد صالح وصلاح السعدنى وحسن مصطفى.
الغريب أن بداية علاقتى مع سمير كانت متوترة، فقد رفض ترشيحى لدور الأستاذ دسوقى فى "أنا وهو وهى"، كان يرانى غير مناسب للدور، وأن ملامحى بعيدة عن الشخصية، فقد كان عمرى وقتها عشرين عاما وأبدو فى الحقيقة كتلميذ فى ثانوى بحكم نحافة جسمى، أما الأستاذ دسوقى بكل ما يحمله من دهاء فيحتاج إلى ممثل آخر أكبر عمرا ولا يحمل تلك الملامح الطفولية، ولذلك كان مصرا على ترشيح محمد عوض للدور، ولكن الأستاذ دسوقى كان قدرى.. و"مكتوب" لى!
وسرعان ما تحولت هذه البداية المتوترة إلى صداقة حميمة، وأصبح سمير خفاجى هو الأب الروحى لجيلى، كنا "وش السعد" عليه، وبشكل شخصى كان هو "وش السعد" علىّ.
(1)
تحول بيت سمير خفاجى فى جاردن سيتى إلى مقرنا الدائم ومحلنا المختار، وما زلت أذكر هذا البيت الجميل الذى كان يطل على قصر الأميرة شويكار، وكنا فى هذا الوقت قد بدأنا التحضير لمسرحية "مدرسة المشاغبين".
قبلها كنت قد حققت قدرا من النجاح فى أدوارى السينمائية والمسرحية، لم تكن تشغلنى مساحة الدور بقدر ما يشغلنى تميزى فى أدائه وكيف أصنع منه بطولة خاصة، ويبدو أن هذا التميز أثار غيرة بعض النجوم، فقد فوجئت مرة بنجم كوميدى كنت أشارك معه فى عرض مسرحى، ولم يحتمل ما كنت أحصل عليه من استحسان الجمهور وتفاعله وتصفيقه وضحكاته، ورغم أنه البطل ورغم أن دورى كان ثانويا بجانبه، إلا أنه قرر الاستغناء عنى وترشيح حسن مصطفى مكانى، وذهبت ذات ليلة إلى المسرح فوجدته قد شطب اسمى وصورتى من أفيش المسرحية، وقابلنى سمير خفاجى بابتسامته الهادئة وهمس لى:
- ولا كأنك شفت حاجة.. ادخل مثل دورك ولا يهمك.. ده دليل نجاح.. أنت بكره ح تكون نجم شباك والجمهور ح يجيلك أنت!
كانت ظروفى المادية قد تحسنت قليلا فاشتريت أول سيارة فى حياتى، فحتى ذلك الحين كنت أركب الأتوبيس أو التاكسى، وكان وجهى معروفا للناس فى الشارع فكنت أقضى وقتا فى السلام والكلام، وكان حدثا تاريخيا فى حياتى عندما ركبت أول سيارة من تعبى وعرقى، وكانت سيارة "رمسيس"، اشتريتها بالقسط وكنت أسدد 14 جنيها شهريا.. وكانت سيارة "صاحبة مزاج"، تمشى فى الوقت الذى يناسبها وتتعطل فى الوقت الذى يناسبها وعلى صاحبها أن يتأقلم مع مزاجها المتقلب!
كنت فى ذلك الوقت قد اخترت الفن مستقبلا ومصيرا، لا شىء يشغلنى غيره، ولذلك لم تكن فكرة الزواج على أجندة أعمالى، قلت أبعد عن الزواج وأغنى له، فهو مشروع بدا لى معطلا ولا يتناسب مع أسلوب حياتى، فأنا ابن الشارع والحرية والانطلاق والصعلكة، فكيف أترك كل هذا وأضع قيدا فى يدى ومسئولية فى رقبتى؟!
قررت أن تكون العزوبية هى شعارى، بل كنت العدو الأول للزواج فى شلة الصعاليك التى كانت تضمنى مع سعيد صالح وصلاح السعدنى وماهر تيخة.
لم يكن الأمر بهذه السهولة، فقد كنت أتعرض لضغوط يومية من أسرتى وخاصة أمى التى لم يكن على لسانها كلما رأتنى سوى سؤالها المزمن:
- مش ح نفرح بك بقى يا ابنى؟
وكانت المطاردات والإلحاح يشارك فيها أخواتى البنات، ومرة إيمان سألتنى:
- مش ح نشوف ولادك بقى يا أبيه عادل؟
ولكنى كنت أقلب الموضوع لهزار وأجيب بردود من نوعية:
- والله يا جماعة الطب تقدم.. وموضوع العيال ده بقى سهل.. ما سمعتوش عن أطفال الأنابيب؟!
ولكنى ضعفت مرة أمام هذا "الزن"، وقررت الارتباط بزميلة كنت منبهرا بها انبهار قروى ببرج الجزيرة، وتقدمت لخطبتها ولكن المشروع لم يكتمل، وعدت إلى عزوبيتى مستمتعا بحريتى وانطلاقى مع شلة الصعاليك، كنا نعيش الحياة ببساطة ومتعة وجنون على مذهب كامل الشناوى، وطردنا فكرة الزواج من دماغنا، لدرجة أننى ذهبت لأتخانق مع صلاح السعدنى عندما سمعت أنه ينوى الزواج وقلت له غاضبا:
- أنت اتجننت يا رفيق؟!
إلى أن ظهرت تلك الفتاة التى قلبت حياتى و"شقلبت" كيانى وغيرت خططى.
(2)
كنت فى غرفة المكتب بشقة سمير خفاجى عندما رأيتها تطل من بلكونة الشقة المجاورة، خطفتنى بجمالها وأناقتها ومسحة الكبرياء فى ملامحها، ووجدتنى أسأله بفضول:
- مين دى يا سمير؟
ودون أن يرفع سمير رأسه وكان مشغولا بتعديلات فى نص المسرحية أجابنى:
- دى هالة.. بنت لطيفة عايشة مع جدتها فى الشقة اللى جنبنا.
- أنت تعرفها؟
- طبعا.. مش جارتنا.. دى بنت ناس قوى ومن عيلة كبيرة ومتربية.
قلت له ساخرا وأنا أدارى فضولى ولهفتى وإعجابى بتلك التى شغلتنى فجأة:
- وإيه يعنى.. ما إحنا كمان ولاد ناس ومتربيين قوى!
وبدأت فى عمل "تحريات" عنها، وعرفت أنها تلميذة فى "الميردى دييه"، وتوفى والدها وهى بنت 14 سنة، فجاءت لتعيش مع جدتها.
شعرت أنها "تخصنى"، وكنت بسببها لا أترك بيت سمير خفاجى وكثيرا ما كنت أبيت عنده علنى أفوز منها بنظرة، وبسببها دخلت لأول مرة فى خناقة حقيقية وزعل حقيقى مع الشلة عندما وجدتهم يغازلونها، وبدأوا يحترمون علاقتى بها، رغم أنه حتى تلك اللحظة لم تكن هناك علاقة ولا يحزنون!
وضبطت نفسى متلبسا بحالة غريبة من السعادة عندما ابتسمت لى وتكلمت معى وتعارفنا وقبلت عزومتى على الخروج.
واكتشفت أننى أحس براحة نفسية شديدة عندما أتكلم معها، وأصبحت أحكى لها كل شىء، وكلها أحلام تتعلق بالفن ومستقبلى الفنى ولم أفتح معها موضوع الارتباط من قريب أو بعيد، بل قلت لها بصراحة:
- أنا عايزك تعرفى من الأول إنى مش بتاع جواز!
الغريب أنها وافقت بسهولة ولم تغضب أو تقطع علاقتها بى، والغريب أننى ازددت تعلقا بها، كانت تسحرنى ببساطتها وعدم تكلفها واتقانها لفن الإصغاء.. كانت تسمعنى باهتمام حتى لو كنت أقول لها مجرد كلام فارغ ونكات بايخة، ومرة فيما بعد سألتها:
- إزاى كنتى بتضحكى على نكتى البايخة؟
- مش مهم النكتة.. المهم طريقة إلقائها.. وأنت طريقتك نفسها تضحك!
ومرة فيما بعد سألتها:
- إيه اللى لفت نظرك لى رغم إن اللى كانوا بيشاغلوكى كتير؟
- حسيت إنك محترم نفسك وموهبتك.. عندك طموح وإصرار وحلم كبير وإيمان بنفسك.
وشاركتنى هالة حلمى الكبير، كانت الوحيدة التى يمكن أن أفضفض لها عما فى قلبى وكأننى أكلم نفسى، وازداد تعلقى بها وأصبحت جزءا أساسيا من حياتى، وفى يوم خرجنا معا وسرقنا الوقت فقلت لها بتلقائية:
- يللا بقى يا هلول علشان ما أتأخرش عن البروفة!
لا أعرف كيف تباسطت معها لهذه الدرجة، شعرت فى لحظة أنها قريبة منى، وحاولت أن أتدارك هذه الغلطة، لكنها ابتسمت وقالت بحنان حقيقى:
- ربنا معاك!
ووجدتنى أحكى لها عن دور "بهجت الأباصيرى"، الطالب المشاغب الذى يعيش الحياة بالطول والعرض، وعن شلة مدرسة المشاغبين التى يتزعمها، وعن مقالبهم وشغبهم مع مدرستهم الشابة الجميلة أبلة عفت، وكنت أقلد الطريقة التى يتكلم بها بهجت، وتأكدت من نجاحى فى الشخصية عندما ضحكت من قلبها وقالت:
- المسرحية دى ح تكسر الدنيا!
(3)
وشعرت بشىء ما يتحرك فى قلبى تجاهها، كنت أعرف أننى وقعت فى حبها، لكن ترددى كان أقوى من إعلانه والاعتراف به، كان هناك ما يمنعنى، كان هناك مستقبلى الفنى وطموحى وحلمى الكبير الذى لم يتحقق بعد وأخشى أن أنشغل عنه، كان هناك أسلوب حياتى الذى اعتدت عليه ويستحيل تغييره، فحريتى أغلى من أن أفرط فيها من أجل امرأة مهما كنت أحبها، وكانت هناك العقبة الأكبر وهى إمكاناتى المادية، فمن هى الأسرة التى تقبل أن تزوج ابنتها من شاب لا يملك شقة ولا تكاليف زواج ولا مصاريف بيت، خاصة إذا كانت أسرة أرستقراطية وميسورة وليس هناك ما يجبرها على تلك الزيجة "الفقرى"!
عشت هذا التردد لفترة، عين فى الجنة وعين فى النار، الخيار الصعب بين العزوبية والزواج، إلى أن حسمت هالة الموقف:
- عادل..إحنا ح نتجوز!
- بتقولى إيه؟
- إحنا لبعض.
كانت رغم صغر سنها ناضجة، قوية، حاسمة، وأدركت من معرفتها بى أن "الخطف" هو الطريقة الوحيدة التى تصلح فى حالتى، ولولا ما فعلته لظللت مترددا وخائفا من الدخول فى تجربة الزواج.
يومها عدت إلى بيتنا وقلبى يرقص من الفرح، وبالطبع لاحظت أمى حالتى، وبدون أن تسألنى اعترفت لها:
- ابنك يا أم عادل وقع واقف!
- يعنى إيه يا عدولة وقعت واقف.. ما تفهمنى يا ابنى!
- بقولك ابنك وقع واقف!
- والله ما أنا فاهمة حاجة.. بس المهم إن شكلك مبسوط وقلبك فرحان.
- ح أتجوز يا أم عادل!
ولكن الفرحة سرعان ما تراجعت عندما ذهبت لأطلب يد هالة، لأن أسرتها رفضت طلبى شكلا وموضوعا، فلم أكن بالنسبة لهم العريس المناسب لابنتهم، وراحوا يؤنبون ابنتهم المجنونة التى تحب "واحد ممثل".. وكمان لسه فى بداياته، يعنى لا هو عمر الشريف ولا حتى فؤاد المهندس!
وشعرت فى لحظة أن الموضوع انتهى عند هذا الحد، ولكنى فوجئت بهالة تخوض حربا وتدخل فى تحد من أجلى وتصر على الزواج منى رغم رفض أسرتها، بل وصلت المفاجأة إلى ذروتها عندما جاءتنى لتبلغنى بموعد الزواج!
الحق أقول إننى انبهرت بموقفها، وكنت على أتم الاستعداد لأن "أهد" جبلا من أجلها، فلست مجنونا لأن أضحى بشريكة حياة بتلك المواصفات، تتحدى الدنيا من أجلك، وتقبلك بكل عيوبك وظروفك، وتشاركك حلمك وإيمانك بنفسك، وتضحى بعيشة مرفهة من أجل مستقبل غير مضمون مع شاب لا يملك المهر الذى تستحقه!
واتخذت أصعب قرار فى حياتى: التنازل عن عزوبيتى المقدسة وتوديع مرحلة الصعلكة، وتزوجنا وعاد كل واحد منا إلى بيت أهله لأننا لا نملك شقة للزوجية!
وبدأنا من الصفر، وبعد شهور من "الدوخة" على مكاتب السماسرة عثرنا على شقة مناسبة (فى شارع النخيل بالمهندسين) دفعت فيها دم قلبى: 500 جنيه خلو، كانت على البلاط، لدرجة أننى فرشت ورق جرايد ونمت عليه خلال فترة توضيبها، وكانت أول قطعة أثاث اشتريناها بعد انتقالنا إليها هى "مرتبة" فرشناها على الأرض، ولكن سعادتنا كانت تملأ كل أركان الشقة وتُشعرنا أننا نسكن فى الجنة!
كنا نضع ملابسنا على كرسى لأنه لم يكن عندنا دولاب، ونأكل على الأرض لأنه لم يكن عندنا سفرة، وبدأنا نفرش البيت قطعة قطعة، غرفة غرفة، بالتدريج وبالتقسيط..وبالحب!
الغريب أنه جاء من ينصحنى:
- اوعى يا عادل تعلن إنك أتجوزت!
- وأخبى ليه.. ده جواز على سنة الله ورسوله.
- أيوه يا جدع.. بس ده مش كويس على مستقبلك الفنى.. مش خايف على معجباتك ولا إيه؟
لكنى رفضت النصيحة وأعلنت زواجى، فقد تعلمت من والدى أن الزواج مشروع مقدس، له التزاماته وواجباته، والذى يقدم عليه ينبغى أن يكون رجلا يتحمل المسئولية كاملة أمام نفسه وضميره والناس.. وقبلهم سنة الله ورسوله.
الغريب والمدهش أن معجباتى تضاعفن بعد زواجى، وسرعان ما تحول موضوع المعجبات إلى مشكلة، خاصة أن هالة كانت من خارج الوسط الفنى ولا تتخيل أن الفنان عليه أن يجامل جمهوره ومعجبيه دائما، وبدأت الغيرة تظهر، وبدأ الضرب تحت الحزام من الأصدقاء والمنافسين على السواء، وبدأت المشاكل، وشعرت بالخوف على هذا البيت الذى بنيناه طوبة طوبة، وأسرعت بالجلوس مع هالة ومصارحتها:
- أنتى بتثقى فىّ يا حبيبتى؟
- طبعا.
- طيب ياريت ما تصدقيش أى كلام تسمعيه.. أنتى عارفة إن النجاح له ضريبة.. ولازم تبقى فاهمة إن فيه ناس مش سعدا بنجاحى وعايزين يعطلونى بأى شكل.. يا ريت ما تسمعيش للشائعات.. اوعى تسمحى للناس يهدموا حياتنا!
وردت بجملة واحدة:
- انسى..وما تفكرش فى حاجة غير شغلك!
ومن يومها قطعنا الطريق على الشك والغيرة، وركزت فى شغلى..
وكانت هالة هى "وش السعد" منذ دخلت حياتى..
وكان "الانقلاب" الكبير فى مشوارى السينمائى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
الذين عاشوا فى العالم الافتراضى
الكتابة عن الشاعر الفنان الكبير صلاح جاهين فرض وواجب على كل كاتب وطنى، لأن هذا الشاعر كان صوت الشعب وضمير...
حول "ستيتش هيد"، الوحش اللطيف المصنوع من الخردة، وهو من ابتكار العالم المجنون الذي يصنع الوحوش فى قلعة جروتيسكيو، ويعمل...
قصة صداقة نادرة بدأت فى الكلية الحربية وتعمقت فى «منقباد» عبد الناصر يعمل مدرب ملاكمة للضابط الشاب أحمد مظهر مصادفة...